الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 العودة الفلسطينية الى غزة جرت وسط احتفالات وطنية مبهجة ظهر فيها الزي الفلسطيني والأهازيج والأغاني الثورية والشعبية، مظاهر العناق والترحيب بطلائع البوليس الفلسطيني والشباب العائد من المنافي وطلقات الأعيرة النارية، والخيام المنصوبة لاستقبال الزوار. وقبل ذلك قرر الجيش الاسرائيلي الانسحاب قبل الزمن المقرر بأيام وانسحب ليلاً، تجنباً لنظرات الفلسطينيين، وأخيراً رفع حظر التجول عن غزة وأصبح بمقدور سكانها التجول ليلاً وارتياد المطاعم والوصول الى البحر، النساء وحدهن أسفن على ذلك، فقد خرج الرجال من المنازل بعد ان كانوا فيها على الدوام. وعلى الرغم من بوادر الانفراج، الا ان هناك أسئلة معلقة تقلق بال الناس: متى سيفرجون عن المعتقلين؟ وما مصير المعارضين الفلسطينيين؟ وأمور أخرى كعدم قبول فكرة تسليم المطلوبين لاسرائيل، حتى في صفوف المدافعين عن السلام، وكذلك القلق من استمرارية وجود المستوطنات الاسرائيلية في الضفة والقطاع. خارج نطاق الدوائر السياسية المحيطة بعرفات، كانت تتزاحم مشاعر الريبة والحذر ونشوة التحرير، والصحافيون قلقون من المنحنى الذي ستسلكه السلطة الفلسطينية، تجاه حرية الصحافة، وبعض روائح الفساد كانت قد وصلت القطاع. ويشار الى ان قطاع غزة لم تتوفر له الفرصة الكافية للتواصل مع العالم الخارجي، سواء كان ذلك في فترة خضوعه للنظام المصري منذ 19481967 أو في فترة الاحتلال الاسرائيلي التي عزلته تماماً عن العالم العربي، ولذلك بقي المجتمع الغزاوي تقليدياً محافظاً، وهو في الأساس مجتمع زراعي، شحيح التطور اقتصادياً. وكان عدد سكان القطاع ثمانين ألفاً قبل عام 1948 وبلغ مائة وثمانين ألفاً في أعقاب حرب 1948 ولا يزال نصف سكان غزة يعيشون في مخيمات مكتظة، لقد قوت الانتفاضة من تمسك السكان بالقيم التقليدية والدينية. الآتون مع عرفات أو العسكريون ذوو الرتب العالية لهم مسلكيات وأخلاقيات مختلفة، فقد انتقلوا من الأردن الى لبنان وتونس وغيرها، وعاشوا أنماط حياة بعيدة عن أنماط الحياة السارية في مدنهم وقراهم الأصلية، وسريعاً ما تم تمييز هذه العائلات من خلال علامات الثراء والمظاهر الغريبة -، ولكن بقليل من التسامح مع تفهم للفروقات، لكن الاسلاميين اعتبروا هذا السلوك (الافرنجي) خيانة للشعب الفلسطيني، «رفعت» شاب في العشرين من عمره، مقاتل في تنظيم حماس، يعمل كهربائياً ويقطن في مخيم الشاطئ، يعتبر الفلسطينيين المقبلين من الخارج مسيئين للمجتمع الغزاوي، فهم «يعيشون على الطريقة الغربية وأغلب نسائهم غير محجبات، لقد ابتعدوا عن الاسلام». وعلى الرغم من أنّ الكثيرين من الفلسطينيين العائدين من الخارج لم يعيشوا في تونس الا ان الغزاويين يسمونهم (التونسيون) وعدد من الفلسطينيين الآتين من الخارج دهشوا لاكتشافهم هذا الجزء من فلسطين. فهم لا يجدون سوى مطعمين أو ثلاثة ولا يوجد ناد ولا سينما ولا مسرح، نظر الآتون الجدد الى الغزاويين كأناس متخلفين، وبعضهم لم يخف احتقاره أو رغبته في تعليم واصلاح المجتمع المحلي، وعلى الرغم من هذه العلاقات المتبادلة المتناقضة، لم يكن