الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 كان عام 1492 أفضل الاعوام وأسوأها في الوقت نفسه من تاريخ القارة الأوروبية. فقد ابحر فيه الملاح كريستوفر كولومبوس إلى الأميركتين ليربط بين كتلتي اليابسة الواقعتين على جانبها الاطلسي. وتبقى الاميركتان اوروبيتي المنشأ والاصل، وهو ما يتجلى في قيام الولايات المتحدة بالعودة إلى اصلها في أوروبا لانقاذ القارة العجوز من حمقاتها مرتين خلال القرن الماضي، ثم يتم طلب مساعدتها مرة اخرى لاعادة الأمن والنظام الى منطقة البلقان، بعد فشل فرض الارادة الأوروبية في هذه المنطقة في اوائل التسعينيات غير ان العام 1492 كان أيضاً احلك اعوام القارة الأوروبية، فقد حدث في هذا العام ان طرد القصر الأسباني الملكي المسلمين واليهود من اوروبا. وقد فعل الاسبان ذلك بوازع مما سموه بالدافع الديني، غير ان تشردهم الديني كان قصير العمر ولم يدم طويلاً، وبعد ذلك بخمسة وعشرين عاماً دفع مارتن لوثر بالقارة الاوروبية إلى اتون حروب دينية دامت اكثر من قرن. وكان المسلمون واليهود الذين تم طردهم باسم السيادة الكاثوليكية محظوظين أكثر مما كانوا يدركون. فلقد دخلوا عالماً اسلامياً مثل واحداً من اعلى مراحل الحضارة في العالم. فقد تم الارتقاء بالفنون والفلسفة اليونانية والرياضيات والطب من هذا العالم الاسلامي خلال العصور الوسطى بشكل فاق ما تم تحقيقه في أوروبا فيما قبل عصر النهضة والتنوير ولقد عاشت الجاليات اليهودية في سراييفو وسالونيكا تحت الحكم الاسلامي متمتعة بجو من الامن والامان فاق ما كانت هذه الجاليات تتمتع به تحت الحكم المسيحي. والآن لدى اوروبا فرصة لتصحيح اخطائها التاريخية عن طريق القيام بخطوات حاسمة نحو الاعتراف بالأهمية الكبيرة للتراث الإسلامي من أوروبا. أولى هذه الخطوات تشجيع تركيا في طموحاتها للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي. فأحد اعظم الابتكارات السياسية في اوروبا القرن العشرين كان تكوين الديمقراطية المسيحية فالاحزاب الكنسية الرجعية التي كانت تبحث عن السيطرة على التفكير المحافظ في أوروبا قبل عام 1939 حلت محلها احزاب ديمقراطية مسيحية ساهمت بأشكالها المختلفة في عملية التوافق والتصالح العقيدي وتكوين سياسة ديمقراطية علمانية بعد الحرب. وما أعظمها من جائزة ستنالها الديمقراطية في حال مساعدة تركيا على المضي في طريقها نحو تكوين دولة ديمقراطية اسلامية مكتملة الاركان لاتعمل على انكار حاجة الشعب الى التمسك بهوية دينية، ولكنها تشبع تلك الحاجة من خلال اطار من حقوق ديمقراطية علمانية. يريد البعض ان يغالي في مطالبة تركيا إلى درجة لا يمكنها معها الوفاء بمتطلبات الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، مطالبين اياها بأن تقبل من أول يوم لانضمامها تطبيقاً كاملاً للنموذج الاوروبي. غير ان هناك اجماعاً من أعضاء الاتحاد على السماح للدول المنضمة بالمضي على حسب امكاناتها فيما يتعلق بالتغلب على مشكلات تاريخية معينة. فقد كان هناك اختلاف شديد بين كل من فرنسا والمانيا حول حرب الجزائر في الستينيات، ولكن الدولتين كانتا تتعاونان معاً لبناء اوروبا. ونحت ايرلندا خيار عدم الانضمام إلى معاهدة ماسترخت لعلاج فقرات من دستورها متعلقة بحق المرأة في الاختيار. غير ان الانضمام إلى عضوية الاتحاد الاوروبي سواء بشكل فعلي أو بانتظار المفاوضات من اجل الانضمام، دائماً ما يحسن ويقوي من