السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 أنني بحاجة لمساعدة كبيرة هكذا تحدث محمد رشيد، وأضاف: لدينا في السلطة الفلسطينية مال كثير في فرع البنك العربي في رام الله، وهي مبالغ متراكمة من أرباح شركاتنا الاقتصادية ومن عوائد الضريبة التي نحصل عليها من اسرائيل. نحن نريد ان يتحرك المال وان يجني الأرباح بشكل يفوق الفائدة البنكية التي نحصل عليها هناك. وكنت أود ان تتقدم أنت للمناقصة التي سأعلن عنها حول وظيفة مستشار للشئون المالية. قدم عرضا لنا. عزراد ليف أصغى باهتمام كبير. وقبل ذلك بنصف ساعة كان قد دعي من قبل يوسي غينوسار على وجه السرعة لاجراء مقابلة مع محمد رشيد في فندق هيلتون في تل ابيب. السنة كانت 1997، الشهر فبراير، رئيس الحكومة الجديد فيها كان بنيامين نتانياهو، أصداء أجراس السلام كانت لاتزال تتردد، ولكن ثاقبي النظر استطاعوا في حينه ملاحظة الغيوم السوداء التي تتجمع في الأفق. ليف الذي كان في السابق ضابطا في شعبة الاستخبارات العسكرية أمان، وشخصية ثالثة في رئاسة هيئة الاركان، كان يعرف غينوسار جيدا. فقد تصاحبا لفترة طويلة، أما محمد رشيد فلم يكن معروفا له بالمرة (باستثناء لقاءين كان غينوسار قد رتبهما سابقا ولم يتمخضا عن شيء). عذراء نظر في هذه المرة لرجل المال الفلسطيني الغامض، وأدرك انه لا يوجد أي عطاء ولا عروض اخرى، وان كل المسألة عبارة عن مسرحية، اذ ان محمد رشيد يستطيع استئجار مكتب شئون مالية معتبراً على شاكلة ميريل لينتش لو أراد. وهو بحاجة الى عزراد كمستشار اقتصادي ورجل استراتيجي للاستثمارات لسبب بسيط هو السرية والغموض والنشاط الخفي وغير المكشوف. يوسي غينوسار رجل مقتدر ومحمد رشيد هو الشخصية المركزية ماليا لدى عرفات غينوسار يوصي ويوافق ومحمد رشيد يشتري. رشيد واصل الحديث:نحن نحصل في البنك على 5-6 في المئة فائدة، وليس من المفيد لي ان أحركه اذا لم يجلب ربحا أكبر. من المهم التأكيد هنا ان الامر ليس اموال تقاعد وانما مبالغ اكثر مرونة. من الممكن الاستثمار بصورة خلاقة وخوض المخاطر، وليست هناك ضرورة لابراز ذلك ولكن هناك هامش حركة. الامر تطلب من ليف عدة ايام لتقديم عرض مرتب. واحتاج محمد رشيد لاربعة وعشرين ساعة للمصادقة عليه. غينوسار قال له أنا لا أريد منك شيئا فنحن لسنا شركاء، وفي نهاية المطاف يمكنك ان تعطيني شيئا إذا رغبت. مهمة عزراد الاولى كانت مستحيلة:فتح ابواب المؤسسة البنكية المحترمة في سويسرا أمام الاموال الفلسطينية. في السنوات السابقة كان الجهاز البنكي السويسري قد تزعزع من فضائح مالية صاخبة. اموال الطغاة من امثال موبوتو سيسيكو (زائير) وفرديناند ماركوس (الفلبين) كانت قد أودعت في البنوك السويسرية من دون رقابة أو فحص الامر الذي زاد من مستوى الحذر بسبب الفضائح وعمليات التحقيق. والجهاز البنكي السويسري شدد من انظمته لمنع تغلغل المال السياسي الى داخله. مهمة ادخال محمد رشيد وياسر عرفات الى هناك بدت مستحيلة في هذه الظروف. مهمه نجحت بعد شهرين، وفي ابريل كان لمحمد رشيد حساب استثماري منظم في سويسرا - وفي أحد أرقى البنوك وأكثرها ثراء هناك لومبارد اوريا. ليف نجح في أخذ كيان غير