الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 تبدو قرية امغويما، التي تضم 600 شخص من شعب تشوكتشي في اقصى الشمال الروسي على بعد 100 كيلومتر فوق الدائرة القطبية كحفنة من المباني المصغرة المبعثرة على ارض التندرا الوادعة، ومعظم الاشخاص في امغويما يربون غزلان الرنة كوسيلة لكسب العيش، وغالبية البيوت خالية من الماء الساخن او انابيب المياه الداخلية وحتى وقت قريب جدا كانت الكهرباء متقطعة في احسن الاحوال والى جانب الفودكا، تعتبر الاذاعة مصدر الترفيه الوحيد المتوفر للقرية ولكن وسط هذا القفر المعزول، هنالك عشرات من البيوت الخشبية الجديدة المكونة من غرفتي نوم يجري بناؤها الآن بحيث تكون مجهزة بمياه ساخنة وباردة وبحمام ومرحاض داخلي، فكيف وصلت هذه المنازل الى هنا؟ الفضل في ذلك يعود الى رومان ابراموفيتش، حاكم تشوكوتكا البالغ من العمر 36 عاما، وتشكوتكا هذه هي اقليم روسي يفصله عن ألاسكا مضيق بيرنغ، حيث تقع قرية أمغويما. والناس هنا يشكرونه على ذلك وتقول اولغا كيميتيول الممرضة في منتصف العمر وهي توجه كلامها للحاكم اثناء زيارة قام بها مؤخرا: «شكرا لك على كل شيء فعلته من اجلنا» وتقبل ابراموفيتش طويل القامة ذو اللحية القصيرة المشذبة شكرها بمزيج غريب من الخجل واللامبالاة ورسم ابتسامة خجولة على محياه، ولكن بدا أنه ينظر عبر المرأة ولا ينظر إليها. ان ما فعله ابراموفيتش لقرية امغويما خلال الاعوام الثلاثة الماضية هو امر لافت للنظر. فقد دفع نفقات بناء 46 منزلا جديدا بتكلفة 50 الف دولار للمنزل الواحد، وقام بتمويل انشاء اول بيت للضيافة في القرية وحمام عمومي وصالون للحلاقة. وقام باجراء صيانة شاملة على المدرسة الداخلية في الناحية وانفق ما بين 200 ـ 300 مليون دولار اضافية من ماله الخاص في انحاء تشوكوتكا لبناء كل شيء من الفنادق ودور السينما الى محلات السوبرماركت وعمل ايضا على التأكد من ان رواتب موظفي القطاع العام تدفع في وقتها ويعلق الكسندر ماكسيموف، وهو مسئول محلي في امغويما، متحمسا بقوله: «انها ثورة!». من هو رومان ابراموفيتش، ولماذا يبعثر امواله بهذا القدر على اقليم متجمد لايتجاوز عدد سكانه 73 ألف نسمة؟ يقول اناتولي تشوبايس، رئيس طاقم الرئيس بوريس يلتسين سابقا والرئيس التنفيذي حاليا لشركة «راويس»، وهي الشركة المحتكرة للكهرباء في روسيا، وقرر ابراموفيتش غير المكتفي بكونه غنيا جدا ولكن مجهولا خارج النخبة السياسية والاقتصادية في روسيا قرر ان يصبح شخصية عامة من خلال تبنيه لتشوكوتكا كمشروع خاص له. ويقول النقاد انه يريد ان يسيطر على الموارد الطبيعية في المنطقة او ربما استخدام تشوكوتكا كنقطة انطلاق لوظيفة سياسية في موسكو ولكن ابراموفيتش يقدم تفسيرا ابسط بقوله: انه جهد جديد بالنسبة لي فلم يسبق لي ان توليت ادارة منطقة ما. ولم اتحدث على الملأ مع الناس. ويتعين علي أن أجرب ذلك فقط لأرى اذا ما كنت أحب ذلك أم لا». الطفل اليتيم ولد أبراموفيتش في سراتوف على نهر الفولفا جنوبي روسيا. وفقد أمه بسبب المرض وهو لا يزال في سن 18 شهراً وكذلك والده في حادث بناء قبل أن يبلغ الرابعة من