اداء الاصلاحيين والعناصر الديمقراطية. ولا تزال هناك سنوات امام تركيا للانضمام للاتحاد الاوروبي، ولكن على اوروبا ان توضح ان هناك ترحيباً بضم دولة ديمقراطية اسلامية تركية الى الأسرة الاوروبية. كان هذا الامر مفهوماً تماماً عند شارل ديغول الذي دعا إلى قارة أوروبية تمتد من المحيط الاطلسي إلى جبال الاورال وكان يرى ان تركيا مستقبلاً ستكون أوروبية الطابع والاتجاه. فكل من انقرة، ناهيك عن كونها احدى مدن الحضارة الاوروبية العظيمة، والقسطنطينية، التي تعرف الآن باسطنبول تقعان غربي جبال الاورال الروسية، ومن المحزن بعد ذلك ان نرى احد خلفاء ديغول يؤكد مؤخراً ان اوروبا تقتصر على المسيحيين فحسب. ففي حقيقة الامر، تحتاج أوروبا إلى قبول تراث الاديان السماوية الثلاثة: الاسلام والمسيحية واليهودية، فهناك 15 مليون مسلم في أوروبا وقد وجدوا فيها ليبقوا كما ان هناك ديانات اخرى منتشرة بين جماعات عرقية مختلفة تشكل فيما بينها هيكل اوروبا الحديثة الآن. ولا يمكن لأوروبا ان تسعى مرة أخرى لأن تكون قارة لديانة واحدة. فالدستور الأوروبي ينبغي ان يؤكد حرية العقيدة وعدم السماح لعقيدة معينة بالتفرد بالهيمنة والسيطرة على العقائد الأخرى. ووجود دولة ديمقراطية اسلامية تركية في أوروبا سوف يسمح لأوروبا بأن تبني جسور تعاون إلى الشرق مع العالم الاسلامي كما تبني الجسور نفسها عبر الاطلسي مع الأميركيتين. وسوف يسمح وجود مثل هذه الدولة أيضاً لأوروبا بأن تتعامل مع موجة التخوف من الاسلام، تلك الموجة التي تسيطر على السياسة اليمينية الجديدة التي ترتكز على رفض كل ما هو أجنبي. ومن المفترض أيضاً ان يشجع هذا الأمر الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي لأن تدفع بالمسلمين الأوروبيين في مسار وقلب السياسة الأوروبية. وقد كان لبريطانيا لاسيما حزب العمل على وجه التحديد، السبق من هذا الصدد، إذ يوجد عدد كبير من المحامين والاستشاريين والعمد والبرلمانيين المسلمين في البلاد. ويتوقع ان تعلن وزارة الخارجية البريطانية قريباً عن تعيين أول سفير بريطاني مسلم لها. وبعد السبق البريطاني، عين الرئيس الفرنسي جاك شيراك سيدة فرنسية مسلمة في حكومته. ولكن هنا يبرز أمر ينبغي التنبه اليه. فجزء من عملية تكوين وتشكيل وصياغة دولة ديمقراطية اسلامية يرتكز على ان قيم الديمقراطية تعد أكثر أهمية من الصفة المحددة للعقيدة. وكان أصدقاؤه وزملاؤه من السياسيين المسلمين في دائرتي، وترهام، مؤيدين بشكل كامل لبلير عندما قاد التحالف الدولي لوقف المجازر التي ارتكبها سلوبودان ميلوسوفيتش ضد المسلمين، غير انهم متحفظون بشكل اكبر حيال عملية مهاجمة الرئيس العراقي من خلال الأمم المتحدة، حتى وان كان الرئيس العراقي قد قتل وعذب مسلمين اكثر من أي قائد آخر في التاريخ. واذا كان لدولة اسلامية ديمقراطية ان تنجح وتعمل بشكل سليم، فإن عليها ان تقبل تبعات الديمقراطية والتزاماتها بالقدر نفسه الذي تؤكد به على حقها في ان يتم احترام قيمها ودينها. ان أوروبا امامها واجب وتحد تاريخي عليها ان تواجهه اليوم، وهو التكفير عن سياسة النفي والابعاد وما ارتكب من اكثر من ذلك ضد المسلمين واليهود، وكذلك استغراقها وتورطها في حروب مسيحية داخلية، وذلك من خلال صياغة قيم أوروبية تسمح للعقيدة والديمقراطية ان تنموا معاً. وسيكون قبول طموحات تركيا الأوروبية بداية جيدة في هذا الصدد. بقلم: دنيس ماكشين _ عن «اوبزرفر»