الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 عاشت لاتيسيا بوكاي مؤلفة كتاب «أجيال الانتفاضة» الصادر قبل أشهر بالفرنسية لمدة عامين كاملين في الأراضي الفلسطينية لاعداد كتابها، وهي اختصاصية بالشأن الفلسطيني منذ عشرة أعوام، وأصدرت ثلاثة كتب أخرى هي «الحياة اليومية لدى الفلسطينيين في غزة» و«عنف السلام» و«الفلسطينيون بين السلام والحرب»، وهي أستاذة بجامعة بوردو الفرنسية الثانية ومسئولة اعداد المؤتمرات السياسية والاجتماعية للجامعة وتعمل في كلية العلوم الانسانية ـ دائرة علم الاجتماع. الكتاب دراسة اجتماعية ـ سياسية متميزة من وجهة نظر غير عربية حيث قامت المؤلفة خلال اعداده بالحديث المباشر والمطول مع المئات من الناس العاديين ومن نشطاء الانتفاضة ومن رجالات السلطة، وهي تصف تدافع أجيال الانتفاضة وترصد الفروق بين الانتفاضة الأولى والثانية وتتناول القمع الاسرائيلي الوحشي الذي ترى فيه ارهاصات الاستقلال الفلسطيني. في احدى أمسيات شهر ابريل من عام 2001، قررت مجموعة من الشباب مهاجمة مركز للجيش الاسرائيلي في مدينة نابلس المحاصرة بالمستوطنات. والشباب المزودون ببنادق ام ـ 16 والأجهزة الخلوية تسلقوا الجبل، حيث المركز المحصن والاسرائيليون المسلحون بالسترات الواقية من الرصاص، والجدران، والشباب الآن في مصيدة الخطر، وهم يتبادلون اطلاق النار مع الاسرائيليين ويسألون أنفسهم ان كانت هذه آخر مواجهة لهم، وعندما رن هاتف سامي الخلوي وكانت صديقته ايمان تطمئن عليه من مخيم بلاطة قال لها: «قولي الى اللقاء». لكن سامي ورفاقه يتمكنون من الافلات والعودة الى المخيم بعد عدة ساعات. هم أربعة: سامي وناجي وبسام وفؤاد أصدقاء منذ الطفولة، ورفاق في النضال والاعتقال والابعاد، منذ الغضب الذي عم الأراضي الفلسطينية في خريف 2000، تمركزت مواجهات المجموعة في البداية حول قبر يوسف في نابلس، وهو المكان الذي شكّل نقطة حساسة خلال مواجهات سبتمبر 1996 في أعقاب افتتاح النفق، قرب المسجد الأقصى في القدس. كانت خسائر الاسرائيليين كبيرة بحيث اضطرتهم للتفاوض مع السلطة الوطنية الفلسطينية لاخلاء الموقع. وأدى انسحاب الاسرائيليين من الموقع الى خفض حدة التوتر، لكن ذلك لا يدوم فتعود المواجهات في مارس 2001. مجموعة الشباب تلتزم الحذر في تنقلاتها، فالجيش الاسرائيلي يطاردهم، ولذلك لا يستطيعون العودة الى نابلس في النهار، كما أن عليهم الابتعاد عن أية نقطة عسكرية اسرائيلية. ويستقبل سامي رفاقه في غرفته في مخيم بلاطة، وأكثر الشباب التصاقاً به هو ناجي، فهما جاران في السكن وزميلان في الدراسة، الأول هادئ وجدي ومكتئب، بينما الثاني نشط ومندفع، صنع ناجي علماً فلسطينياً وراية للثورة وكان عمره سبع سنوات، والتحق بالتظاهرات أيضاً، وبينما كان في الثامنة من عمره يتوفى والده تاركاً زوجة وأحد عشر طفلاً (ثمانية أولاد وثلاث بنات)، وبينما كان عمر ناجي ثلاثة عشر عاماً، أخذ يصنع سلاحاً مع سامي ويهاجم مع أطفال آخرين مستعمرة