الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 التناقض الاساس في السياسة الاسرائيلية هو التناقض الحمائمي ـ الصقري. فلماذا تكون ألاغلبية الساحقة من الاسرائيليين حمائم في مواقفها الاساسية صقور في انماط تصويتها. لماذا يكون الاسرائيليون معتدلين على المدى البعيد ومتشددين على المدى القصير. ولماذا رغم حقيقة انهم يؤمنون باخلاء المستوطنات وبالانسحاب من معظم أرجاء الضفة هم رغم ذلك يريدون شارون؟ في الغالب فان تفسير هذا التناقض هو اجتماعي ـ سياسي، أنماط التصويت القبلية وعقدة المركز ـ المحيط وعقدة النخبة ـ الشعب هي العوامل التي تجعل الاغلبية الاسرائيلية تفكر يسارا ولكنها تصوت يمينا. تريد السلام ولكن تنتخب الليكود. غير أن مراجعة معطيات الخسائر الاسرائيلية منذ العام 1986 تبين امكانية وجود تفسير آخر، عقلاني، للتناقض الحمائمي ـ الصقري. هذه المعطيات تشير الى ان السنوات الـ 16 الماضية تنقسم بشكل واضح الى اربع فترات مختلفة. في سنوات 1986 ـ 1991، حيث ساد الجمود السياسي التام، قتل نحو 29 اسرائيليا في السنة بالمتوسط في الاعمال العدائية. وفي الاعوام 1992 ـ 1996، سنوات اوسلو، قتل نحو 86 اسرائيليا بالمتوسط في السنة. وبين اعوام 1997 ومنتصف 2000 ـ ثلاثة سنوات ونصف السنة التي حاول فيها نتنياهو وباراك اجراء مراجعات مختلفة لمسيرة اوسلو ـ قتل نحو 40 اسرائيليا بالمتوسط في السنة. ومنذ الانسحاب من لبنان ومنذ عرضت على الفلسطينيين تنازلات كامب ديفيد وطابا تفقد اسرائيل نحو 300 شخص في السنة في الاعمال العدائية. ان معنى هذه المعطيات واضح: انسحاب اسرائيلي او وعد بانسحاب اسرائيلي لا يؤدي الى وقف سفك الدماء، بل بالعكس. ففي كل مرة تنسحب فيها اسرائيل يتعاظم النزاع. في كل مرة تعد اسرائيل بالانسحاب، يرتفع خط سير القتل. وعليه ففي فترة حكم اسحق شامير قتل قدر أقل من الاسرائيليين (والفلسطينيين) مما في فترة حكم رابين وبيريز. وعليه ففي عهد البخل الاقليمي لنتنياهو قتل قدر اقل من الاسرائيليين (والفلسطينيين) مما في عهد السخاء الاقليمي لباراك. ذلك أنه في واقع الشرق الاوسط فان حقيقة تسليم الاراضي لا تؤدي الى السلام، بل أنها لا تؤدي الى الهدوء. وبالعكس. تسليم الاراضي تكلف الضحايا بالدم. لا يعني هذا انه حذار على اسرائيل ان تنسحب. فآجلا ام عاجلا ليس لاسرائيل بديل سوى الانسحاب. الفرائض الاخلاقية، المعطيات الديموغرافية والاضطرارات السياسية تلزمها بالانسحاب. ولكن ما يتضح بشكل قاطع من فحص خط سير الدماء، بانه لا يجوز لاسرائيل، اذ تخطط بانسحابها من الضفة الغربية وغزة، ان تتعلل بالاوهام: فالانسحاب لن يقلص الارهاب بل سيزيده. الانسحاب لن يقلص النفقات القومية على الامن، بل سيزيدها. الانسحاب لن يجلب الهدوء والطمأنينة الى مدننا، بل اندلاع العنف وخطر الحرب. وخلافا للهيئة السياسية، فان الجمهور الاسرائيلي يفهم هذا التعقيد الوحشي. فعلى الرغم من انهم لم يقرأوا معطيات الخسائر ولم يروا حراك خط سير الدم، فان معظم الاسرائيليين يتخذون موقفا سياسيا عقلانيا كما يفترض بهم تماما. فهم يدركون أنه في الوقت الذي لا توجد لسياسة اليمين اي فائدة على المدى البعيد فان اقتراحات اليسار خطيرة على المدى القصير. انهم يدركون أنه التحدي الوجودي الاكبر الذي يحدق باسرائيل في العقد الحالي هو كيفية الخروج من المناطق في ظل تقليص المخاطر التي ينطوي عليها. كيف يمكن الانسحاب والبقاء على قيد الحياة. هكذا فان التناقض الحمائمي ـ الصقري ليس تعبيرا عن مزاج هستيري لرأى عام مشوش. هذا التناقض ليس هجمة من جمهور مفزوع وخائف. هذا التناقض الحمائمي ـ الصقري يدل بالذات على أن فهم الواقع لدى الاغلبية الاسرائيلية راشد ومتزن اليوم اكثر مما كان في اي وقت مضى. ذلك انه عندما يقول الاسرائيليون للمستطلعين الذين يدقون ابوابهم انهم يريدون زعيما يمينيا ينفذ سياسة يسارية، فانهم في واقع الحال يقولون بان خطوة الانسحاب الخطير والحيوي يجب ان تنفذ ببطء، بحذر وفي ظل الروية والتفكير. انهم يقولون انه يجب ان ينفذ في ظل الصلة ببناء القوة وبث القوة. والا فانه سيرفع لجة الدماء عاليا الى مستوى لم نشهده من قبل. انه سيهز اسرائيل وسيعرض وجودها للخطر. ليس الوقت متأخرا فهذا الاسبوع اثبت حزب العمل أنه بدأ يصحو من هذيان متسناع الذي شوش احاسيسه على مدى اشهر عديدة. فهو اذ يترك البيلنيين خلفه ويتوجه رويدا رويدا الى الوسط، فان حزب العمل جعل نفسه مرة اخرى محفلا سياسيا ذا صلة. والان فان عليه ان يسير خطوة واحدة اخرى: وهي ان يتحرر من التعهد بالانسحاب السريع في غضون عام وان يطرح خطة لانهاء الاحتلال تكون بعيدة المدى، متزنة وحذرة. عليه ان يثبت انه يفهم كم هو الانسحاب الحيوي خطير. وعليه أن يبدي بان لديه اجوبة جدية على الخطر. اذا ما فعل حزب العمل ذلك، فلعله على الرغم من ذلك ان يكون له أمل في نهاية يناير. فازاء المشاهد القاسية التي تصعد الان من مركز الليكود، فان حزب العمل سيعرض أملا بالفعل. أملا واعيا هذه المرة. أمل دم، عرق ودموع. بقلم : آري شفيت _ عن «هآرتس»