الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 شكل الفلسفة والفكر، منذ أن وطيء الإنسان هذه البسيطة، الوسيلة التي تتيح لهذا الكائن التأمل في الكثير من المفاهيم التي يقوم عليها وجوده والسعي إلى سبر غورها والوقوف على كنهها ومن ثم إيجاد الحلول التي ربما تكون ناجعة للبعض منها. فحقيقة الذات الإلهية والطبيعة البشرية، والحياة والموت، وقضية الوجود والأزل، والخير والشر، ما هي الا أهم المسائل التي شغلت بال الفلاسفة والحكماء والشعراء والأدباء والمفكرين على مر العصور. فهذه القضايا قديمة قدم الأزل وباقية إلى الابد. ومع ذلك وحتى في ظل القناعة البشرية الراسخة بأن كل شيء له ما يناقضه تماما، شكلت مسألة الشر محورا كبيرا في تفكير البشر وكانت الفحوى الأهم لتاريخ الفلسفة القديمة والحديثة على حد سواء. ويكمن السبب في ذلك، في سعي الإنسان إلى إيجاد نموذج السعادة المطلقة الذي يتحدى جميع القوانين والحقائق ويجد لهذا الإنسان الضعيف في الغالب في مواجهة الكثير من الشرور والتهديدات والأخطار، وخاصة الطبيعية منها كالكوارث والزلازل والبراكين والهزات، أسلوبا ينقله إلى بر الأمان ويشعر دائما بالثقة المطلقة بهذا الكون. في الكتاب الذي نناقشه هنا تسعى المؤلفة سوزان نيمان، أستاذة الفلسفة السابقة ومديرة منتدى إينشتاين في بوتسدام، إلى طرح فكرة أن الشر يمثل مشكلة لاهوتية وعقلية في جوهر تاريخ الفلسفة المعاصرة، ومن المستحيل التخلص من هذه المشكلة أو إيجاد حل جوهري لها. وفي طروحاتها في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان الفكر «الشر في الفكر المعاصر تاريخ بديل للفلسفة»، تؤكد الكاتبة، أن هذه المشكلة كانت المحور المركزي للفلسفة منذ القرن السابع عشر، فقد كانت الفلسفة موجهة من جانب الحاجة إلى إيجاد معنى للعالم الذي عجز عن فهم الشر الطبيعي والأخلاقي بسبب فشلنا نحن البشر في إيجاد تفسير منطقي لها. وهي تركز في معظم صفحات الكتاب على ليبنز الذي كان يرى عالمنا أفضل العوالم على الإطلاق وهيغل الذي كان يعتقد بأن الواقع سيبرهن على عقلانيته في خاتمة المطاف، إلى جانب الفيلسوف الألماني كانت الذي أظهر أن أفضل إدراكاتنا عن واقع هذا الكون تنهل من معرفتنا الحساسة، في حين إعتبر نيتشة الذي نعت محاولات البشر لايجاد معنى مترابط للشر جبنا أخلاقيا. تاريخ شديد الثراء ربما يكون الانطباع الاول الذي يراه القاريء من خلال قراءة الكتاب الذي نناقشه هنا هو قدرة المؤلفة العميقة على طرح مشكلة الشر من خلال منظور العديد من الفلاسفة بدءا من القرن السابع والكيفية التي تعاملوا بها معه. فهؤلاء الفلاسفة الذين تتطرق الكاتبة إليهم، بداية من بيلي وأريندت وروسو وهيغل وكانت وفولتير ووليبنتز ونيتشة، بالاضافة إلى المعاصرين مثل البير كامو وفيدور ديستويفسكي وسارتر، ومن خلال تحليل المؤلفة المعمق لكبرى المؤلفات الفلسفية والأدبية على السواء التي تعالج المشكلة، مثل «نقد العقل الخالص» والعقد «الإجتماعي»، و«الأخوة كارامازوف»، و«الطاعون»، وغيرها، يرون أن المشكلة واحدة تتجسد بوجود قوة للشر تنبع من قوى فوق طبيعية لا يمكن للانسان التدخل في تغييرها أو تفاديها أو تقليل الخسائر التي تترتب عليها، أي أنها تتمثل بعوامل هي من صنع الله تعالى أكثر مما هي نتيجة لتدخل بني البشر فيها. وباستثناء بعض الفلاسفة المعاصرين (مثل كامو الذي يمثل الشر بالعامل الإنساني الذي ترتب نتيجة للأعمال الوحشية واللانسانية التي تميزت بها القوات النازية أثناء الحرب العالمية الثانية وما اقترفته بحق خصومها والدول التي احتلتها، وديستوفسكي الذي يصور الشر في العديد من أعماله كالشياطين والأخوة كارامازوف عادة بعامل إنساني تمتد جذوره عميقا في الأنا البشرية)، يمكن القول بأن هؤلاء الفلاسفة يتقاسمون في طرحهم لهذه المعضلة الاعتقاد بأن الشر الحقيقي نابع من عوامل لا يمت الانسان لها بأية صلة. وقاد هذا الرأي الكثير منهم إلى تبني أفكار بالغة الغرابة حقا وقادت البعض منهم، في ظل غياب المعرفة والعمق الديني الصحيح، الى ما يمكن وصفه بالافكار بالغة الغرابة تماما كما فعل هيغل ونيتشة وفولتير وسارتر. فالكثير من هؤلاء الفلاسفة كانوا يتصورون أن العالم الذي نحيا فيه هو العالم الأبدي الرائع في كل شيء ويسلمون بأن الله تعالى هو الذي خلق هذا الكون، إذن فما السر في وجود تلك الكوارث التي لا تميز بين الرجل والمرأة وبين الكبير والصغير والعجوز الطفل؟ ولمَ يحدث الموت الجماعي وبلمح البصر كما حصل في لشبونه عندما يكون من الأفضل أن لا تحصل مثل هذه الكوارث التي لا صلة للبشر فيها. وهذا السؤال الذي طرحه معظم الفلاسفة تكمن الإجابة عنه في أن هذا العالم ليس بالجنة التي يراها هؤلاء الفلاسفة وليس بالسعادة الأبدية، فكل الأشياء خاضعة لله تعالى تسير كيفما يشاء. وحتى في ظل غياب التمييز بين ضحايا الكوارث الطبيعية التي يرى بعض الفلاسفة مثل فولتير أن الأطفال لا يستحقون المعاناة منها فهي في الواقع أحداث لها سرها الطبيعي والعملي، ومن هنا بات تأثير الكثير من هذه الكوارث يكاد يكون محدودا في ظل التطور التقني الهائل وقدرة الإنسان على معرفة الظروف الجوية والطبيعية بشكل أفضل. ولذلك فإن القول بأن قوى الشر تتمثل بقدرات غير إنسانية ليس بالجواب الصحيح، فكما هو الموت مقابل الحياة لن تدوم الحياة بغياب الموت. أما الملاحظة الثانية التي أود الإشارة إليها فتتعلق بالفصل الأخير من الكتاب الذي تتطرق فيه الكاتبة إلى الشر النابع من عامل بشري، خاصة في العصر الحديث. وتقول في هذا الفصل أن التدمير البشري الذي شهده القرن الأخير لا يقل أثرا أو قسوة عما حصل في القرون الثلاثة التي سبقته، حيث بات الشر النابع من الخطر البشري، كالتهديد بالحروب والإرهاب، وغياب العوامل الإنسانية، هو الأخطر تهديدا لحياة البشر. وحتى في ظل ما شهدته القرون الثلاثة التي سبقت القرن الحالي من هلاك جماعي جراء الجوع والمرض والكوارث الأخرى، فلا يمكن أبدا التغافل عما شهده العالم