اسرائيلية، وبعد ذلك بعام يعتقل الاسرائيليون ناجي وتحكم عليه المحكمة العسكرية بالسجن خمس سنوات، ويحتج المحامي أمام القاضي بقوله «تقرر وضع طفل بالحبس، ولكن سترى، انه سيخرج رجلاً من المعتقل». وخلف القضبان، تصلّب عود ناجي وتسلح سياسياً، الأطفال المتمردون والشجعان أصبحوا مجاهدين مُسَيّسين ضمن تنظيم مؤطر هيكلياً، لقد كانت السجون الاسرائيلية بمثابة مدرسة حقيقية لآلآف الفلسطينيين. وفي المعتقل التقى ناجي ببسام، وكان الأخير قد انضم الى تنظيم فتح منذ عامين، وينتمي لمجموعة تهاجم الدوريات الاسرائيلية بكوكتيل المولوتوف، وناجي الذي يعرف نفسه من فتح، يلتحق بهذه المجموعة في السجن، وسامي لا يعلم بما يحدث لرفاقه الا بعد عامين. منع الاحتلال العسكري الاسرائيلي تنظيم فتح، وطارد عناصره الذين قرروا عام 1981 انشاء تجمع «لجنة الشباب للعمل الاجتماعي» المعروفة رسمياً باسم «الشبيبة»، الهدف ليس سياسياً وانما هو في الواقع يستهدف استقطاب المناضلين واضفاء صفة شرعية على تنظيم فتح. وتتضاعف المجموعات في المدارس الثانوية والجامعات، وتتمحور انشطتها حول المساعدات الاجتماعية والأنشطة الثقافية، ومن خلال هذا التنظيم تستطيع فتح زيادة تأثيرها والتعويض عن تأخرها في هذا الميدان، مقارنة بالتشكيلات اليسارية الفاعلة منذ عام 1970، وتعلن فتح عنها كتنظيم ثوري، وترفض الانغلاق داخل خطاب ايديولوجي، فالهدف هو تجميع الشعب الفلسطيني أكثر من المسألة الأيديولوجية، وفي الثمانينيات تصبح فتح التشكيلة السياسية الأكثر شعبية في المناطق الفلسطينية. داخل المعتقلات الاسرائيلية يقارن بسام بين السجون المختلفة التي أقام بها، البداية كانت في معتقل الخليل، حيث تعرض لسلسلة استجوابات قاسية، ومرعبة ليس جسدياً فقط وانما نفسياً، البعض استطاع المحافظة على قواه العقلية والبعض أصيب بالجنون، ثم انتقل بسام الى سجن نابلس وأدرجه قادة السجن ضمن القادة المحليين لفتح، والتنظيم الثوري يتطلب انضباطاً ومعنويات عالية. وفي السجن كان يقوم بالنقاش في الموضوعات السياسية وتعليم المعتقلين تاريخ فلسطين وتزويدهم بثقافة سياسية. حسام خضر أكبر من بسام بعشر سنوات، وهو أحد المبادرين لهذا البرنامج في سجن نابلس، وهو مسئول فتح في مخيم بلاطة، والنضال ضد الاحتلال بالنسبة له، يتطلب انضباطاً شبه عسكري، وكذلك عملية التطهير الاخلاقي. ويروي ناجي ان روحه المتمردة كانت تناقض خطط حسام، وحسام استطاع كسب احترام الشباب مثل بسام وناجي، فقد عرف هو نفسه السجن صغيراً، اذ يقول انه في عام 1979 اعتقل لثمانية عشر يوماً والتقى بسجناء حّدثوه عن فتح وعن الثورة، ومنذ تلك اللحظة بدأ اهتمامه بالسياسة. عاد بسام الى معتقل الخليل بعد أن قضى سنتين في سجن نابلس. والاسرائيليون كانوا يقتحمون زنزانات معتقل الخليل مرتين أو ثلاث في الشهر، بقنابل الغاز المسيلة للدموع، أو يمارسون العقاب الجماعي بتوقيف المعتقلين عراة في الساحات وضربهم بالعصي وقضبان الحديد، وغالبية الجنود كانوا من المستوطنين