واضح الملامح والتوجهات وأدخل أموالها الى قدس الأقداس في البنك السويسري. وليف لا يعرف حتى اليوم كيف فعل ذلك. الشخصية الأساسية هي ريتشارد دي تشارنا أحد الشركاء الكبار في بنك لومبارد. نبيل سويسري حقيقي منحدر من عائلة ثرية وذات حسب من بيرن، شخصية بنكية محترمة ذات أمر ونهي. والعرض كان ان يتم وضع انظمة تضمن شرعية المال المودع وأقنعه ان السلطة الفلسطينية هي دولة على الطريق مع تقدم عملية السلام، وان المال لن يستخدم لاهداف غير مشروعة. كل هذه الشروط وضعت في رسالة اشتراطات صاغها عزراد وموقعة من قبل محمد رشيد على أوراق عرفات الرسمية وتتضمن سلسلة قيود كما أسلفنا. ومن ضمن الاشتراطات ورد ان تقوم شركة استثمارات تتشكل لهذا الغرض باسم لادبوري بادارة الاموال وتقرر ان يعيد البنك المال للمستثمر خلال 24 ساعة اذا توقف ليف عن لعب دور المستشار الاستراتيجي للشركة. هذه الرسالة تحولت الى شهادة حسن سلوك بالنسبة لليف، فقد هدأ ضميره بذلك وأسكت السويسريين ونام نوما جيدا في الليل مدركا ان المال لن يشق طريقه الى أماكن غير مرغوبة. لادبوري شركة الشئون المالية تأسست لقطع الجهاز المالي الفلسطيني الذي بناه في سويسرا عن كل ارتباط باسرائيل. ليف فتح الشركة وسجلها عند محام في لندن وقدم الأوراق لبنك لومبارد ولمحمد رشيد. وضمن ورقة الاشتراطات اجراء يلزم الفلسطينيين باستئجار مراقب حسابات من الفريق القومي لمراقبة ادارة «لادبوري». هذا التعهد لم ينفذ بالمرة مثل غيره من الالتزامات، كما تحدد ايضا ان يحدد عرفات مجلس ادارة الشركة وان يكون الشخصية الوحيدة المخولة بالسحب من الحساب. وبعد ترتيب كل هذه الامور امتثل ليف أمام مجلس ادارة الشركاء في البنك حيث طرحوا عليه الاسئلة طوال ثلاث ساعات، وفي نهاية المطاف كان الجميع راضون. أما ليف فلم يصدق ان هذا يحدث له. محمد رشيد سافر الى غزة في هذه الاثناء وحصل على مصادقة عرفات وتوقيعه. بنك لومبارد فتح الحساب وقام ليف بصياغة مذكرة لائحة داخلية للشركة صرح فيها ان كل اموال الشركة هي من أملاك الشعب الفلسطيني. وان أصحاب حق التوقيع على هذه الأملاك هم ياسر عرفات ومحمد رشيد، أما صاحب الأسهم فهو الشعب الفلسطيني. مجلس ادارة الشركة هم عرفات ومحمد رشيد طبعا. عزراد ليف حصل على توكيل مطلق لكل خطوة أو عملية في نطاق الشركة باستثناء تحويل الاموال وسحبها خارجا. ليف أعطى محمد رشيد مذكرة اللائحة الداخلية، ورشيد سافر الى غزة حيث حصل على توقيع عرفات على كل شيء، وعاد مع صورتي جواز سفر لجواز سفره وجواز سفر عرفات. جواز السفر الفلسطيني رقم (1) استقر في خزينة بنك لومبارد في جنيف. ولم يكن معلوما انه دخل اليها. السويسريون خلافا لطبعهم انفعلوا، فليس في كل يوم تأتيهم صورة من هذا النوع. شركة «لادبوري» انبعثت حية ترزق، محمد رشيد حول لها الاموال، في البداية مبلغ 20 مليون دولار، وخرجت العربة الى طريقها، الملايين واصلت التدفق من رام الله الى سويسرا بوتيرة متزايدة. وملف «لادبوري» وصل في ذروته الى 340 مليون دولار اغلبها في بنك لومبارد وبعضها في ثلاث مؤسسات مالية اخرى انضمت لاحقا. الطريق أمام المال الفلسطيني نحو معقل البنوك الدولي