هناك توتر بين الطرفين، ولبعض القادمين علاقات قروية ببعض الغزاويين، ولكن فلسطينيي الخارج عرفوا بدورهم الانغلاق بحكم اقامتهم في غزة، وبعض القياديين في السلطة، كانوا يتمتعون بحرية التنقل الى الضفة وتل أبيب وأحياناً الى الدول الأجنبية، وفي مناسبات عديدة كانت اسرائيل تلجأ الى منع هؤلاء من التنقل بحجة العمليات الاستشهادية. وخلال سنوات قليلة أقام فلسطينيو الشتات بعض المواقع الترفيهية لهم، والتي لم تكن معروفة سابقاً عند الغزاويين. تشكيل قوى الأمن تشكيل قوى الأمن من فلسطينيي الخارج، يتطلب الحصول على الشرعية من مواطني الداخل، فهل الشباب الذين قادوا الانتفاضة على استعداد للتخلي عن السلطة، لصالح الحكام الجدد الآتين من الخارج، والقبول بأساليبهم في الحكم، وهم الذين كانوا في الأساس وراء الضغط على اسرائيل واجبارها لقبول التفاوض مع الفلسطينيين. وفي المقابل، لا يستطيع الحكام الجدد، الادعاء بأنهم حققوا نصراً على اسرائيل. ومحتوى الاتفاق أقل بكثير من برنامج فتح، والتي تعتبر اكثر الفصائل الفلسطينية اعتدالاً، وهي تناضل من أجل انشاء دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، تكون عاصمتها القدس الشرقية، واتفاقات اوسلو لا تؤمن للفلسطينيين سوى حكم ذاتي على الجزء الأعظم من قطاع غزة ونسبة ضئيلة من أراضي الضفة الغربية، كما ان مستقبل هذه الاتفاقات غير مضمون، والسلطة الفلسطينية لا تمتلك دخلاً مالياً يؤمن لها شراء السلام الاجتماعي، وكسب الولاءات للنظام السياسي الجديد. وبالتالي لجأت السلطة الى استثمار تعيين شباب الانتفاضة في الأجهزة الأمنية، وحققت نجاحاً في غزة، فالأمر يحقق لشباب الانتفاضة عملاً يعوضهم عن البطالة أو العمل اليدوي البسيط (الذي يضطرون اليه لعدم كفاءتهم العلمية أو المهنية)، كما انه يشبع رغباتهم الذاتية، فالعمل في الأجهزة الأمنية يشعرهم باستمرار السيطرة التي كانوا عليها في أيام الانتفاضة، وكانت لدى القيادة الفلسطينية وسائلها للضغط عليهم في حال تمردهم. ان نموذج الشاب «جمال» بالغ التأثير، فهو الذي انتمى أيام الانتفاضة لمجموعة «النسور» - الجناح العسكري لفتح، وعند وصول طلائع البوليس الفلسطيني الى غزة قال: سأطيع الأوامر في المستقبل، من الممكن ان ادعم حماس اذا شعرت أنها تخدم فلسطين بشكل أفضل. وعندما تمت ترقية جمال الى رتبة ملازم في خدمة دوائر الاستخبارات العسكرية، تبنى سياسة قمع حماس والجهاد الاسلامي وقال: «لو كنت في مواقع السلطة، فسأتخلص سريعاً من الاسلاميين». التحرك ضد الاسلاميين يعمل أحمد جاد الله مصوراً لدى وكالة رويتر، وهو أبن عائلة لاجئة تقطن في احدى ضواحي غزة، وهو الأكبر بين سبعة أطفال، عمره أربعة وعشرون عاماً وعائلته قريبة من حماس، ووالده رجل متدين، ويحظى بالاحترام في الحي فهو واعظ في المسجد، اعتقل أحمد مرة من دون سبب سوى ان الجيش الاسرائيلي يبحث عن أخيه صلاح الغائب عن المنزل، وصلاح هذا يواجه الاسرائيليين بضراوة من بعد استشهاد أخيه الأصغر «خالد» خلال الانتفاضة، وقصة استشهاد خالد جرت أثناء مواجهة بين الجيش الاسرائيلي وشباب الأنتفاضة، وفيها جرح خالد وأراد «صلاح» انقاذه، لكن «خالد» أصر على أخيه بالفرار حتى لا يعتقله الاسرائيليون، واكد له بأن الجيش سوف ينقله الى المستشفى لأنه جريح، لكن الجنود الاسرائيليين أجهزوا على «خالد» في الميدان، وشاهد صلاح بأم عينيه الأمر ولذلك أصر على المواصلة. وفي أحد أيام اكتوبر 1994 وجد أحمد في مكتبه رزمة تحتوي على شريط فيديو لعملية اختطاف الجندي الاسرائيلي (ناخشون فاكسمان)، وكان مطلب الخاطفين الافراج عن الشيخ احمد ياسين، ويضطرب «احمد» حين يسمع صوت أخيه صلاح، ويضغط رئيس الحكومة الاسرائيلية على السلطة الفلسطينية، ودوائر الاستخبارات الاسرائيلية تؤكد وجود المختطفين في غزة، وتحت الضغط يأمر ياسر عرفات قوى الأمن المختلفة، باجراء تحقيق سريع وفعّال ومن ثم اعتقال العديد من كوادر حماس، ويعتقل الأمن الوقائي أحمد للشك به، وعندما تم تحديد مكان الخاطفين قرب القدس وتمت مهاجمة الموقع وانتهت العملية بقتل الخاطفين الثلاثة والرهينة، يعلم احمد بالنبأ وهو في المعتقل، ويرفض الاسرائيليون تسليم جثة صلاح لعائلته كما يمنعون أحمد من مغادرة غزة، فلا يستطيع الوصول الى الخليج للعمل في مكتب «رويتر»، ولا يستطيع الوصول الى أوروبا لاستلام جوائزه التقديرية ولا غير ذلك، اذ يستمر في دفع استحقاقات العمل الذي قام به أخوه. شكلت عملية اختطاف الجندي «فاكسمان» تحولاً في وظيفة السلطة الفلسطينية، اذ تحت تأثير الضغط الاسرائيلي تحركت قوى الأمن الفلسطيني لتحديد الشبكات الاسلامية والتحقيق مع المشتبهين واكتشاف مكان الخاطفين. وتصبح من مهمة الأجهزة الفلسطينية مراقبة حماس والجهاد الاسلامي، وتوسعت أعداد هذه الأجهزة، ففي أتفاق اوسلو تم تحديد البوليس الفلسطيني بتسعة الآف عنصر، وهم الآن خمسون ألفاً (في ذلك الوقت)، وهذا التضخم حصل بموافقة ضمنية اسرائيلية، اذ يصب لمصلحتها في تأمين الحماية لها. وترى جملة من الأجهزة الأمنية الفلسطينية النور «البوليس المدني، الاستعلامات (المخابرات) العامة، الاستخبارات العسكرية، الأمن الوقائي، البحرية، القوة 17، الحرس الرئاسي، الأمن الوطني والقوة الخاصة للأمن) تعمل جميعها في القطاع والضفة، وعرفات يضمن بهذا التضخم توزيع مواقع القوى على أكثر من مسئول، ليتجنب حصرها في شخص واحد، تحقيقاً لشعار «الختيار» «القسمة من أجل الحكم الأفضل» وهذا يضمن التنافس بين جميع الأجهزة. أخلى الجيش الاسرائيلي نابلس قبل يومين من الموعد المقرر في ديسمبر 1995، وقبل ذلك كان شباب الانتفاضة (احمد طابوق ورفاقه) قد ناقشوا شروطهم للأنضمام الى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، الرئيس الفلسطيني يطالب الشباب بتسليم أنفسهم، لكنهم يخافون ويختبئون، وبعد يومين من الحصار يستسلمون، وينقلون الى معتقل في أريحا، ويمضون عاماً ونصف، ولكن مسألة اعتقال ناصر جمعة ومحمود الجمايل ووفاة الأخير متأثراً بجراحة تحت التعذيب، تثير الغضب في نابلس، وتحول مراسم الدفن الى تظاهرة هائلة ضد السلطة الفلسطينية، تهاجم محطة للوقود يمتلكها رئيس بلدية المدينة غسان الشكعة، وتتوجه الى منزله موجهة له أصابع الاتهام في مقتل الجمايل. وعائلة الشكعة من كبرى عائلات نابلس، فمنذ بداية القرن العشرين احتل العديد من المناصب منها منصب رئيس البلدية، ومنهم رجال أعمال وملاك أراضي، وتسيطر عائلة الشكعة مع عائلات كبيرة أخرى مثل المصري وكنعان والنابلسي وعبد الهادي على المدينة منذ عصر الأمبراطورية العثمانية، وفي القرن التاسع عشر كانت نابلس مدينة صناعية متخصصة في النسيج والصابون، وكل عائلة استثمرت في صناعات معينة، وكان لديها شبكاتها الخاصة بها، وعلى الرغم من وجود عنصر المنافسة، الا ان هناك محافظة على تفاهم كافٍ للحفاظ على المواقع. ومن أجل ضمان النظام الاجتماعي كانوا يقومون بتمويل الأنشطة الخيرية التي تخفف من بؤس فقراء المدينة. وخلال الاحتلال الاسرائيلي لعب قسم من هذه العائلات، دور الوسيط بين الادارة العسكرية والمجتمع الفلسطيني، كان لدى الدولة اليهودية مصلحة في دعم سلطة النخبة التقليدية في القطاع والضفة. وفي الواقع كان هؤلاء يشكلون البديل لمنظمة التحرير التي كانت اسرائيل لا تقبل اعتبارها مشاركاً ممكناً للتفاوض، حتى بداية التسعينيات. وحكومة رابين اسقطت هذا الرفض باجرائها مفاوضات سرية مع ممثلين عن (م.ت.ف). لكن الانتفاضة كانت قد هزت النظام الاجتماعي القائم على تفّرد العائلات التقليدية، فقد تم تحييدها أو تهميشها، وبدون شك لم يكن موت محمود الجمايل مخططاً له من قبل السلطة الفلسطينية، والقرار بتنفيذ التعذيب الجسدي اتخذه مسئولون متنفذون في السلطة، بهدف الترويع، ومن الواضح ان الشابين كانا يشكلان تهديداً مباشراً لسمعة ومصالح شخصيات مؤثرة في السلطة. والحادثة تعكس عنف العلاقات الطبقية في المدينة. اندفاع الشباب الذي هز الاستقرار الطبقي للمدينة أثناء الانتفاضة، ومن ثم عودة القوى السائدة تقليدياً بعد قيام الحكم الذاتي الفلسطيني، ظواهر وصلت الذروة في نابلس. ومن أجل تدعيم سلطته في الضفة، وبخاصة في نابلس عمد ياسر عرفات الى عدم تجاوز هذه العائلات المهمة، فالعلاقات المميزة لهذه العائلات وارتباطها بالأردن الرسمي فرضت على عرفات الحرص في تعامله معها، خاصة وأن الخيار الأردني يتم التلويح به من حين الى آخر، وعرفات معني بتثبيت دعائم نظامه ولذلك حرص على اسناد مناصب مهمة لرموز العائلات فاختار غسان الشكعة رئيساً لبلدية نابلس وماهر المصري وزيراً للاقتصاد ومحمود العالول حاكماً للمدينة وسعيد النابلسي رئيساً لغرفة التجارة. وفي توازن اللعبة هذه يعتبر غسان الشكعة مركزاً مهماً، والرجل قريب من شخص ياسر عرفات، وحاول الشكعة تجميع القوى لتعزيز سلطته فعرض على بعض شباب الانتفاضة العمل معه، وقبل بعض منهم العمل معه كحراس شخصيين. انتصار الوجهاء تم استيعاب جزء من مقاتلي فتح في مؤسسات النظام السياسي الجديد. المحاربون القدامى أصبحوا مسئولين عن الحفاظ على الأمن، وبالتالي مساهمين في الحفاظ على نظام منحاز لمصلحة البرجوازية في نابلس، فالتجار والمستثمرون ـ الذين كانوا مكبوحي الجماح أثناء الانتفاضة ـ لهم مصلحة الآن في ان يسود جو من السلام الاجتماعي، ويعارضون تدخلاً كبيراً من جانب السلطة الفلسطينية في شئونهم. «خالد» شاب من عائلة ميسورة في نابلس، تعمل بتجارة السيارات الأجنبية، كان خالد قد