المتدينين. وبما أن مطالب المعتقلين لم تكن تتحقق في أغلب الأحيان، فقد كانوا يلجأون للأضراب عن الطعام. والزيارات كانت مسموحة لمرة واحدة كل خمسة عشر يوماً ولمدة نصف ساعة فقط. والزوار يتعرضون لمعاملة قاسية من الجنود، وينتظرون في العراء في ظروف جوية قاسية. واضافة الى المسافة الطويلة بين نابلس والخليل، كانت أم بسام تأتي لزيارة ابنها، وفي كل يوم جمعة تزور ولداً من أولادها الثلاثة الموزعين في معتقلات مختلفة، وبعد الخليل نقل بسام الى معتقل جنيد في نابلس، وهو المخصص لذوي الأحكام الطويلة. ورغم وحشية ادارة المعتقل، الا أن بسام يجد الراحة بين المعتقلين الأكبر سناً والأكثر خبرة وصلابة، وخلال هذه الفترة يقرأ ويدرس كثيراً ويتعلم اللغتين العبرية والانجليزية، ولكن معلمه في الانجليزية ينتقل الى معتقل آخر. لقد استطاع المعتقلون الفلسطينيون، الاستفادة من المعتقل في تعلم اللغات الأجنبية وخاصة العبرية الأكثر تكراراً، وتعلم العبرية ضروري للراغبين في الحصول على دبلوم لمتابعة الدراسة في الجامعة العبرية في القدس عن طريق المراسلة. وتم اطلاق سراح بسام في السادس عشر من يناير 1991، يوم بدء الهجوم على العراق، والأراضي الفلسطينية المحتلة تخضع لحظر كامل ولأربعين يوماً لم يستطع سكان الضفة الغربية وغزة العمل أو الدراسة. كانت المدينة فارغة، عندما خرج بسام من السجن حتى أنه لم يستطع ايجاد طريق العودة الى بيته، فاستعان بأناس طرق بابهم وطلبوا له سيارة اسعاف أوصلته الى منزله في مخيم بلاطة، ولكنه مثل الآخرين بقي محبوساً في بيته أربعين يوماً. في الربيع تعود الحياة نوعاً ما الى اعتياديتها، ويتمكن بسام من الحصول على شهادة الثانوية العامة، ويعاود أنشطته السياسية، وفي الخريف يداهم الجيش منزله مطالباً باستسلامه مما يدفعه الى الحياة السرية، والتنقل من منزل الى آخر داخل مخيم بلاطة، وناجي تتم ملاحقته أيضاً للشك في أنه كان وراء تصفية عميل، وفي تلك الفترة يشكل بسام وناجي وسامي مجموعة مسلحة سرية وينضم اليهم سبعة شباب من المخيم، ويحصلون على تأييد منظمة التحرير الفلسطينية في عمان وتونس، ويحتفظون بسلسلة علاقات هيكلية مع قيادة الداخل، تركز المجموعة هجماتها على الدوريات الاسرائيلية والمستوطنين. ويقوم أفرادها بعمل كمائن على الطرق وأحياناً يحققون أهدافهم وأحياناً لا ينجحون، يقول بسام: «هدفنا هو تحرير أرضنا، نحن واقعيون، ونقر بمبدأ الدولتين، للحصول على حقوقنا على أرض وطننا، فاننا نستخدم وسائط سياسية وعسكرية، الاحتلال يمنعنا من عيش حياة عادية ونحن بحاجة لثورة لقلب الحالة». وانسجاماً مع نهج فتح، فان الشباب لا يؤيدون الهجمات على المدنيين الاسرائيليين ويحصرون عملياتهم في محيط الأراضي المحتلة. والعملاء في المناطق موجودون بكثافة، وعند بدء الانتفاضة حاولت القيادات تحييدهم، وذلك بعزلهم وفرض الاقامة عليهم خوفاً من تعرضهم للتصفية الجسدية، أمّا العملاء الأكثر خطورة، والذين لا أمل في اصلاحهم فتتم تصفيتهم. وقد