أصبح مشرعا، والمستقبل بدا ورديا وغاصا بالأرباح والاموال النقدية. عام 1997 مرّ على الشركاء الجدد بصورة سلسلة. ليف يسافر الى رام الله في كل اسبوع تقريبا، واحيانا في ساعات متأخرة من الليل. العلاقات مع رشيد توطدت جدا، وهذا لم يرق لغينوسار. التقارب بين ليف ورشيد تمخض عن بذور الفرقة اللاحقة في علاقات ليف وغينوسار، رشيد كان محسوبا على غينوسار، وكل من كان يقترب جدا منه يتلقى نصيبه. الامور سارت على ما يرام في حينه، ليف أضاف للبنك السويسري ثلاث شركات مالية اخرى:سوديتيك السويسرية وهي شركة يهودية، و أطلس كابيتال وهي شركة لندنية مرموقة، وعائلة سموحة السويسرية، وهي عائلة يهودية من أصول مصرية جاءت من الاسكندرية بعد ثورة الأحرار. ليف اكتشف ان غينوسار لا ينوي ترك ادارة المال الفلسطيني له وحده، كما قال له. غينوسار عرض عليه الشراكة الكاملة في كل شيء بما في ذلك «بريتشروب»، وليف عارض. شركة بريتشروب كما تبين هي شركة ودائع أوفشور يملكها غينوسار والبروفيسور ستيف كوهين. ريتشارد سموحة كبير عائلة سموحة سجلها من اجلهما، وكوهين هو أحد نشطاء السلام اليهود الاميركيين المعروفين ويعمل فيما يعمل في مركز السلام التابع للملياردير دان ايبرمز، وهو معروف جيدا لكل قادة الشرق الاوسط، وهو ضيف دائم عند عدد كبير من قادة المنطقة وكذلك عند عرفات وباراك وحتى نتنياهو. هو رجل موهوب قضى سنوات طويلة في أروقة الحكم والقصور الملكية في الشرق الاوسط، يتنقل بين العواصم. وقد برز اسمه بشكل خاص في محاولات الوساطة بين عرفات واسرائيل. والآن يتبين ان قلب البروفيسور كوهين لا ينبض بالسلام فقط وانما يرتزق منه ايضا. كوهين تعرف على غينوسار خلال نشاطهما المشترك من اجل الأسرى والمفقودين الاسرائيليين، وقد ساعد غينوسار عند عرفات وعرفه على الرئيس فاتحا أمامه الساحة الفلسطينية نحو الداخل. وغينوسار في المقابل شكّل معه شركة «ريتشروب» حيث جمع الاثنان من خلالها الملايين بفضل وبواسطة محمد رشيد. الآن قال غينوسار لليف:«إنني أريد ان يكون هذا المال ايضا في الداخل في شراكتنا». وليف لم يفهم عن أي مال يتحدث غينوسار. نحن نحصل على المال من صفقات الاسمنت والوقود بين السلطة واسرائيل قال له غينوسار. أنا أريد ان تبدأ أنت ايضا في الحصول على نصيبك منه بدءاً من شهر يوليو، وأريد ان أخفض نسبة ستيف. فهو لا يقوم بأي شيء سوى التجول في العالم على حساب الشركة، ولا يوجد أي سبب لاعطائه 50 في المئة، وبامكانه الاكتفاء بالثلث. ليف أصغى اليه باهتمام، فبدأ ضوء احمر يخفق أمام عينيه. اذا كان غينوسار يفعل كل ذلك مع كوهين اليوم فبامكانه ان يفعل ذلك معي غدا. وأدرك في كل الاحوال ان غينوسار ليس جديا وانه لا ينوي اشراكه في أرباح «ريتشروب». هذه كانت طريقة غينوسار في السيطرة على الاخطبوط الاقتصادي الذي أعده ليف للفلسطينيين في سويسرا. أنا أدخلك الى ريتشروب وأنت تدخلني الى لادبوري. ليف أدرك المبدأ الا انه لم يستطع مناقضته. فأخذ غينوسار الى ريتشارد دي تشارنا وقدمه له على انه الشخص الأقرب لياسر عرفات من الاسرائيليين، فهو يسيطر على كل المسألة السياسية في اسرائيل وعند الفلسطينيين ايضا وهو