أنهى دراسته في الجامعة الأميركية في القاهرة، وعاد الى نابلس في عهد السلطة الفلسطينية، وعائلته ترفع شعار «لا سياسة ولا رئاسة ولا جنون» فهي تعمد الى النجاح الاقتصادي والتقدير الاجتماعي، ولا تشكل منافساً للعائلات المهمة وليس لديها طموحات للحصول على مناصب، لكن شقيقه الأصغر أيمن الذي كان طفلاً في الانتفاضة الأولى، ينشط مع حماس خلافاً لارادة وتعليمات العائلة، وقد اعتقلته اسرائيل وحكمت عليه بالسجن خمسة عشر شهراً، ومنعته من مغادرة نابلس، وقد واصل دراسته. وعلى الرغم من عدم اهتمام «خالد» بالسياسة، الا انه عّبر صراحة عن تحديه للنظام الجديد، مع ان السلطة تعامل العائلات الكبيرة في نابلس معاملة متميزة، اذ ان هذه العائلات عادت لاحتلال الموقع الذي كانت عليه قبل الانتفاضة، وبشكل عام تمتع المستثمرون بحرية العمل دون تدخل السلطة، على عكس ما كان يحدث في قطاع غزة، لكن هذه العائلات تنظر الى السلطة بشك وتعتبرها غير فاعلة وفاسدة وتتخوف أيضاً من تحالفها مع مقاتلي الانتفاضة الذين أصبحوا كوادر في أجهزتها الأمنية. ولكن قوى الأمن الفلسطينية لا تظهر بشكل علني ومكثف كما هي الحال في رام الله، وغزة، اذ يبدو ان شخصية غسان الشكعة تفرض نفسها بقوة على الأجهزة الفلسطينية، شأنها في ذلك شأن بقية وجوه العائلات الكبيرة في نابلس. وشباب الانتفاضة يندمجون في الفترة من 1996 - 2000 ضمن نظام سياسي واجتماعي ركيزته العائلات الكبيرة. وتنجح هذه العائلات من خلال أعمالها الخيرية في سد الطريق على سخط الفقراء. ونجح رئيس بلدية نابلس بصنع التعايش ما بين السلطة الفلسطينية والبرجوازية المحلية، وأحاط نفسه بعشرة حراس شخصيين وتمكن من اطفاء الغضب الجماهيري. أبطال مخيم بلاطة «ناجي وبسام وسامي» الذين أبعدوا عام 1992، يتم السماح لهم بالعودة في نهاية 1995، ويوافقون على طلب اسرائيل بوقف العنف ضدها، والسلطة من جانبها توفر لهم فرصة الالتحاق بأجهزتها الأمنية، وبسام ينخرط في المخابرات العامة، و«ناجي» في الأمن الوقائي، بينما يرفض «سامي» الانضمام لأية مؤسسة «فالحياة العسكرية لا تستثيره» حسب قوله، وسرعان ما يتخلى بسام عن وظيفته، لأنه يرفض الطلب الموجه اليه بقمع كوادر حماس، وفي عام 1996 يسجل في جامعة النجاح لدراسة علم الاجتماع، وهو يأمل في العمل في وزارة الشئون الاجتماعية، أو مع احدى وكالات الأمم المتحدة للتنمية، ويأمل أيضاً باستكمال دراسته في اوروبا وتحديداً ايطاليا - البلد الذي ينجذب اليه باستمرار- ولموقف الايطاليين المتميز تجاه القضية الفلسطينية، ولكنه يدرك استحالة ان تسمح له اسرائيل بالسفر، وناجي يتحول الى الشرطة المدنية، والى جانب ذلك يعمل في أبحاث جامعية، ويتزوج من ليلى على الرغم من الفروقات الطبقية بينهما، وعلى الرغم من معارضة عائلتيهما، ويقيمان أول الأمر في رام الله فتشعر ليلى بالسعادة والحرية أكثر من حياتها في نابلس، وتحظى رام الله بعدد من منشآت السلطة، وبوجود عدد من أبناء النخبة المثقفة والنخبة السياسية فيها. وتبعد رام الله عن القدس حوالي عشرين كيلومتراً، وهي المدينة الأكثر نشاطاً وحرية، والحياة فيها تميل الى النمط