الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 نساء ترتدين تنورات طويلة، معتمرات أوشحة سابغة، تعانقن بعضهن بعضاً بينما تنهمر الدموع من أعينهن لتصل تنهداتهن إلى عنان السماء من فرط ذلك الحزن العميق الذي يسيطر على قلوبهن، فيما ينظرن إلى اربع جثث لرجال كانوا قد اختطفوا من قبل الجنود الروس في الثالث عشر من مايو الماضي وعادوا إلى قريتهم الصغيرة كراسنو ستيبنوفسكو جثثاً هامدة القيت بعيداً على الأراضي العشبية الناعمة مترامية الاطراف التي تمتد إلى الغرب من العاصمة الشيشانية، جروزني. ويأتي المزارعون الشيشان والتجهم والآسى يعلوان وجوههم من خلال سيارة صغيرة متهالكة لينضموا إلى الجنازة وطقوس الدفن، يحدث هذا بينما يغطي الدم ملامح رفات هؤلاء الاربعة الذين شوهت عمليات التعذيب التي تعرضوا لها قبل ان يلقوا حتفهم جميع معالمهم الجسدية حتى اضحى من المستحيل التعرف على احد منهم. تلك الجثث الاربع كانت من ضمن 15 جثة اخرى تم العثور عليها في احدى المقابر الجماعية بالقرب من قرية جور اجورسك الواقعة بالقرب من احدى ثكنات الجيش الروسي على الحدود مع انغوسيا، وتم الاعلان عن العثور على تلك الجثث في الثامن من سبتمبر الماضي عن طريق منظمة الحقوق الانسانية الروسية المعروفة اختصاراً باسم «ميموريال». ومن مثل تلك الحرب التي اندلعت مع دخول القوات الروسية إلى جمهورية الشيشان من الثاني من اكتوبر 1999، ليس من المعتاد ان يتم الاعلان عن مثل تلك الانباء او ان تخرج هذه الاخبار الى النور. فهناك سياج من الصمت دائماً يحيط بمعظم الاحداث التي تجرى في الشيشان، ذلك البلد زي المساحة الصغيرة التي لاتتجاوز مساحة اراضيه نصف مساحة سويسرا والذي تم فصله وعزله عن العالم الخارجي. فلا يسمح للصحافيين او اعضاء المنظمات الانسانية ان يتنقلوا او يسافروا بشكل خالٍ من القيود في الاراضي الشيشانية. فالسلطات الروسية تريد ان تفرض قيداً شديداً على عدد من يمكن ان يكونوا شهود غير مرحب بهم على ما يجري من هذه الاراضي. فسكان هذه الاراضي يختفون او يتم قتلهم بشكل يومي على يد القوات المسلحة الروسية أو برصاص الميليشيات الشيشانية الموالية لروسيا. فعدد الذين اختفوا منهم يصل إلى الوف من الاشخاص. ولا يوجد احصاء دقيق لعدد الضحايا. ويتم العثور على جثث الاهالي بشكل عادي للغاية في المباني المهدمة أو على جنبات الطرق أو في الأراضي البور، حيث تكون بعض تلك الجثث مقطعة ارباً بفعل المتفجرات التي تعرضت لها أو تظهر عليها آثار عمليات التعذيب التي تعرضوا لها قبل ان يتم قتلهم. وأحياناً يتم انتشال تلك الجثث من مقابر جماعية كما حدث مع موسى كاريف 44 عاماً ـ الذي كان يعمل في وظيفة ميكانيكي في مزرعة مملوكة من قبل الحكومة في كراسنو ستيبنوفسكو، وابنه روستم 20 عاماً وأخيه اصلان ـ 50 عاماً ـ وجار لهم يدعى عزيز بيك بيتسالوفا 37 عاماً عندما اقتحمت مجموعة من الجنود الروس منازلهم. ويتذكر شاهد عيان ما حدث قائلاً: «لقد بدأ الجنود في ضربنا بكعوب البندقيات التي كانوا يحملونها وضربوا النساء على رؤوسهن، واخذوا معهم ستة رجال تم العثور على اثنين منهم احياء على قارعة الطريق بعد ذلك بثلاثة ايام». وقال الناجون انه تم اقتيادهم معصوبي الأعين مقيدي الايدي في ناقلة جنود مدرعة الى زنزانة في احد المباني حيث تم استجوابهم وضربهم. ويقول هؤلاء: «لقد اخبرنا الروس بأنهم يعرفون اننا مجرد ميكانيكيين ولسنا عصابة، وكانوا يرددون القول ان المشكلة الاكبر المتعلقة بنا تتمثل في كوننا شيشانيين. واستمرت عائلات القرية في تعقب آثار الرجال المختطفين لمدة اربعة اشهر. وتقدمت هذه العائلات بطلبات الى الحكومة الموالية لروسيا للحصول على معلومات بشأنهم وكذلك للسلطات العسكرية والمحامي العام، ولكن ذهبت كل مجهوداتهم سدى. وأخيراً توصل هؤلاء الى شخص وسيط قام بدفع