عمره. وعاش في كنف عمه ابرام الذي تبناه في مدينة موسكو، ثم قضى الجانب الاكبر من فترة مراهقته في منطقة كومي الشمالية مع جديه لأمه. والتحق ابراموفيتش بالمعهد الصناعي في مدينة اوختا في كومي، ولكن تعليمه انقطع عندما استدعي للخدمة العسكرية في الجيش السوفييتي. جاءت فرصة ابراموفيتش الكبيرة في عام 1992 عندما اقام بوريس بيرزوفيسكي، أقوى المتنفذين في مجال الاعمال في حينه علاقة صداقة مع الشاب الواعد ادخله إلى حلقة يلتسين. وبعد تسعة اعوام، وعندما بات بيرزوفسكي غير محبوب لدى نظام بوتين الجديد، سيطر ابراموفيتش على اصول راعيه السابق في الصناعة النفطية. والآن يسيطر ابراموفيتش على آكثر من 80% من شركة «سبنفط» خامس اكبر عملاق نفطي في روسيا وعلى 50% من شركة «روسال»، وهي شركة الالمنيوم الاحتكارية الروسية وعلى 26% من شركة ايروفلوت، وهي شركة الخطوط الجوية الوطنية الروسية، وذلك من بين ممتلكات اخرى، وصولاً إلى شركة مليهاوس كابيتال المسجلة في بريطانيا. وفي وقت سابق من هذا العام، ادرجت مجلة فوربس اسم ابراموفيتش باعتباره ثاني اغنى رجل في روسيا بثروة تبلغ قيمتها ثلاثة مليارات دولار. ويقول ميخائيل كروتيخين، وهو محلل لقضايا النفط والغاز يعمل مع شركة «روس انيرجي» ان «آبراموفيتش هو العبقري المالي الحقيقي في حقبة الرأسمالية اللصوصية». حياة رأسمالية من الواضح ان ابراموفيتش يعرف شيئاً عن الرأسمالية. فهو يكافح الآن للحصول على نفوذ مهيمن في تلفزيون «TV5»، وهو واحد من اربع قنوات وطنية في روسيا، واحدى محطات البث القليلة التي تتجرؤ على الانحراف عن خط الحكومة. والكرملين، من جانبه حريص على انتزاع المحطة في اطار جهوده للسيطرة على وسائل الاعلام. ويبدو ابراموفيتش مرشحاً لتوسيع ممتلكاته في صناعة النفط. وتتجه سبنفط الآن إلى تقديم عطاء في مشروع الخصخصة المقبل لشركة «سلافنفط»، وهي واحدة من الشركتين النفطتين الوحيدتين اللتين لا تزالان تحت سيطرة الدولة. وستكون عملية الخصخصة لشركة «سلافنفط» والمقررة الشهر المقبل بسعر اولي 17 مليار دولار الاكبر في التاريخ الروسي بوجود حوالي 5% من الانتاج النفطي للبلاد على المحك. يبدو ان ابراموفيتش يستمتع بالسياسة حتى الآن وربما يكون جيداً فيها. فعندما وصل في عام 1999 إلى مجلس الدوما بصفته نائباً عن تشوكوتكا، كانت صناعة التعدين في الاقليم قد انهارت وكانت البطالة متفشية والامدادات من الوقود والغذاء نادرة. وعزت طاحونة الإشاعات في موسكو اهتمامه المفاجيء بالسياسة إلى وجود قانون روسي يحمي اعضاء الدوما من المحاكمات الجنائية. ولكن اهتمامه لم يتضاءل حتى عندما تم الغاء قانون مماثل يحمي الحكام المحليين في عام 2000 تماماً في الوقت الذي كان يخوض ابراموفيتش حملته الانتخابية في تشوكوتكا. وبمجرد انتقاله إلى الاقليم، فإن ابراموفيتش قد اضاف حوالي 30 مليون دولار على شكل عوائد ضريبية لميزانية تشوكوتكا المتواضعة والبالغة 65 مليون دولار. واخذ بعد ذلك يغدق المال على رفاهية السكان وتحسين ظروف معيشتهم، فنال في ديسمبر 2000 نسبة 92% من اصوات الناخبين في الاقليم واصبح الحاكم الفعلي له.