اخذت مجموعات مسلحة من الشباب هذه المسئولية على عاتقها، ولكن عمليات التصفية تضاعفت بشكل كبير، مما اضطر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى توجيه نداء يطالب بوقف هذه العمليات. ولم يكن الشباب يخشون الجيش الاسرائيلي، ولكن الخطر يكمن في الوحدات الخاصة (المستعربين) الذين يتكلمون العربية بطلاقة ويعتقد الكثيرون بأنهم فلسطينيون متنكرون يعملون ضمن الوحدات الخاصة الاسرائيلية، للقضاء على تنظيم الشباب. وفي عام 1992 يقف تنظيم بسام في قمة اهتمام رقابة الاستخبارات العسكرية، حيث يضيق الخناق حولهم باعتقال خمسة منهم، نجا بسام من الموت المحقق بعد أن قتل رفيقه خالد واعتقل يوسف وحكم عليه بالسجن خمسة وعشرين عاماً. ونتيجة لتعسف الوحدة الخاصة في المخيم والضغط على الأجيال لتسليم المطلوبين، يضطر الشباب بسام وسامي وناجي للاختباء في التلال والأنفاق، وفي يوليو 1992 يذهب الثلاثة الى جامعة النجاح ويحاصر الجيش الاسرائيلي الجامعة أربعة أيام، حيث تجري المفاوضات بين الجيش والصليب الأحمر الدولي والتي تنتهي بابعاد الشباب الى الأردن في مركبة تابعة للصليب الأحمر. لقد خرج بسام وناجي وسامي متأثرين بمؤازرة طلاب الجامعة لهم، والطلاب رأوا فيهم الأبطال المستعدين للتضحية بحياتهم من أجل أهدافهم السياسية. قيادة الانتفاضة بعد انقضاء مدة محكومية حسام خضر في سجن نابلس، وجب عليه مغادرة الأراضي المحتلة، كان ذلك في بداية عام 1988، وكان تيسير نصر الله مجبراً على اللحاق به بعد عام. والرفيقان من مواليد 1960 في مخيم بلاطة، ناضلا معاً في قلب تنظيم فتح من خلال الشبيبة وتشكيلاتها، ويعمل الرفيقان على تقديم المساعدة للمحتاجين، وتنظيم المظاهرات المعادية لاسرائيل، كما يقودان حملة لتنظيف المخيم من العناصر المفسدة: مدمني الكحول والمخدرات، وذلك لتغيير المجتمع ثورياً حتى يكون قادراً على مواجهة العدو الاسرائيلي، والصدامات مع الجيش الاسرائيلي في «بلاطة» سبقت اندلاع الانتفاضة. اذ يؤكد شباب فتح في المخيم أن الانتفاضة عندهم بدأت عام 1982، وامتدت لتشمل بقية الأراضي، لقد دفع سكان مخيم بلاطة ثمناً باهظاً في نضالهم ضد الاحتلال. تبقى مخيمات اللاجئين مناطق احتجاج هائلة، حيث تندلع فيها التظاهرات والاضطرابات، وفي التاسع من ديسمبر عام 1987 تصطدم سيارة جيب عسكرية اسرائيلية بمركبة عند دوار مخيم جباليا الذي انطلقت منه موجة غضب عارمة وعفوية، هاجمت المواقع الاسرائيلية، ومنه انطلقت الى المخيمات والأحياء الشعبية في مدن قطاع غزة والضفة الغربية. والتشكيلات السياسية تقوم سريعاً بقياس حجم الحركة الشعبية، وتقرر استثمارها، وذلك بتأطيرها اذ تم تشكيل القيادة الوطنية الموحدة (ق.و.