من حروب أتت على أرواح الملايين من الأبرياء وعاثت في مدن ودول وقارات خرابا قل نظيره. فأوروبا المتطورة كانت على مدى التاريخ مسرحا لتلك الحروب وخرج منها الكثير من جبابرة وطغاة العالم الذين كان لما تلاهم من أجيال الدور الأكبر في تدمير وهلاك عشرات الملايين في الحربين العالمية الأولى والثانية. والملاحطة الاخيرة التي أود التنويه إليها هما أن الكاتبة أظهرت ما يسمى بالمحرقة النازية ضد اليهود، ومن ثم تدمير برجي المركز التجاري العالمي في نيويورك كمثالين يماثلان تماما في معناهما الكوارث الطبيعية التي تحدث عنها فلاسفة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من حيث عدم تمييزها بين الضحايا . وفي الوقت الذي يشعر المرء بالتعاطف والأسف الشديدين جراء سقوط الأبرياء حتى في صفوف ألد أعدائه، فإن العالم المعاصر يعج بالكثير من الأمثلة التي تفوق في مدى تدميرها وعدد ضحاياها ما حل في ما يسمى بالمحرقة أو ببرجي المركز التجاري العالمي. والمثال الأبرز الذي كان ينبغي للكاتبة الإشارة إليه والتحدث عنه بإسهاب يتعلق بهيروشيما، فهي خير مثال على الكارثة الهائلة التي كانت من صنع البشر. وحتى عندما تسعى المؤلفة إلى تبريرها بأسباب ما، فإن حقيقة تدمير مدينة بالكامل عن بكرة إبيها وفي أقل من ثوان معدودات، ناهيك عن المعاناة الهائلة التي خلفتها، تفوق تماما تصور أي إنسان ويتعدى أي تبرير لتلك المحرقة التي حولت المدينة برمتها إلى العدم. المعاناة والذنب كان جان جاك روسو أول من اقترح العلاقة الطبيعية بين الذنب والمعاناة، حيث يرى أن الشقاء البشري له ما يبرره لانه يتمخض عن ذنوبنا نحن البشر. والعلاقة بين الإثنين مباشرة إذ أنها لا تتطلب تدخلا من الله. فنحن نعاني بسبب أعمالنا، وهذه المعاناة لا تجسد عقوبة سماوية مباشرة. وكل ذنب يحوي عقوبته الخاصة به كنتيجة طبيعية، تماما كما تكون لكل فضيلة مكافأتها الخاصة بها. ومن هنا فإن البشر، وفقا لما ذهب إليه روسو، هم مؤلفو معاناتنا ويمكن أن يكونوا مصدر السعادة في عالم أبدعه الله لتكون فيه العدالة جزءا من النظام الطبيعي. ويرى الفيلسوف الديني بيلى بأن المسيحية جعلت مسألة الشر تأخذ بعدا أعمق. فقبل أفكاره، كان ينظر إلى المسيحية كحل مقبول لمشكلة الشر، وتتسم تفاصيل هذا الحل بتعددها وتشعبها على نحو يماثل تماما الاختلافات في العقيدة المسيحية. وعلاوة على ذلك فإن الله، كما يرى بيلي، قد وضع طيفا واسعا من العقوبات أشد قسوة مما عاناه البشر جميعا، حيث تنصب مثل هذه العقوبات على الملعونين من بني البشر. ومن جهة أخرى كان يرى في العالم تركيبا مبهما يلفه الكثير من الغموض، وإن وجود الخطيئة، التي يشير إليه بما حل بسيدنا آدم عليه السلام، هي وجود طبيعي يعاقبنا الله إذا ما خضعنا لها وإنجرفنا في تياراتها وأهوائها. ومن هنا يقترح بيلي أن من الصعوبة بمكان إيجاد حل لمشكلة الشر، لأن الخطيئة هي من عمل البشر والبشر وحدهم القادرون على عدم إقترافها. ويرى ليبنتز أن