يستطيع ان يجيبك على كل الاسئلة. دي تشارنا سأل اسئلة كثيرة حيث نشرت تقارير في حينه حول الفساد في السلطة الفلسطينية، وهكذا اعتاد دي تشارنا الاتصال مع ليف للتحقق من كل تقرير ينشر، وكان يستدعي محمد رشيد لمقابلته وغينوسار كان هو الآخر يسهم بنصيبه في عملية التوضيح. الشراكة بين ليف وغينوسار تعززت وتبلورت، سموحة فتح لهما شركة ودائع باسم غرومينجو للودائع، هذه الشركة حصلت على عمولة الادارة مباشرة من بنك لومبارد ومن شركات ادارة الاموال الثلاث الاخرى (سوديتيك وأطلس وسموحة ووزعتها على شركات خاصة لليف وغينوسار). الاثنان اتفقا مع رشيد ودي تشارنا على العمولة، وحسب الاتفاق الاموال لم تدفع من قبل الجانب الفلسطيني وانما على يد البنك والمؤسسات المالية الثلاث فقط (التي دفعت الجزء الفلسطيني ايضا بالتنسيق مع محمد رشيد وخصمته من الحساب). بهذه الطريقة امتنع الاثنان عن الحصول على الاموال من الفلسطينيين مباشرة. وفي ذروة النشاط حصلا على مليوني دولار (قبل الخصم) سنويا عمولة ادارة. والمال كان يحول الى حسابهما كل ثلاثة اشهر. غينوسار قرر اشراك محمد رشيد في هذه العمولة، فعرض على ليف الموافقة على خصم نسبة معينة من العمولة لحساب محمد رشيد معللا ذلك ان رشيد هو الذي رتب لهما كل ذلك. وهكذا تدفق المال بين الثلاثة. محمد رشيد الذي يتابع الاستثمارات باهتمام كبير أمسك بليف ذات يوم في محادثة شخصية:«صدقني يا عزراد، أُترك كل شيء، وأغلق كل اعمالك الاخرى ولتعمل معي بصورة مطلقة، وأنا سأحولك الى رجل ثري كما فعلت مع يوسي». ولكن ليف لم يخلع القفاز. ذات يوم بادر غينوسار الى الحديث مع ليف:لدى رشيد هنا حساب خاص عند سموحة، ما رأيك بأن تديره له؟ ليف لم يفهم وسأل أي حساب؟ فأجابه غينوسار:حساب خاص لرشيد، والاموال تمر من هناك. ليف قال:أي اموال، رواتب من السلطة الفلسطينية؟. غينوسار أجاب:أجل رواتب، وأنا سأوضح لك لاحقا. ليف أدرك على الفور ان شيئا ما ليس على ما يرام. وتلقى وثائق الحسابات حيث كانت فيها في تلك الفترة ثلاثة ملايين دولار وحركة تحويل داخلية كبيرة، فأدرك انها من نوعية ما يطلق عليه اقتصاديا الرشاوى الخفية من تحت الطاولة. ليف لم يعرف في حينه من أين يأتي المال. وأعد مع طوني سموحة لمحمد رشيد برنامج استثمار منظماً. محمد رشيد تحمس وطلب منه زيادة المخاطرة وقال له لا تخف ولا تحسب أي حساب. كانت تلك الايام ايام الصناعات التقنية المتطورة السعيدة. محمد رشيد لم يحسب حساب أحد، الأسهم المحببة اليه كانت تشيك بوينت الاسرائيلية. ليف نصحه بشراء أسهمها فوافق واشترى المزيد منها. محمد رشيد كان يحب المغامرات المالية ولم يقم بسحب الاموال من هذا الحساب بالمرة. وكان يحافظ على وجوده على ما يبدو مباشرة من سلطة الشركات الفلسطينية، وترك الحساب السويسري لأغراض التسلية والصفقات. هذا كان المال الأسود الخفي، هذه كانت اموال الدفعات، الا ان محمد رشيد لم ينجح دائما فقد كان مثلا قد أودع في أسهم شركة باسم كومرزا التي انهارت تماما في مرحلة معينة. ليف بدأ في هذه الاثناء يدرك كنه الصورة ويركب أجزاءها المتكاملة. ومن هنا وهناك أدرك ما يجري، وهو ان محمد رشيد يحصل