الغربي، وكثير من أهلها المهاجرين في أمريكا يزورونها، والبعض منهم يحاول العودة والاقامة فيها. وفي رام الله يتعايش المسلمون والمسيحيون والقرويون واللاجئون، وكان التفاهم بين المسيحيين والمسلمين قائماً على الدوام. ومنذ القرن السابع عشر كانت العائلات المسيحية المتخصصة في صناعة الأخشاب والمعادن تتبادل الأراضي الخصبة مع المسلمين المتخصصين في الزراعة. وفي منطقة رام الله توجد حالياً نسبة كبيرة من اللاجئين، ويوجد فيها أيضاً القادمون من المدن والقرى المحيطة بحيث ان نسبة سكانها الأصليين لا تتجاوز 10% من سكانها الحاليين. وفي جامعة بير زيت تختلط الطالبات المحجبات مع الطالبات باللباس الغربي. ويعود ناجي وليلى للسكن في نابلس وينجبان طفلتين، وفي كل مرة يكون ناجي معتقلاً في سجون السلطة، وتهتز الهوية الفلسطينية دوماً نتيجة المواجهات الكامنة بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وتحاول السلطة الحفاظ على التوازن، فالتخلي عن المعركة ضد الاسرائيليين وتشكيل هوية الحكم الذاتي وضعت الشعب الفلسطيني في مواجهة مع نفسه، بينما كان النضال ضد الاحتلال يستوجب تجاوز الانقسامات الداخلية، وعلى الرغم من قدرة عرفات على فرض نظامه، الاّ ان التشققات الاجتماعية والسياسية تتعمق في المجتمع الفلسطيني، الى جانب تدهور الوضع الاقتصادي الذي يزيد التباعد بين مختلف الشرائح الاجتماعية. وجب على السلطة الفلسطينية في المقام الأول، مواجهة التحدي الرئيسي وهو الحفاظ على وحدة مختلف الأراضي التي تسيطر عليها، فهناك صعوبة ربط الضفة بقطاع غزة، وحرية التنقل بينهما، مرتبطة باسرائيل مما أوجد هوة واسعة بين شطري الأراضي الفلسطينية، وبالتالي الاضرار بالوحدة الوطنية. فقد أثار وصول وحدات من الشرطة الغزاوية الى رام الله ونابلس الرفض والاحتجاج، فمواطنو الضفة يعتبرون الغزاويين متخلفين وقليلي التعليم. وكذلك توجد توترات بين فلسطينيي الداخل والخارج وبين سكان المدن وسكان المخيمات. والخيارات الاستراتيجية للحكام الفلسطينيين تزيد من التباعدات والتوترات، فحماس وفصائل أخرى، عارضت اتفاقات اوسلو وكيان الحكم الذاتي - وهي بعملياتها ضد المدنيين الاسرائيليين- تضع احتكار العنف الشرعي المتوقع ان تمارسه السلطة موضع التساؤل، حيث يتعرض عرفات لضغوط متناقضة، فاسرائيل تطالبه بازالة كامل الشبكات العسكرية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بالحركة الاسلامية، بينما يؤدي قمع الأجهزة الأمنية الفلسطينية لهذه الشبكات الى خلخلة التماسك الوطني. أنشئت المخيمات الفلسطينية على أثر حرب 1948 التي تسببت في ابعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين، على أساس انها شكل من أشكال السكن المؤقت، والعائلات التي اجتمعت تحت خيام الصليب الأحمر، جاءت في معظمها من المناطق الريفية وقد فقدت كل شيء من ممتلكاتها، وفي عام 1950 تسلمت مسئولية اللاجئين وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فانشأت مخيمات اسمنتية وعملت على تأمين متطلبات التعليم والصحة والشئون الاجتماعية والاقتصادية للاجئين في الضفة الغربية وغزة والأردن وسوريا