من المهم التمييز بين المعاناة والذنب لأن مثل هذا التمييز يشكل عاملا أساسيا طالما أصاب الارتباك الحوارات النقاشية المطولة التي حدثت في القرن التاسع عشر. أما حقيقة قدرة كلمة واحدة وهي الشر على الدلالة على كلا المفهومين فتشير بوضوح إلى التقارب الشديد بين هذين المعنيين. ولذلك خالف ليبنتز الكثيرين من الفلاسفة الملحدين في دفاعه عن العدالة الالهية، والقول إن هذه العدالة تعتمد على تصنيفه للبؤس البشري إلى ثلاثة ضروب من الشرور: الميتافيزيقي، والطبيعي والأخلاقي. فالشر الميتافيزيقي يراه ليبنتز منحدرا ضمن حدود المواد التي يتألف منها العالم. أما الشر الطبيعي فهو الألم والمعاناة التي تصيبنا في هذا العالم، بينما الشر الأخلاقي هو الجريمة التي تكون بسببها الشر الطبيعي العقوبة المؤكدة أو المحتومة. أما الفيسلوف الألماني عمانوئيل كانت فيرى أن الكون الذي نحيا فيه ليس غير آبه للأغراض البشرية فحسب، بل يقاوم بشكل إيجابي مثل هذه الغايات. فالبشر يبحثون عن الضوء والدفء وكل ما يأتي منهما. لذلك يصف كانت الشر كمشكلة تفترض سلفا وجود علاقة نظامية بين السعادة والفضيلة، وبين الطبيعة والشر الأخلاقي في الطرف المقابل. وتعتمد السعادة على طبيعة الأحداث في النظام الطبيعي، وإن الفرق بين العقل والطبيعة، وفقا لما يراه كانت، يماثل الاختلاف الذي يتغير ويتحول فيه العالم. أما إدراك الواقع والمطالبة بتغييره فتمثلان عملا مختلفا جوهريا. وفي الوقت ذاته تعتمد الحكمة والفضيلة على ضرب حاجز فاصل بينهما، مع أن كل الآمال البشرية تميل إلى توحيدهما. وحتى لو سعينا إلى إيجاد معنى حقيقي للعالم من خلال فهمه أو تغييره فإننا ننقاد لفكرة أن العالم أجمع شفاف ويمكن أن يلجه العقل البشري بسهولة. وتشير المؤلفة الى ان هيغل كان من بين أفضل الفلاسفة وقراء التاريخ، بفضل ما يتمتع به من بصيرة ثاقبة في تحليل وتتبع التيارات الفلسفية التي سبقته أو عاصرته. وشابه تماما الفيلسوف ليبنتز الذي كان يصر على ثلاثة أنواع من الشرور: الطبيعي والأخلاقي، والميتافيزيقي«التجريدي» الذي يختلف عنهما تمام الاختلاف، حيث كان يعتبره هيغل مصدر النهائي للشرين السابقين. وتخلى القرن الثامن عشر عن مفهوم الشر الميتافيزيقي وتم نعته بالمتناهي. ورأى روسو في هذا الضرب من الشر ضرورة طبيعية يمكن لنا قبولها بسهولة، فنحن نولد ونموت وفي ما بين هذين القدرين تكون قدراتنا على التحكم بالطبيعة محدودة للغاية. وعند تمييز هذه الأقدار المحتومة التي لا يمكن تفاديها عن الخصال الأخرى التي تتجسد في الحياة اليومية كالخير والشر والسعادة والبؤس نجدها في الحقيقة، كما يشير هيغل، الدور الحقيقي للحكمة. وهكذا تميز منتصف القرن التاسع عشر بإحتدام الحوارات والنقاشات الجدلية حول إمكانية التخلص من الشرور الطبيعية «المعاناة» والشرور الأخلاقية «الذنوب» والعلاقة غير المتكافئة بينهما. فكان الطب والتقية السلاح الذي شهر لمواجهة الشر الأول، والتعليم الراقي والعلاقات