م) من أربعة تشكيلات تنتمي لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وهي: فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الفلسطيني. وممثلو التشكيلات المختلفة والأعضاء في (قوم) يطورون برنامج الانتفاضة، تعلن القيادة بانتظام وبشكل دوري أهداف الأنشطة المخطط لها، ومن خلال بيانات مكتوبة تضم التوجيهات الدقيقة. تتشكل اللجان الشعبية في الأحياء بشكل عفوي في البداية، ومن ثم تنضوي تحت لواء القيادة السياسية، وتصبح بدائل للقيادة الوطنية الموحدة، تنتشر رسائلها وتتكفل بتنفيذها، وسريعاً تصبح هذه اللجان ممنوعة من السلطات العسكرية وتنتقل الى العمل السري. التنظيمات الاسلامية ترفض الانضمام الى «قوم» وتحافظ على استقلاليتها وتنشط من خلال نشراتها ومن خلال تشكيل مجموعات العمل الخاصة بها، وقياداتهم تجري اتصالات مع مسئولي (قوم) للتنسيق بينهما. تطور «قوم» برنامج عمل يهدف لقطع اعتماد مؤسسات المجتمع الفلسطيني على الاحتلال، فتدعو المنشورات لمقاطعة الأعمال الادارية والمنتجات الاسرائيلية، وعدم دفع الضرائب واستقالة المستخدمين في الادارات الاسرائيلية، وكذلك وقف بيع قوة عمل العمال الفلسطينيين لاسرائيل، وتحت قيادة بعض المقاتلين السياسيين، تشترك الجماهير في حركة العصيان المدني. وفي مناسبات عديدة يعيد قادة الانتفاضة تقييم الأهداف التي حددوها حسب مقدرة الجماهير على تنفيذها، ولاحقاً يتم التراجع عن مسألة منع العمل في اسرائيل نتيجة اعتماد الفلسطينيين على ذلك في معيشتهم. ولكن المطالبة بترك الوظائف المدنية او الشرطية لدى اسرائيل تم تكرارها، ويتكفل الشباب بترجمة توجيهات «قوم» وضمان تنفيذها. المواجهات تجري بين الشباب وجنود الاحتلال، وسلاح الطرف الأول الحجارة، بينما يستخدم الطرف الثاني القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، ليس هناك وجه للمقارنة، ولكن الأمر يصبح اعتيادياً، وينتشر في العالم من خلال شاشات التلفاز ويصبح بالنسبة للرأي العام العالمي رمز مقاومة سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة ضد القوة الاسرائيلية. كان يتحتّم على مسئولي «قوم» تصور الامكانيات اللازمة لتغطية الحاجيات الانسانية الناجمة عن القمع العسكري-، ومن ضمنها وعلى المدى القصير، حل صعوبات منع التجول لتأمين التموين وتأمين قنوات الاكتفاء الذاتي، لاثبات أن الفلسطينيين قادرون على ادارة شئونهم بأنفسهم، وبالتالي تكذيب مقولة أن الأراضي الفلسطينية لا تستطيع العيش بدون اسرائيل. وقد أثبت الجهد التنظيمي الداخلي قدرة الفلسطينيين على العمل الجماعي والبناء الصلب لمقاومة الاحتلال، فعلى سبيل المثال ورداً على اغلاق الادارة العسكرية للمدارس والجامعات، قام المعلمون بانشاء غرف صفية في بيوتهم، وكذلك قام الأطباء بتأمين الخدمات الصحية المجانية، جرى العمل في قطاع الزراعة. ان استراتيجية الانتفاضة هي التجديد والكف عن تقليد النضال المسلح المعلن الذي مارسته منظمة التحرير الفلسطينية منذ عقود طويلة، فهي تبادر الى العصيان المدني وتسعى لتحريك الجماهير، وتفعيل أشكال الادارة الذاتية، والنداءات الموجهة للجماهير الفلسطينية تركز على ضرورة الابتعاد الكلي عن أعمال العنف. يوميات الاحتلال الانتفاضة تشمل جملة من الممارسات الشجاعة: تقنيع الوجه بالكوفية، وكتابة شعارات سياسية على الجدران والتلويح بالعلم الفلسطيني وتوزيع نداءات «قوم»، وكُلّ هذه الممارسات ممنوعة ومنفذوها معرضون للاعتقال، وهذه الممارسات عبارة عن سلسلة من التحديات التي توفر للسكان فرصة مواجهة جيش الاحتلال بندّية، وهو الأمر الذي يغير العلاقة النسبية بين الشعب الخاضع للاحتلال والاحتلال، والانتفاضة عبارة عن ثورة ضد الخنوع والاذلال. وعلى الرغم من المصاعب والحرمان الناجمين عن الانتفاضة، الا أن زخم التحرك أعطى الفلسطينيين الأمل والكرامة، فقد كانوا رغم ضعف الأطر الهيكلية على استعداد للتضحية، ويقدمون تحليلات متفائلة فيما يتعلق بمستقبل فلسطين. هذه قصة «جان» تلميذة في السادسة عشرة من عمرها وهي الأصغر سناً لعائلة مسيحية من خمس بنات، تسكن في منزل جميل في حي هادئ في بيت ساحور، والدها يعمل في الجانب الآخر من الخط الأخضر رئيس عمال، وهي مثل والدها وشقيقاتها تدعم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، وعندما تتحدث عن المستقبل، فانها تفكر بخدمة الوطن الفلسطيني، تقول «لسوء الحظ، ليس عندنا طيران حالياً، ولكن عندما يكون سأصبح أول قائد طائرة»، وجان في انتظار ذلك تتعلم الدبكة مع عدد من الشباب - والرقصة التقليدية الفلسطينية ممنوعة من قبل الاحتلال، ومرة جاء الجنود الاسرائيليون الى منزل «جان» يطالبون والدها بانزال العلم الفلسطيني عن عمود، ولما رفض ذلك عاقبوه بمصادرة هويته اللازمة للسفر داخل أو خارج الضفة الغربية. وذات مساء خريفي داهم ثلاثة جنود اسرائيليين المنزل، بينما كانت العائلة في الصالون تناقش نداءات (قوم) فاضطرت «جان» لابتلاع المنشور، بينما استوقفتهم الأم على الباب قبل تفتيش المنزل. فرضت الانتفاضة في الواقع نظاماً أخلاقياً صارماً، ويعتقد قادة الانتفاضة بضرورة وجود انسجام بين السلوك الفردي مع مبادئ وأهداف الثورة السياسية. وحول هذه النقطة تلتقي وجهات النظر الاسلامية والحركات الوطنية، ولتحقيق ذلك وجب التركيز على القيم التقليدية والدينية، ومنع المتع والتوجه بالكامل نحو المعركة الرئيسية، حياة الليل اختفت في الضفة، أما غزة فمنع التجول المفروض عليها أوقف هذه الحياة، واتجهت حفلات الزفاف، الى الاقلال من البذخ ومنع الاحتفالات، عند سقوط الشهداء واعتبرت المهور الغالية علامة تخلف. والروح الثورية للانتفاضة تحمل بعداً تطهيرياً قوياً، فالشخص المدمن للكحول أو المخدرات يمكن استغلاله بسهولة من قبل الاحتلال وتحويله الى متعاون وعميل. والنساء هن الهدف المتميز في هذا النظام، فقد فرض عليهن الحجاب في غزة منذ نهاية الثمانينيات، وفي البداية كان الأمر محصوراً في القطاعات الاقتصادية المتواضعة، وبشكل خاص في مخيمات اللاجئين، وتزايد ذلك بحكم المواجهات مع الاحتلال وسقوط الشهداء وكثرة عدد المعتقلين والجرحى، وغير ذلك، لكنه انتشر فيما بعد بين الطبقات المتوسطة والبرجوازية، لما تتعرض له المرأة غير المحجبة من توبيخات ورمي بالحجارة، هذه الاجراءات