مبلغ كبير من المال الى الجنود الروس المرابطين في المنطقة وحصل منهم على مكان المقبرة الجماعية. ووصفت سيدة ما رأته في ذلك اليوم الذي عثر خلاله على المقبرة الجماعية، قائلة: «لم يكن قد تم دفنهم على عمق كبير من الأرض وكانت المقبرة الجماعية على مسافة قريبة من نقطة تفتيش روسية. وتم العثور على الرجال وهم عراة تماماً، وكانت رؤوسهم موضوعة في أكياس من البلاستيك مربوطة حول رقابهم بخيط. لقد كانوا في حالة هزال شديد. وعلى بعد امتار قليلة تم اخراج بقايا جثث رجال آخرين، تم التعرف على ثلاثة منهم. احدهم كان يدعى فاخا ماجوميدوف 57 عاماً وكان يعمل في المزرعة الحكومية نفسها وكان يعيش في قرية اوكتيا برسكو التي تقع على بعد 10 كيلومترات من جروزني. وتم اختطاف ماجوميدوف من منزله في الثالث من مايو الماضي وعند التعرف عليه قال احد افراد اسرته: «كان من الصعب التعرف عليه مباشرة. فرأسه كما كان الوضع مع الآخرين، كان مغطى بضمادات. فالجثة بدت غير واضحة المعالم، وكان لا يمكن للمرء رؤية شكل الانف، أو موقع العينين. وبمجرد ان تم خلع الضمادات استطعنا التعرف عليه. وبدا ان قدميه قد تعرضتا للكسر وجمجمته قد تم تهشيمها اما عظام اطراف قدميه، التي لم يكن يظهر منها الا الجلد، فقد سقطت. ووجدنا اسناناً مكسورة في مؤخرة فمه. وكان عارياً. وكان رأسه موضوعاً في كيس من البلاستيك، وعلى جسدى جثتين اخريين لم يتم التعرف عليهما تم العثور على جروح عميقة على مناطق المعدة والجزع. وعندما حاول اهل القرى في كراسنو ستيبنوفسكو وأوكتيا برسكو ان يكتشفوا ماذا حدث للرجال الذين تم اختطافهم، علموا بعد سؤال الجنود واهل القرى الذين هربوا من هجوم القوات الروسية بين الثالث والثالث عشر من مايو، ان المقبرة الجماعية التي تم العثور عليها مرتبطة بممارسات احدى وحدات القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية الروسية، تدعى فرقة سوفرينو، التي تم تسميتها على اسم احدى ضواحي العاصمة موسكو حيث ترابط الفرقة: ففي العاشر من يونيو انسحبت الفرقة من جروزني بعد قيامها باحدى المهام واتجهت إلى اراضي جمهورية انغوشيا المجاورة، ويتوافق موقع المقبرة الجماعية مع الطريق التي استخدمتها الفرقة في ذلك اليوم. ويبدو ان وحدات الفرقة ارادت ان تتخلص من جثث الضحايا التي قامت بتعذيبها أثناء اداء مهمتها في جروزني. وعندما جاء اقارب هؤلاء الذين اختفوا لسؤال الجنرال سيرجي كيسيون، القائد العسكري الروسي في الشيشان، قال: «تلك القوات لا تأخذ اوامرها مني، ولكن تأخذها مباشرة من بوريس جريزلوف «وزير الداخلية الروسي» في موسكو. فأنا لا اصل إلى قاعدة تلك القوات. وبعد اكتشاف المقبرة الجماعية، نقلت وكالة انترفاكس الروسية عن متحدث باسم الجيش الروسي قوله ان بعضاً من سكان مزرعة ولاية كراسنوستيبنوفسكو تم قتلهم على يد المقاتلين الشيشان الذين «قاموا بالتخفي لالصاق التهمة بقوات الامن الروسية وتشويه سمعتهم في الشيشان». وفي مارس الماضي، قام الجنرال فلاديمير مولتن سكوي، الذي كان حينذاك رئيس اركان القوات الروسية في الشيشان، باصدار اوامر لجنوده بعدم وضع اقنعة أثناء عمليات «التطهير» في القرى الشيشانية. وفي ضوء الاختفاء المتواصل للمدنيين المحتجزين بواسطة الجيش الروسي، طلب القائد ان يتواجد مندوبون من الإدارة ومكتب المحامي العام اثناء تنفيذ تلك العمليات. وبعد مرور ستة اشهر على ذلك الامر، لم يتم تنفيذ اي من تلك الاجراءات التي استشهد بها بوتين على انها دليل على «استقرار» الاوضاع في الشيشان. تقول احدى السيدات والتي تعيش في كراسنوستيبنوفسكو: «ان الرعب يتملكني، فالجنود يجوبون القرية أثناء الليل لاثارة الفزع والرعب بيننا، انهم يقومون بنهبنا. ان الخوف الذي يملؤني لا يمكنني من النوم، فأنا اخشى ان يهجمون فجأة ويأخذون احدنا بعيداً. وجميع العائلات