الاقتصادية تصدت لمواجهة الشر الثاني، في حين تكفلت العدالة السياسية بمواجهة الضرب الثالث من الشر. وحتى في ظل ما تم طرحه لمواجهة الشرور هذه، وما أفرغته آمال عصر التنوير في عرض أفضل الحلول، سعى هيغل إلى إعادة بعث مفهوم الشر الميتافيزيقي. ويختلف هيغل عن الكثير من الفلاسفة الآخرين عند معالجته للشر الميثافيزيقي، هي رفضه لفكرة كون الصدفة هي العامل الذي يؤطر الحالة الانسانية، من خلال الاعتماد على المنطق. ففي الوقت الذي لا نتسم فيه نحن البشر بصفة اللاتناهي او الخلود، يمكن لنا ان نكون شطرا من كيان يتسم بهاتين الخصلتين، ولذلك اكمل هيغل ماطرحه روسو في هذا السياق، الذي اكد على اهمية التاريخ وعلى القول ان كل تاريخ يديننا ربما يكون الشيء الوحيد الذي يوفر لنا الحرية. اما فكرة هيغل والمتمثلة بأن البشرية خاضعة للتطور فقد كانت في الواقع الاجابة العملية، كما تبين المؤلفة لامكانية وجود الشر ضمن حلقات التاريخ وهكذا شاء هيغل ان يبين ان ماهو ممكن يمكن ان يكون واقعا. هكذا تكلم نيتشة في أعماله الفلسفية المتعددة، مثل «هكذا تكلم زرادشت» وما وراء الخير والشر، سعى الفيلسوف نيتشه إلى إماطة اللثام عن مشكلة الشر بنحو دقيق لكل من يدرك عبثية ولا جدوى طرح الحلول الخاصة بها. وكان هوسه بمشكلة الشر وأسبابها وأشكالها نابعة، وفقا لما تراه الكاتبة، من النظرة البعيدة الثاقبة التي يتسم بها، وليس من عامل الحنين إلى الماضي. وبالاضافة إلى ذلك كان نيتشه يرى في الشر مشكلة مخلوقة وغير ممنوحة من جانب الأشخاص الذين لا يستحقون الحياة. وقد قام هؤلاء بإيجاد عالم مثالي لمواجهة العالم الحقيقي، وباتت القيم معكوسة وتم تجاهل واحتقار العالم الحقيقي في ظل وجود العالم المثالي. والمثال الأفضل على هذا الرأي يتمثل ـ كما يشير نيتشه ـ بالمسيحية التي كانت تنظر إلى العالم الطبيعي مثالا يجسد كل ماهو خاطيء: فالشقاء الذي نعانيه على الدوام هو عقوبة للأذى الذي نحدثه بنحو متكرر. وينتهي نيتشة الى القول ان مشكلة الشر هي مشكلة اوجدها البشر انفسهم من خلال ايجاد امثلة ونماذج وضعت الحياة في غير مسارها الصحيح، واذا نحن نجحنا في ا يجاد حل لهذه المعضلة، فينبغي ان نكون قادرين على تجاوزها، خاصة عندما نفهم بعد التحول الذي نمر به ومن هنا يشير نيتشه الى ان مشكلة الشر تتمثل في كونها معاناة لا معنى لها، في حين ان الالم يمنح اي معنى يمكن تحمله من دون مشقات، ونحن قمنا بابتكار الذنب، الذي اوجد بدوره اساسا للألم، حين يفل البشر الخوض في حالة اللاجدوى. ولم يغفل نيتشه التعرض لمعاناة الافراد الابرياء «الاطفال» على سبيل المثال ويقول في هذا الصدد ان من الضروري ايجاد معنى لمعاناة الاطفال. فالمعاناة في مثل هذه الحالات لا تطاق، وان الحياة يمكن تبريرها بحسبانها ظاهرة في غاية الجمال والروعة. وتشير المؤلفة الى ان الفلسفة الغربية قد سعت على مدى قرون طويلة لإيجاد سبب يبرر الكوارث الطبيعية، على إعتبار إن مثل هذه الكوارث تحصد عشرات الالوف