على الاموال من «ريتشروب»، أي من غينوسار وكوهين اللذين يحصلان على المال كعمولة من صفقات الوقود والاسمنت في البلاد، يد تغسل يداً، والجميع يقومون بتسمين الجميع. غينوسار عرف دائما متى يفترض ان يحصل محمد رشيد على المال وكم. وليف كان يعرف منه الامر من اجل تخطيط استثمارات محمد رشيد، وغينوسار كان يعطي التقرير. سيحصل على المال في الشهر المقبل بقيمة 300 - 400 ألف دولار. وهكذا مرت الايام والاسابيع والاشهر. الشركاء أخذوا يثرون بهدوء. محمد رشيد رتب لغينوسار خصمية من كل صفقة. وغينوسار يرد عليه بعملية تحويل سرية موازية. عملية السلام واصلت تلاشيها، وغينوسار واصل الابحار بين المكاتب مقرباً من كل جهاز حاكماً وضيفا عزيزا في كل وزارة. في عهد باراك وصل غينوسار الى ذروة تأثيره. وتوجه في مهمات ليلية في كل اسبوع تقريبا بين مبارك وعرفات وبالعكس. وفي الطريق كان احيانا يتصل مع ليف. أنا في الطريق للختيار، صديقك اهود مجنون تماما، صدقني كان يقول له. وفي وقت لاحق وصل غينوسار الى كامب ديفيد حيث مؤتمر السلام الحاسم من اجل انهاء الصراع. أطراف مقربة من باراك قالت مؤخراً ان الاجهزة الامنية حذرت باراك مرات عديدة من استخدام غينوسار بسبب تناقض المصالح، الا انه تجاهل ذلك، وفي نهاية المطاف عندما قام المستشار القضائي للحكومة بمنع مشاركة غينوسار في الوفد الاسرائيلي الى كامب ديفيد، في ضوء رفض غينوسار المطلق للكشف عن طبيعة صفقاته مع الفلسطينيين، وجد باراك حلا:غينوسار استدعي الى هناك كعضو الوفد الاميريكي. المهم ان يصل. وفي كامب ديفيد ادى مهمة حاسمة. قريبة من اذني باراك، يحثه على الحديث مع عرفات، يمارس الضغط على كل الاطراف في محاولة للتقدم والتوسط. من جهة، واضح ان المسيرة السلمية مهمة لغينوسار وليست فقط لاعتبارات اقتصادية، من جهة اخرى واضح بقدر لا يقل انه اثري منها. في العام 1999، على ما يبدو في اعقاب الضغوط، قرر رشيد فجأة تعيين محاسب يشرف على «لدبوري»، كما تقرر في كتاب القيود. فعقد لقاء في رام الله بين ليف وعربي يدعى عطاالله، المندوب المحلي لمكتب حسابات دلويت - توش. وغينوسار الذي عرف بالقصة. فصرح على ليف قائلا دعك من ذلك، ما الذي يدعونا الى ان نحتاج محاسباً في عملنا؟. تلعثم ليف قائلاً بان رشيد اراد ذلك فقال له غينوسار وماذا اذن، اذا طلب منك ان تلقي بنفسك من السطح فهل تفعل؟. ليف لم يلق بنفسه. فغينوسار نجح في اذابة موضوع المحاسب. وواصلت «لدبوري» العمل سرا. بدون مراقبة عامة، بدون محاسب، طوال سنوات عملها، لم تجر «لدبوري» ولا حتى جلسة مجلس ادارة واحدة. لم ينشأ فيها هيئات رقابة داخلية او مراقبة، لم يكن فيها جهاز موازنة وكوابح، كما هو دارج، لم يكن فيها اي شيء، رشيد وغينوسار استخدما الشركة كما يشاءان. وكان ليف هو ذراعهما التنفيذية. وفي مرحلة معينة جاء غينوسار، الرجل الشكاك على نحو خاص، وقال ان كثيرا من الناس يعرفون اسم لاركوري، ففتحوا النظام وغير الاسم وصارت لاركوري كروبر ولكن باستثناء الاسم كل شيء بقي كالمعتاد. وفي هذه الاثناء، وكلما مضى الوقت، واصل ليف الكشف عن النشاط الاقتصادي لرشيد. فما عرفه حتى الان، تبين له، ليس سوى