الشيشانية تعيش في نفس الموقف. فالشيشانيون هم عبارة عن شعب يريد الروس تجريمه والتخلص منه. وطالما استمر الجنود الروس هنا، سوف تستمر معاناتنا من وحشيتهم. وتبعاً لأقوال احد مندوبي منظمة الحقوق الانسانية الروسية «ميموريال»، فإنه من المنطقي ان يتم دفن هؤلاء بالقرب من المواقع العسكرية الروسية. ويضيف: «تلك هي الاماكن التي يشعر فيها هؤلاء الجنود بالأمان عندما يقومون بحفر القبور في جنح الليل، حيث يشعرون انهم بمنأى عن الكمائن التي ينصبها لهم المقاتلون الشيشان. وفي مثل تلك الاماكن التي تتم مراقبتها طوال الاربع والعشرين ساعة، يجد الشعب الشيشاني صعوبة كبيرة في الذهاب إلى هناك والتنقيب عن جثث اقاربهم من دون ان يتعرضوا لنيران الجنود الروس.لقد تم اكتشاف عدد كبير من المقابر الجماعية في الشيشان. احدى أكبر تلك المقابر تقع بالقرب من خانكالا، وهي احدى القواعد العسكرية الروسية، شرقي جروزني، والتي تم اكتشافها واخراج الجثث منها في فبراير 2001. وقد احتوت هذه المقبرة على 50 جثة من المدنيين، منهم نساء، والمقاتلين الشيشان. ووصفت منظمة «هيومان رايتس واتش» المعنية بحقوق الانسان ما قامت به السلطات الروسية من تحقيقات في الأمر بأنه كان «مهزلة». يقول ناشط شيشاني في مجال حقوق الانسان: «بعد الضجة التي حدثت في اعقاب الكشف عن المقبرة الجماعية في خانكالا، اخذ الجيش الروسي في التزام الحرص، وبدأ في تنفيذ جرائمه بشكل أكثر في الخفاء وبقدر اكبر من الحذر. فعندما يتم العثور على مقابر اليوم، يتبين ان هناك ثلاث أو اربع أو خمس جثث على الاكثر في الحفرة الواحدة ونادراً ما يتم العثور على اكثر من ذلك. فالأمر يبدو وكأنه تم نثر الجثث في اكثر من حفرة بشكل متعمد. ولم يتم السماح بالقيام بأي تحقيق دولي في الجرائم الوحشية التي ترتكب في الشيشان من قبل موسكو منذ بداية الحرب هناك وتشير الدلائل المقدمة من السكان المحليين إلى ان هناك اماكن عدة في المنطقة المحيطة بأرجون واروس مارتان وتسوتسين ـ بورت وجروزني تم استخدامها من قبل الجيش الروسي لاخفاء الجثث. يقول مصدر موثوق منه طلب عدم الافصاح عن اسمه: «هناك بعض الاماكن التي تم فيها تمزيق اجساد الناس ارباً عن طريق المتفجرات حتى لا يستطيع احد التعرف عليها.وطبقاً لأقوال عدد كبير من شهود العيان من احدى المناطق الجبلية بالقرب من خاتوني جنوبي الشيشان، حيث يرابط الفوج الخامس والاربعون الروسي، فإن عدداً كبيراً من الرجال الشيشانيين يتم اعتقالهم وتعذيبهم بوضعهم في حفر مغطاة بألواح خشب ثقيلة وثخينة، ويتم استخدام تلك الحفر منذ عامين على الأقل، مما أدى إلى ان الأغطية الخشبية الموضوعة فوقها اصبحت مليئة بالأعشاب مما يجعلها غير ظاهرة للعيان على الاطلاق. وتقول روسيا انها تقوم بشن «عملية ضد الارهابيين» في الشيشان تدخل في نطاق الحملة الدولية ضد الارهاب التي بدأت عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر. ويصل عدد القوات الروسية المرابطة في جمهورية الشيشان إلى حوالي 100 ألف جندي. وتبعاً لأقوال مندوبين عن المقاتلين الشيشان، فإن الحرب تسببت من مقتل ألوف من المدنيين. ومنذ عدة شهور حتى الآن تدعي موسكو ان المرحلة العسكرية من العملية قد انتهت وانه يمكن تنظيم استفتاء على عملية وضع للدستور. غير ان هناك حرب الغام ارضية آخذة في الاشتعال على الطرق السريعة الشيشانية، حيث لا يزال يزرع المقاتلون الشيشان هذه الالغام، وتواصل «فرق الموت» من الجنود الروس المقنعين عملية بث الرعب بين ابناء الشعب الشيشاني. وفي الصيف الماضي تم رفع لافتات في شوارع جروزني وشالى وارجون تحمل شعارات تذكر بحملة الدعاية التي قام بها ستالين. بعض هذه الشعارات مفاده: «قوتنا تكمن في وحدتنا. ومصادقة الشعوب الروسية الأخرى هي طريق الشيشان نحو الرخاء والازدهار. ترجمة: حاتم حسين _ عن «لوموند»