ولبنان، فأقامت مدارس ومراكز تدريبية ومستوصفات صحية، وكان على الأونروا ان تختفي عند حل مشكلة اللاجئين، ولكنها وعلى الرغم من قدوم السلطة الفلسطينية بقيت تدير عشرين مخيماً في الضفة وثمانية في غزة. بين الحر والاختناق يمتد مخيم الشاطئ شمال مدينة غزة بموازاة البحر الأبيض المتوسط، على عدد من الكيلومترات، ويشهد كثافة سكانية هائلة 18 ألف نسمة/كيلو متر مربع، وفي عام 1971 وبقرار من أرييل شارون، شق الجيش الاسرائيلي طرقاً عريضة داخل المخيم ليزيل ألفي منزل، وكان الهدف من ذلك مواجهة المقاومة التي تطورت في غزة في نهاية الستينيات. وفي المخيم خمسة مساجد وسوق ومدرسة اعدادية تابعة «للأونروا» تستقبل الطلاب على فترتين لضيق المكان، في غزة تبدو المخيمات مدناً من الأكواخ، ولغاية عام 1996 لم يكن سوى 15ـ 30% من الطرق معبداً، وفي الشتاء يتوجب على سكان مخيم الشاطئ الخوض في المستنقعات المائية والأوحال، وشبكات المجاري في أقنية مكشوفة تصب في البحر، وأكوام القمامة تتجمع هنا وهناك. وعلى الرغم من صعوبة الحياة، فان السكان مرتبطون بشكل وثيق بهذا المكان، الذي ولدوا وترعرعوا فيه، حيث يقولون: «هنا نحن شعب بسيط، ولكننا نحب بعضنا البعض، هنا ليس كما في منطقة حي الرمال، حيث توجد النقود لدى الناس، البسطاء من الناس يتعاضدون معاً». المنازل مزودة بمياه غير صحية، وتتكون فقط من ثلاث الى أربع غرف يتجمع فيها حوالي 12 شخصاً، الكثير من الوحدات السكنية احتفظت بسقوفها الأصلية: صفيحة متموجة من المعدن تقي بشكل سييء من الظروف الجوية القاسية في الشتاء والصيف، وما يسمى بالبيوت تقع على الشارع، وتستقبل ضوء النهار، ولكن الغالبية منها متكدسة ومتقاربة، وبالتالي تبقى معتمة وقاتمة، ولحمايتها من أعين الناظرين تجد النوافذ ذات فتحات صغيرة في قمة الجدران ومحمية بقضبان. وبعض المساكن حافظ على التقليد العربي ببناء ساحة داخلية، في منزل «أبو جمال» ساحة داخلية فيها شجرة كبيرة، يجتمع تحتها الأبناء والأصدقاء لاحتساء القهوة والشاي، وله ولدان متزوجان، يسكن كل منهما في غرفة مع زوجته وأطفاله الثلاثة، وينام أبو جمال الأرمل في غرفة ثالثة ـ وعلى الأرض تمنع الأنظمة الرسمية «للأونروا» تحويل المأوى الى منزل صلب «دائم الانشاء»، ولكن نتيجة التزايد الطبيعي للسكان، اضطرت الوكالة الى تليين موقفها وتبني سياسة (دعه يفعل)، وبعد الانتفاضة الاولى وانسحاب الجيش الاسرائيلي، تردد السكان في اعادة بناء منازلهم خوفاً من سياسة اسرائيل في هدم منازل المطاردين. منذ قيام الحكم الذاتي الفلسطيني تحولت مخيمات اللاجئين الى ورش لأعمال الترميم والاضافات، ولكن انصراف السلطة نحو سكان المدن وبقاء عمليات اصلاح المخيمات من مسئولية الأونروا أحبط سكان المخيمات. الحياة المريرة للاجئين تخلص مواطنو مخيمات اللاجئين في الضفة من الصفائح المعدنية، وأنشأوا سقوفاً تؤمن عزلاً أفضل في الشتاء، يقع مخيم بلاطة ضمن امتداد مدينة نابلس، ويبعد بضع دقائق عن مركز المدينة، أزقة ضيقة تفصل بين المنازل المصفوفة مع وجود شوارع رئيسية معبدة، تسمح بمرور المركبات، وعائلات المخيم تعرف بعضها البعض، ومنهم