الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 عشر سنوات، منذ بداية التحركات التي ادت الى اتفاق اوسلو، يجري الاسرائيليون والفلسطينيون حوار طرشان. الاسرائيليون تعبوا من السيطرة على الفلسطينيين «بلغة اليسار: الاحتلال» وهم يطالبون بالتعايش الهاديء مع جوارهم ومستعدون، في اغلبيتهم الساحقة بأن يدفعوا لقاء ذلك بالتنازلات وبالحلول الوسط. والجدال في اوساطهم ليس حول مبدأ التنازل بل حول حجمه. اما الفلسطينيون - فحسب عادتهم منذ المؤتمر الفلسطيني الاول في عام 1919 - لا يتحدثون عن حل وسط بل عن العدل المطلق والذي لا حل وسط فيه. قسم من المجتمع الاسرائيلي ممن لا تبتعد ذاكرته الى ما قبل العام 1967يعتقد، على سبيل الخطأ، بان العدل الفلسطيني يبدأ في ذاك العام. ففقط اذا ما انسحبت اسرائيل الى خط الهدنة السابق بين اسرائيل والاردن، واخلت معظم المستوطنات التي بنتها خلفه، فان المطلب الفلسطيني بالعدل يكون قد لبي وجاء معه الخلاص لصهيون. اما ذاكرة الفلسطينيين فأطول لتصل حتى حرب العام 1948، ان لم يكن حتى تصريح بلفور في العام 1917. العدل، من ناحيتهم، هو قبل كل شيء اعادة اللاجئين والاراضي، على الاقل في حدود التقسيم للعام 1947 ان لم يكن في ارض اسرائيل برمتها. وطالما دفعت التنازلات الاسرائيلية في العقد الماضي العدل الفلسطيني الى الامام، استقبلها الفلسطينيون كاعادة السليب الى اصحابه. ولكن ما ان توقفت التنازلات، حتى استأنف الحرب «في سبيل العدل». هكذا حصل في احداث النفق في العام 1996، والتي في اعقابها استأنفت التنازلات. وهكذا ايضا يحصل منذ عامين ونصف العام، وهكذا سيحصل في المستقبل اذا ما تنازلنا الان. يخطيء من يعتقد، بل ويضلل الجمهور من يحاول ان يقول، ان الفلسطينيين يقاتلون ضد الصهيونية منذ 85 عاما كي يقيموا دويلة مجردة من السلاح في الضفة الغربية وفي قطاع غزة. ومن لم يفهم قبل عقد من الزمان بان المنطلق الاسرائيلي لكل تنازل على انجازات 1967 يجب ان يكون الطلب الحازم من الفلسطينيين بقبول الواقع الناشيء في العام 1949 والاعتراف به - هو الذي جلب علينا الوضع الحالي. ومن لم يفهم ذلك اليوم - فانه يقودنا الى وضع اسوأ بكثير. منذ فترة غير بعيدة قرر مركز الليكود عدم اعطاء الفلسطينيين ما لا يريدونه على اي حال - دولة. وزعماء الليكود وحزب العمل يصرون على منح الفلسطينيين ما لا يريدونه - دولة. الحزبان الكبيران، ومعظم الجمهور الاسرائيلي، يلعبون الشطرنج مع أنفسهم. فلو اراد الفلسطينيون دولة من النوع الذي يبدي الوسط الاسرائيلي، بل واليسار، الاستعداد لاعطائهم اياها - لكانت لهم مثل هذه منذ زمن بعيد. غير أن سلم الاولويات التاريخي للفلسطينيين مغاير: انهم يريدون أولا تحقيق العدل واصلاح الجور - استعادة الارض التي يقولون انها سلبت منهم، واعادة اللاجئين الى هذه الارض. وبعد ذلك يقررون فيما اذا كانوا سيقيمون دولة واي دولة. ليست هذه رؤية عرفات وحده. فخلفاؤه لن يختلفوا عنه. يجري بين الفلسطينيين الان جدال مشابه لذاك الذي جرى في الجانب اليهودي في الثلاثينيات والاربعينيات. فالعمليون القلائل «ابو مازن، نسيبة» يرغبون بوضع الدولة، ولو في جزء مقلص من البلاد، قبل الارض واستخدامها كأساس لاستمرار الكفاح. اما محافظو عقيدة فلسطين فيدعون بالمقابل بان القبول بالدولة في قسم من المناطق معناه التنازل عن الباقي الى الابد. والتجربة الصهيونية يجب ان تحذرنا من اغراء العمليين الاسرائيليين. مرتان، في 1937 و 1947، رأى بن غوريون في الدولة وفي السيادة الشرط اللازب لاستمرار تطور الصهيونية، ولغرض تحقيقها كان مستعدا للتنازل عن جزء كبير من الارض. حتى انه رفض السيطرة على الضفة في نهاية 1948 بعد ان تبين له بان سكانها لن يهربوا، وانه سيتعين عليه ان يطردهم بالقوة او ان يقبل بهم في الدولة. وادعى معارضوه بان الدويلة التي ستبقى بعد التقسيم لن تكون قابلة للوجود وهكذا تأتي النهاية على المشروع الصهيوني. بن غوريون كان محقا على المديين القصير والبعيد. فقبول التقسيم اتاح اقامة الدولة وترسيخها. بيد ان بن غوريون كان حذرا من تحديد خطوط النهاية لحرب 1948 كحدود دائمة. وفي العام 1967 كان بوسع الدولة الاسرائيلية الراسخة بالتالي ان تسيطر على الارض التي تنازلت عنها في حينه. والسنوات التي انقضت منذ اذن أظهرت ان اسرائيل لا يمكنها ان تهضم هذه الارض بسكانها، وليست «الاحتلال». وانما مشكلتها هي مشكلة اخرى: حكم شعب آخر. لعل ثمة لهذا الشعب الاسرائيلي حل وسط منطلقه الوضع القائم، لا 1947 و 1967. ليس لها حل عادلا. لا عدلا يهوديا سلطة في كل ارض الميعاد ولا عدلا فلسطينيا «فلسطين عربية لقوة لارهاب وعدد السكان». وطالما تطلع طرف لحل وسط فيما قاتل الطرف الاخر في سبيل العدل كما يراه، لا يوجد حل للمشكلة. عن «يديعوت أحرونوت»