الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 كانت المدن الكبيرة فيما مضى مصدر اثارة وابهار للناس وقد كتب المؤرخ العربي الشهير ابن خلدون في احد كتبه عن مدينة القاهرة يقول: «انها حاضرة الكون وجنة الدنيا» ووصف الرحالة الانجليزي توماس كوريات مدينة البندقية في عصر النهضة بأنها «ملكة جميلة» اما الرسام الفرنسي مارسيل دوشامب، فقد وصف مدينة نيويورك في عام 1915 بأنها «عمل فني متكامل»، ومنذ ظهورها قبل عام 3000 قبل الميلاد، كانت المدن المركز الطبيعي لكل شيء ذي شأن مثل المعبد والقصر والسوق والجامعة وبالنسبة لأي شخص لديه ذرة طموح، ليس هناك خيارات كثيرة متاحة ففي نهاية المطاف، غادر شكسبير ستراتفورد من اجل الذهاب الى لندن وليس العكس. بالطبع قد لا تلهم المدينة التي تعرفها على الفور كلمات مثل «لا تضاهي» او «الجنة» وعلى الرغم من ان المدن كانت نبع الحضارات الا ان العديد من المفكرين من روسو الى جيفرسون وحتى ثورو، اعتبروا المدن مصدرا للفساد والشرور والاساطير العالمية حول جنان عدن يكون مسرحها الريف دائما، والمدينة هي ما يحدث بعد ان تحل الخطيئة. غير ان الحياة في المدينة تستوقفك وتذهلك، فالمدن تنمو وتتوسع على نطاق العالم بسرعة لم يسبق لها مثيل وبعض هذا النمو حصل في العالم المتطور فلاس فيجاس، على سبيل المثال، توسعت بنسبة 83% في التسعينيات من القرن الماضي، ولكن الزيادة الكبيرة حدثت في العالم الثالث، فالنمو السكاني في العالم برمته تقريبا سيحدث في مدن الدول النامية خلال الاعوام الثلاثين المقبلة، وبحلول عام 2030، ولأول مرة في التاريخ، فان 60% من سكان العالم سيعيشون في المدن. انها بحق اخبار طيبة من نواح معينة. ويقول مارك ويس، رئيس معهد براغ للتنمية المدنية الشاملة ان «المدن هي لبنة البناء الاساسية للرخاء بالنسبة للامة والاسر»، وتستحوذ النشاطات الصناعية والتجارية في مناطق المدن على ما بين 50 الى 80% من الناتج المحلي الاجمالي في معظم بلدان العالم، ويواصل ويس قوله ان «هناك فكرة مجنونة تقول ان الطريقة الامثل للتعامل مع مشكلات المدن تكمن في ابعاد الناس عنها. ولكن مشكلات الحياة الريفية تكون اكثر خطورة حتى من مشكلات المدينة، وسواء للافضل ام للاسوأ فان المراقبين لشئون المدن لهم رأي واضح من نقطة معينة وهي ان جودة الحياة بالنسبة لمعظم الناس في المستقبل ستتحدد بجودة المدن. المدينة الضخمة وستكون تلك المدن اكبر من اي وقت مضى والمدينة الضخمة هي التي تضم اكثر من عشرة ملايين نسمة وفي عام 1995، كان هناك 14 مدينة منها، اما في عام 2015 فسيكون هناك 21 مدينة كهذه وستكون المراتب قد تغيرت فاليوم اكبر المدن الخمس هي طوكيو ومكسيكو سيتي وساو باولو ونيويورك وبومباي، وفي عام 2015 ستكون على الارجح على النحو التالي طوكيو ودكا وبومباي وساوباولو ودلهي. ومع ذلك، فان اعداد السكان بحد ذاتها لا تحدد حظوظ مدينة معينة، ففي نهاية المطاف، تضم اديس ابابا في اثيوبيا وهامبورغ بألمانيا نفس عدد السكان، كما ان النمو الانفجاري في السكان لا يعتبر بالضرورة عاملا محددا، ويشير احد المسئولين الى ان «مشكلات المدينة يكون لها علاقة في معظم الاحيان بسلطات الحكم المحلية الضعيفة وغير الفاعلة وغير الممثلة في المدينة». ان أيا من هذا لا يعد حتميا ولكي لا نتخيل ان احياء الفقراء والتعاسة هما بصورة ما قدر العالم الثالث، فان من الجدير تذكر الاعماق السفلية الرهيبة لمدن لندن وباريس ونيويورك والتي ألهمت الحركات الاجتماعية العظيمة في القرنين التاسع عشر والعشرين وحماسة الروائيين تشارلز ديكنز وفيكتور هوغو والمصور جاكوب ريس ضد منازل الفساد ومصانع السخرة واستخدام الاطفال والتي افسدت هذه المدن، التي تعتبر الآن بين الحواضر الاشد فخرا في العالم الاول. ان المدن الكبيرة مثل ساوباولو وبانكوك ولاغوس وحيدر اباد، ليست كما تبدو للوهلة الاولى، كسفينة شحن مثقلة بحملها بدون دفة وبها خرق كبير في هيكلها، ولكن في حقيقة الامر ان الاحياء والضواحي المكتظة بالناس ليست العبء الاكبر الذي تواجهه مدينة من المدن وانما هي موردها الغني وثروتها. خذ مدينة ساوباولو، على سبيل المثال التي تعتبر ثالث اكبر مدينة في العالم تجد انها كانت تأوي قبل 100 عام حوالي 265 الف شخص فقط، اما اليوم، فان عدد سكانها يبلغ 18 مليون نسمة، نصفهم تقريبا لم يولد بها، وعلى الرغم من ان سنوات ذروة النمو قد ولت وذلك عندما جذبت الطفرة العمرانية في السبعينيات الناس من مختلف مناطق البرازيل، الا ان الاقتصاديين مازالوا يسمونها «قاطرة البرازيل»، وهذه التسمية لا تعود فقط الى ما تنتجه المدينة من الخدمات المصرفية الى السيارات ومنتجات البتروكيماويات وانما ايضا الى حقيقة كونها السوق الاستهلاكي الاكبر في اميركا اللاتينية. صحيح ان العالم يفكر في البرازيل باعتبارها ريودي جانيرو، المدينة الساحرة ذات الشواطيء الخلابة وتقع على بعد 250 ميلا الى الشمال الشرقي. ولكن ساوباولو هي امتداد لا متناه من الاسمنت والفولاذ والصفيح الرمادي تتخلله ملاعب صغيرة لكرة القدم، وتمتد المدينة على تلال واسعة وتشكل الاحياء الفقيرة نسبة 20% منها وتتميز ايضا ببناياتها الشاهقة التي تطال عنان السماء، ومع ذلك هناك جيوب في الاحياء ذات شخصية مميزة مثل منطقة الجاردنز الرائعة التي تعتبر بيفرلي هيلز ساوباولو او فيلا مادالينا، وهي مرشح جيد لان تكون قرية جرينتش برازيلية، وعلى الرغم من كل الزحام والتلوث الذي تعاني منه المدينة الا ان سكانها يتحدثون عنها بفخر واعتزاز ويقول احدهم ويدعى لوسيان ارتاشوبينا: «لا نعتقد حقا انها بشعة جدا ولكن من الصعب الحديث عن السبب الذي يجعلنا نحب ساوباولو، فأنا لم استطع ان اعيش في اي مكان آخر». ضرار عمير