طرف الخيط. سموحة احتفظ من أجله بشبكة متفرعة من الشركات. أهمها تسمى كساندرا، واسمها السري بين الاعضاء كان رونسار. وكانت هناك شركات اخرى مرال، فالدي، بوني فيكيشين وغيرها. وطلب غينوسار من ليف ان يرتب من اجل رشيد كل الشركات. موصيا بانه ليس من الحسن ان يكون في الواجهة. وهكذا اجتمع الجميع في جنيف:رشيد، ليف، غينوسار ودعي الى المكان شقيق رشيد، عرفان، المنتج المصور التلفزيوني، وكذا عمر سراج، والد ريما، زوجة رشيد. وكلاهما، عرفان وعمر، سجلا كأصحاب سيطرة في شبكة شركات رشيد. اما هو فحصل على وكالة كاملة للقيام بكل عمل يريد، بدون ملكية ولكن مع حق التوقيع الكامل. وفهم ليف من كل هذه القصة عظمة القرابة وقوة الاخوة بين رشيد وغينوسار. فهم حاجة غينوسار لان يدفع لرشيد نسبة معينة من عمولات الادارة، المشروعة بحد ذاتها، التي جباها الاثنان (غينوسار وليف) من البنوك. توجد هنا نهج قال ليفي لنفسه، يوجد هنا منظومة كاملة ومرتبة، أنا جزء منها. النهج بسيط:رشيد لا يمكنه ان يجبي النسبة من صفقات السلطة الفلسطينية مع الشركات الاسرائيلية بشكل مباشر. فلهذا فهو يأتي بغينوسار، يعرضه كوسيط. غينوسار يجبي العمولة ويفرز منها لرشيد. ستيف كوهين، الذي اقام الصلة الاولية شريك. فقرر الصمت. كان يتلقى التقارير وينقلها، بدون كلمات، لغينوسار، الذي كان يعالج موضوع شركات رشيد بشكل شخصي مع سموحة. كل مبلغ، كل تحويلة، واحيانا قرر غينوسار برأيه الخاص استثمار اموال رشيد في صفقات مختلفة. في بعض الاحيان كان غينوسار يعرض للخطر السلطة الفلسطينية في مثل هذه المغامرات. هكذا حصل في صفقة كبرى تضمنت استثمارا كبيرا في شركة امريكية باسم سبيس ايمجنغ، التي شغلت اقمال صناعية لاغراض الرسم. وعثر سموحة على فرصة لشراء خيارات في الشركة، بمبلغ نحو 6 ملايين دولار وتوجه الى ليف. فقام غينوسار بتجنيد رشيد، الذي استثمر 3.75 ملايين دولار في الصفقة من اموال السلطة الفلسطينية. كل شيء جرى باموال فلسطينية دون اعطاء تقرير او الحصول على مصادقة. والشركة التي استثمر فيها المال لم تكن شركة ذات تبادل تجاري في البورصة وفي نهاية الامر لم يعط الاستثمار ثماره. غينوسار وليف حصلا على خيارات من 10 في المائة من الاستثمار. وفهم ليف ان غينوسار يتعامل مع أموال السلطة لاغراض مغامراته المختلفة، ويجد في رشيد شريكا له في ذلك. في احدى الامسيات في العام 1998، اتصل رشيد مع ليف ودعاه الى وجبة عشاء يعقدها مارتن شلاف في الكازينو في اريحا قائلا له، تعال، في الفرصة ذاتها نعقد جلسة عمل. دخل ليف وصديقته الى الجيب وسافرا وفي الطريق رن الهاتف النقال، وكان على الخط غينوسار من واشنطن. فقد سمع عن الوليمة فاتصل فورا. سأل ليف الى اين انت مسافر؟ فاجابه ليف الى الكازينو للقاء رشيد، فأمره غينوسار ان توقف وعد فورا ولا تذهب الى هناك. لا يجوز ان يربطونا بالكازينو. لا يجوز ان تكون هناك اي صلة. وكان ليف يعرف في تلك المرحلة ان غينوسار مرتبط بالكازينو ايضا ويعرف انه سافر الى فيينا عدة مرات للمشاركة في جلسات عمل مع مارتن شلاف، صاحب شركة كازينو النمسا التي تدير الكازينو في اريحا. كان يعرف ان الحديث يدور عن اكثر الكازينوهات ربحا في الشركة، يدخل قرابة مليون دولار في اليوم، مقابل نفقات تشغيل منخفضة جدا. فقرر السفر الى الوليمة في الكازينو رغم ذلك وهناك فتح قلبه لرشيد قائلا لا استطيع ان استمر هكذا. ليسَ لدي قوة لهذا الهراء فهدأ رشيد من روعه قائلا دعك يا عزراد لدينا مستقبل كبير وسيكون كل شيء على ما يرام. العلاقات بين الرجلين تواصلت. في العام 1998 ابلغ غينوسار ليف بالانفجار الكبير الذي يخطط له مع ستيف كوهين. وقال مشتكيا انا ملزم بانزال نسبته فهو لا يفعل شيئا. وبالمقابل استمر غينوسار بتقييد علاقات ليف مع رشيد. في العام ذاته قرر رؤساء «سوريتيك» اغلاق الحساب الفلسطيني احد كبار الشركة، والذي هو زعيم يهودي بارز في سويسرا، كشف ان محمد رشيد وياسر عرفات يديران عنده حساب استثمارات فتميز غضبا. وكان غينوسار عندها يمكث في فندق كوليم في سانت موريتز، واستدعى ليف من اسرائيل. واجتمعوا كلهم في الفندق:غينوسار وليف ورؤساء «سوريتيك». وكان الجو عكرا. السويسريون وافقوا على مواصلة الاحتفاظ بالصندوق سوبر الدين، كونه كان تحت وصاية بنكية، ولكنهم طالبوا بالتخلص من المال الفلسطيني على وجه السرعة قائلين، هذا المال لا نريده. وفي يونيو 1998 تقريبا اغلق الحساب في سوريتيك. وتواصلت المشكلات بين ليفي وغينوسار، وفي فبراير 2000 اتصل غينوسار بليف وطلب لقاءا عاجلا قال له «فيه انا لا استطيع ان استمر هكذا أنت لا تعمل شيئا ومع ذلك تتمتع بالمال». فقال له غينوسار: إما ان نعيد تقسيم النسبة بيننا أو ان افجر كل شيء حيث أذهب الى عرفات وفي ثانية لا يكون هناك حساب ولا تكون هنا لاركوري. قال له ليف لا تهددني، اعرض علي اقتراحا. ففهم ليف من اقتراح غينوسار انه في مشكلة فوافق تحت الضغط على املاءاته وصار التقسيم الجديد ثلثان لغينوسار وثلث لليف. وبالمقابل توجه ليف الى رشيد وطلب منه ان يرتب الوضع ويعيده الى سابق عهده، والتقيا في يونيو 2000 في فندق في تل ابيب من دون علم غينوسار الذي كان في هذه الاثناء في كامب ديفيد لاقناع باراك بالتقدم الاضافي نحو ياسر عرفات. اما ليف فكان هنا يقنع رشيد بالضغط على غينوسار، فوعده رشيد قائلا لن اسمح لهذا ان يحصل لن اسمح له بذلك، فكم تستحق؟. فقال رشيد: انا عملت من اجل يوسي 10 مليون دولار على الاقل. فكيف يفعل بي كذلك؟ لن اسمح له. اقسم لك باولادي اني معك. وسأعوضك. وقام رشيد بشكل مفاجيء بالتحويل الى حساب ليف 100 الف دولار كتعويض اولي. وواصل ليف الضغط وحصل من رشيد على 200 الف دولار اخرى. وفي نهاية اغسطس 2001 دعا دي تشاندنر غينوسار وليف الى لقاء عاجل في جنيف وابلغهما بان رشيد سحب على نحو مفاجيء 65 مليون دولار من «لاركوري». فانذهل غينوسار، حيث لم يكن يعرف عن ذلك مسبقا، وكذا ليف. وكانت هذه بداية نهاية «لاركوري». فسافر غينوسار ودي تشاندنر للقاء رشيد في القاهرة، وتقرر هناك القتل التدريجي للحساب. و«لاركوري» التي صارت «كدوغر»، ماتت بالقبلة السامة. اي نقل المال؟ ليس واضحا. رشيد يدعي انه نقل الى اماكن سليمة ومناسبة. اما العالم بالمقابل فيواصل البحث عن احدى مصادر التمويل الفلسطينية والحسابات البنكية السرية لعرفات. عن «معاريف»