من ينتمي الى قرية واحدة، التجاور القسري واقتسام المصير نفسه يربط بين الناس، فأم «أحمد» واحدة من سكان المخيم كانت تتدخل في مظاهرات الانتفاضة الأولى، وتسحب الشباب من بين الجنود الاسرائيليين، وتصرخ «هذا ابني، وذاك ابن خالتي، دعوهم يعودون الى المنازل»، وحالياً أم أحمد عجوز في الرابعة والستين من عمرها، لم تتعلم القراءة والكتابة، وعندما كانت في العاشرة من عمرها، ذهبت الى مختار القرية كي يقنع والديها بارسالها الى المدرسة، وعام 1948 اضطرت لمغادرة قريتها بالقرب من يافا مع عائلتها الكبيرة الى «سلفيت» قرب نابلس، والعمل في الأرض، وتزوجت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وأقامت في مخيم بلاطة، في مأوى هو عبارة عن غرفة واحدة مقدمة من الأونروا، تقول «لم أكن أرغب بالزواج، ولكن عائلتي فرضته علي، حيث لم نكن نمتلك المال عند وصولنا الى سلفيت، في هذه الأحوال، كان الناس مجبرين على تزويج بناتهم لتوفير لقمة عيشهن». عمل زوجها في تجارة الطيور، وكانت تساعده لاعالة اثني عشر طفلاً وتعليمهم، فقد حاول الأباء جهدهم في ذلك الزمن، كي يعلموا أولادهم، بعد ان حرموا هم منه، ولأن العلم يمثل نوعاً من رأس المال المتحرك الذي يمكن المحافظة عليه مهما تغيرت الظروف. لقد برهن آباء المخيمات على تمسكهم بخيار التعليم لبناء مستقبل أبائهم. و«أم أحمد» علّمت أبناءها وزوّجَتْهم باستثناء الولدين الصغيرين، واضطرت هي أيضاً لتزويج ابنتيها مبكراً بسبب الظروف الاقتصادية. وتعيش حالياً مع زوجها في بيت من ثلاث غرف، وقد أضيف للمنزل طابق جديد يسكنه أحد الأبناء مع أطفاله، وتقول انها تحب «بلاطة»، «لن أغادر هذا المكان فقلبي ملتصق به». عادت «أم أحمد» مرة واحدة فقط الى بلدتها الأصلية مع زوجها وأهله، منزل والدها ما زال قائماً ويسكنه اسرائيليون، لم تجرؤ اللاجئة من الاقتراب وقالت: كنت خائفة منهم، وأعلم أنهم كانوا خائفين مني أيضاً، بقية القرية تم تدميرها. وانهالت دموعها لدى رؤيتها لمكان طفولتها، وعلى الرغم من ارتباطها بأرضها الأصلية، الا أنها مستعدة للتخلي عنها والقبول بدولة في الضفة وغزة « لكن اسرائيل لا تريد السلام، شارون يريد عمل صبرا وشاتيلا هنا مرة أخرى». وتؤكد «أم أحمد» أنها متشائمة، المستقبل بالنسبة لها هو «الخوف وطلقات النار». أمام تقدم الجيش الاسرائيلي عام 1948 والرعب الذي كانت تقوم به بعض الوحدات الاسرائيلية والدعاية الاعلامية العربية، فّر الفلسطينيون من قراهم، واستقبلهم سكان الضفة وغزة بحذر، واستخدمتهم البرجوازيات المحلية في أعمال شاقة وبأجور متدنية، وما زال أهل المخيمات يحتفظون بذكريات مريرة عن تلك الأيام. وأم أحمد اليوم تعاني من الارهاق بعد حياة شاقة، كانت تقطع المسافات الطويلة لزيارة أبنائها المعتقلين أو المشاركة في جنازات الشهداء، وتعتقد ان على الحكومة ان تدفع لها راتباً تقاعدياً، مقابل العذاب الذي تحملته «لقد ناضلت وقاومت وأصُبِتُ برصاص مطاطي». وتنتقد أم أحمد السلطة الفلسطينية لأنها لم توجد فرص عمل للشباب، وتتهم أم أحمد العالم العربي بالسلبية وتناشد المجتمع الدولي لمساعدة الشعب الفلسطيني.