ساعدت على تطبيق قوانين المحاربين الشباب. ساعد تسليح الانتفاضة، على تأجيج التنافس ومضاعفة عدد المجموعات المسلحة، فبين التمويل القادم من منظمة التحرير الفلسطينية من تونس وعمان وبين المركز الفلسطيني في الداخل ازدادت حدة المنافسة، وقادت الى مبادرات غير منظمة. ومن المحتمل أن يكون للقادة في الخارج مصلحة في اضعاف قيادات الداخل لمنع صعود بديل منهم. انّ فشل الانتفاضة ناجم عن الصعوبات القائمة بين الأطراف المتنازعة في تحديد الأبعاد الوطنية والاجتماعية، واندفاع شباب الطبقات المحرومة يوفر للثورة ديناميكية في البداية، ولكنه منذ عام 1990 أصبح عنصر تهديد بالقوة للحصول على الاجماع، وبالتالي يؤدي الى فتور مصداقية الانتفاضة. والمقاومة المدنية والخاصية السلمية (محدودية استخدام العنف) التي صنعت قوة الانتفاضة، تنطفئ أمام تزايد الوحشية فيما بين الفلسطينيين أنفسهم تحت ذريعة صيد المتعاونين المفترضين. الانجراف الشعبي القفزات الفجائية للانتفاضة، هزت مدينة نابلس عام 1995، حين قررت مجموعة من شباب المدينة القديمة تطهير المدينة من العملاء ومدمني المخدرات، وتم تنفيذ حكم الاعدام في ثلاثة أشخاص وجرح العشرات، ورغم اهتمام الصحافة الاسرائيلية بهذه الظاهرة، الا أنها - أي الظاهرة نفسها- لم تهز الجيش الاسرائيلي أو المستوطنين، اذ كانت السلطة الوطنية الفلسطينية في هذا الوقت تتسلم مدناً في الضفة الغربية، ولذلك لم يكن الجيش الاسرائيلي معنياً بمسائل النظام والأمن الاجتماعي. ومن جانب آخر فان أحداث نابلس تعني أنه بامكان مجموعة من الشباب، احداث متاعب للسلطة الفلسطينية التي كانت قد تشكلت عام 1994، وهؤلاء الشباب كانوا نشطاء في بداية الانتفاضة، وقد أسسوا وفكّكوا تباعاً العديد من المجموعات المسلحة: ومنها «الفهود السود» و«الصقور»، ففي عام 1989 كانت «بعض القوى» تصطاد العملاء، أما الوحدات الخاصة الاسرائيلية فقد قتلت عدداً من هذه (القوى) في وسط المدينة القديمة، وبعد عام تشكلت مجموعة «الفهود السود» وواصلت نشاطها فاصطدمت بمجموعات مقربة من حماس، ولم تكن هذه المجموعات ملتزمة بتعليمات (م.ت.ف) بوقف قتل العملاء. يتم اعتقال احمد طابوق قائد هذه المجموعات وبعض رفاقه ويصدر الحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، ولكن قيام الحكم الذاتي وبمراقبة قوى الأمن الفلسطيني، منع سجن «أبطال الانتفاضة» وكذلك لم يكن صعباً على طابوق ورفاقه أن يهربوا ويعيدوا تشكيل المجموعة من جديد في نابلس باسم «الصقور»، ويؤكد طابوق اخلاصه لياسر عرفات ويقول انه «يجسد فكرة سلطة الشعب من قبل الشعب في ظل غياب السلطة الوطنية الفلسطينية». والتظاهرات القوية التي قادها «الشباب» عشية قيام السلطة الفلسطينية تطرح السؤال: «كيف ستخضع السلطة هؤلاء لامرتها؟ كيف يمكن للقياديين القادمين من الخارج احكام السيطرة على المحاربين وعلى بقية المجتمع؟ ومن ثم كيف يقنع القادمون من الخارج وهم الموقعون على اتفاق سلام هو أقل بكثير من الطموحات الفلسطينية، «لشباب» بالتنازل عن مواقعهم وهم كانوا عنصر الضغط على اسرائيل كي توقع هذا الاتفاق؟ لقد كانت المفاوضات السرية بين ممثلين عن حكومة اسحق رابين وأعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية قد أفضت الى مشروع الحكم الذاتي الفلسطيني، على جزء من الأراضي المحتلة، بحيث يتم تدريجياً وعلى فترات، نقل السيطرة على الأراضي الفلسطينية الى السلطة الفلسطينية، الاتفاق المرحلي (غزة ـ أريحا) أولاً، والموقع في القاهرة في 4/5/1994 هو تطبيق أولي لاعلان المبادئ الموقع في واشنطن في 13/9/1993. يبقى الجيش الاسرائيلي متواجداً على 40% من أراضي القطاع لتأمين حماية المستوطنات ومحاور الطرق والحدود، تشكل (م.ت.ف) قوة شرطة لتوفير الأمن على 60% من أراضي القطاع، وتسيطر على مدينة أريحا وتتمثل مسئولية السلطة في ادارة الشئون الحياتية (التعليم والصحة والسكن) ثم يأتي اتفاق طابا الموقع في 28/9/1995 الذي يسلم للسلطة خمس مدن في الضفة الغربية هي (جنين وطولكرم ونابلس وقلقيلية وبيت لحم) وذلك يمثل 3% من الأراضي و20% من السكان، وهذه المناطق تعتبر (أ) في التصنيف، حيث تبسط السلطة الفلسطينية عليها ادارتها المدنية وتتولى الأمن فيها، أما مناطق تصنيف (ب) وتتكون من بضع مئات من القرى الفلسطينية وتمثل 24% من الأراضي و68% من السكان وفيها تمارس السلطة الصلاحيات المدنية، بينما تبقى المسئولية الأمنية للجيش الاسرائيلي، والمستعمرات والطرق الالتفافية والمعسكرات والمناطق التي تحددها اسرائيل (أمنية) وتشكل 73% من مساحة الضفة الغربية تبقى تحت السيادة الاسرائيلية، وحسب اتفاق واي ريفر فان اعادة الانتشار تؤدي الى نقل مزيد من الأراضي للسلطة الفلسطينية على النحو التالي: 18.2% من الضفة الغربية تصبح مناطق (أ) و21.8% تصبح مناطق (ب) و60% تبقى تحت السيطرة الاسرائيلية، وتمتد هذه الترتيبات المحلية على مدى خمس سنوات. وتبقى المسائل الصعبة الشائكة (القدس والمستعمرات واللاجئون) لتناقش في مفاوضات الوضع النهائي في عام 1999، وخلال هذه الفترة توسع اسرائيل من استيلائها على الضفة الغربية والقدس كعاصمة موحدة غير قابلة للتقسيم للدولة العبرية، فقد كان عدد سكان المستوطنات 120 ألف نسمة عام 1992 ليرتفع الى مئتي ألف نسمة في العام 2000. اسرائيل اعتبرت هذا الاتفاق، بمثابة اختبار لقدرة عرفات على بسط النظام السياسي الجديد على الفلسطينيين وتأمين الحماية لاسرائيل في الوقت نفسه، ووصول رئيس (م.ت.ف) الى غزة في احتفالات كبيرة، يتزامن مع اكتساب بعض الحرية للفلسطينيين، لكن شعور الخلاص يتلاشى عند الادراك بأن الحرية منقوصة. وفي غزة تنجح السلطة الفلسطينية الى حد ما في تأمين سيطرة فاعلة على المجتمع بتشغيلها ل«شباب الانتفاضة» في مؤسساتها الأمنية، من أجل احتواء العنف وتحقيق استقرار سياسي، بينما تبقى سلطتها محدودة في الضفة الغربية اذ تصطدم باستمرارية الوجود الاسرائيلي ومصالح النخبة الطبقية المحلية، وبالذات البرجوازية الوطنية.