من أرواح الأبرياء من دون تمييز، وتكون نتائجها الفورية مباشرة ومباغتة وتخلف وراءها معاناة حقيقية تكون في الأعم الأغلب أشد وطأة من الحروب. وتقول في هذا الصدد إن الهزة الأرضية التي أصابت مدينة لشبونه قد كان وقعها كالصاعقة على الحضارة الغربية أكثر من أي حدث آخر منذ سقوط روما. فهذه الأحداث تسعى إلى تقويض ما نثق فيه في هذا العالم، فعندما تختفي الأرض من تحت أقدامنا لا يسعنا عندئذ عمل أي شيء أو تفادي النتائج الحتمية المهلكة. وفي العام 1755 كانت تلك المدينة مركزا للتجارة ومن أغنى المدن العالمية على الإطلاق، وتتربع على أطراف أوروبا، إلى جانب كونها نقطة انطلاق للإستكشاف والحملات الإستعمارية على مدى القرون السابقة. وكان وقع الهزة الأرضية عنيفا جدا في اليوم الأول من نوفمبر من ذلك العام حيث دامت أكثر من عشر دقائق، وهي فترة طويلة جدا وتكفي لنسف عدد هائل من البنايات عن بكرة أبيها ودفن مئات الألوف من البشر في الركام وتحويل السماء إلى اللون الأسود المليء بالغبار. وما زاد الطين بلة ما لحق الكارثة من حرائق هائلة أضرمت بسرعة البرق في المدينة، لتقتل الكثير من سكان الأحياء الفقيرة وتأتي على العديد من المحال والمنازل. مغزى احداث سبتمبر تتحدث المؤلفة عن الأحداث التي حصلت في نيويورك عام 2001 وترى أنها قد شكلت تحديا جديدا للبشر الذين كانوا يرون ان هذا اللون من التهديد قد أختفى تماما. وتقول في هذا الصدد بأن عاملي المباغتة والسرعة للهجوم قد شابها كارثة طبيعية، إذ لم يكن ثمة تحذير أو رسالة تذكر، فشكل غيابهما ضربا من الخوف جعل الجميع عاجزا عن فهم كنه الإرهاب العالمي، كما تنعته المؤلفة. ومن هنا فإن الكوارث الطبيعية، كالهزات الأرضية تماثل الإرهابيين في أنها توجه ضربتها على نحو عشوائي ومن المستحيل أبدا الحيلولة دون إزهاق أرواح الكثيرين طالما لا يعتمد الأمر على عوامل بين طرفين متحاربين . وتتجسد المعاناة الحقيقية في هذا اللون من الشر في وجود أطراف لا يصح أبدا أن يكونوا عرضة لأي نوع من العذاب والشقاء والبؤس، فالأطفال لم يصلوا إلى العمر الذي يتيح لهم معرفة العالم بصورة واقعية وأن يقفوا على المعاني الحقيقية التي يجسدها ويحويها. بالاضافة إلى ذلك لا ينبغي لشيء كبير للغاية، كالاختلاف بين الحياة والموت، أن يكون رهينة لعامل صغير مثل الصدفة. ومن هنا تبين المؤلفة بأن أحداث 11 سبتمبر قد أوضحت بجلاء هشاشة البشر غير المحدودة. ففي مدينة نيويورك، وعلى الرغم من أن الكثير من سكانها لم يعرفوا الأشخاص الذين كانوا يقطنون برجي المركز التجاري العالمي لحظة الهجوم عليهما، فإن الكثير من الناس كانوا يدركون أن بعض الأشخاص كانوا ينامون أو يهمون بإصطحاب أطفالهم إلى المدارس. وكان اللحظة التي تهاوى فيها برجا المركز التجاري العملاقان، كما شاهد العالم كله ذلك، والصورة السريعة لذلك قد جعلت الجميع يشعر بعدم الطمأنينة والخوف، فردد الجميع عبارة الفيلسوفة حنة أريندت: المستحيل بات ممكنا وحقيقة.