الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 كان الامر حتمياً وكان احتمال ان تقوم القاعدة بشن هجوم على اسرائيل بمثابة كابوس للمسئولين الاسرائيليين، والشيء الوحيد الذي لم يفكروا فيه، حتى بعد تفجير بالي، هو ان القاعدة ستضرب اسرائيل في الخارج. بالطبع، كانت هناك فوائد سياسية للاسرائيليين قاموا باستغلالها، فالفلسطينيون يمكن ان توجه اليهم اصابع الاتهام، حتى وان لم تكن لهم اية علاقة بالتفجير الانتحاري لفندق برادايس. وكالعادة لم تهتم القاعدة بالضحايا الذين لم يكونوا في اطار هدفهم. ومثلما قدم الكينيون الجزء الاعظم من حصيلة القتلى في تفجير القاعدة للسفارة الاميركية في نيروبي قبل اربعة اعوام، كان الكينيون ايضاً هم الضحايا الرئيسيون في تفجير مومباسا. مات اطفال في الحادث هذا ان كانوا هم الجنسية المستهدفة. ولكن الهجوم قدم الدليل من جديد على ان شبكة القاعدة لديها ما يصفه الاميركيون بـ «الامتداد العالمي». ويستطيع رجال القاعدة ان يضربوا في بالي وسنغافورة وافغانستان والكويت وعبر الاطلسي وفي السعودية واليمن ونيويورك وواشنطن وفي حقل بولاية بنسلفانيا. لاشك بأن تنظيم «جيش فلسطين» الذي تبنى المسئولية عن الهجمات في كينيا، هو اسم ملفق مع هذا الاعلان عن المسئولية سيتم استغلاله من قبل الاسرائيليين. لقد فشل «الجيش» في هجومه بوجه عام. ومن المهم ادراك هذا الامر، لدى حساب نتائج الهجوم الاخير للقاعدة. لقد اخفق الصاروخان اللذان جرى اطلاقهما في تدمير الطائرة الاسرائيلية. ومن المؤكد ان من اطلقهما كان يأمل بايقاع عدد اكبر من الضحايا، وكان القصد هو ان يصبح 28 نوفمبر بمثابة 11 سبتمبر لاسرائيل بقائمة تتألف من 300 أو 400 قتيل. بلغ عدد الضحايا الاسرائيليين في الحادث ثلاثة اشخاص واذا كان هناك احد يبحث عن توقيع القاعدة على هذه العملية، فإنها قد تركت بلا شك على التفجيرات. توقيعها بالأحرف الاولى. وهذه الاحرف هي الانتحاريون والهجمات المتزامنة وكينيا ومنتجع للعطلات. وقد اصبح استخدام كلمة «بصمة او دمغة» بمثابة كليشيه، ولكن هجمات مومباسا كان اسم القاعدة مكتوباً عليها جميعاً. وقبل شهرين اعرب ضباط اسرائيليون بارزون في الاستخبارات العسكرية بصورة شخصية عن قلقهم من ان اسرائيل ستكون المستهدف التالي لضربات القاعدة. وتحدثوا عن بنايات عالية في تل ابيب وعن مواقع الصواريخ في صحراء النقب ـ وتحدثوا عن هذا الامر بصوت خافت، بالطبع، لأن العالم يفترض ألا يناقش القدرة النووية لاسرائيل ـ ولكنهم تخوفوا، وكانوا مصيبين في ذلك، من ان تنظيم القاعدة سيحاول وضع اسرائيل في الاطار نفسه الذي وضع فيه الولايات المتحدة. وقد فعل ذلك لانه مهما كان ما فعلته القاعدة مؤخراً، فقد وضع اسرائيل إلى جانب أميركا. وكان ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي قد زعم، منذ 11 سبتمبر، ان اسرائيل تقف إلى جانب الرئيس جورج بوش في «حربه على الارهاب» وقد اعطى الصراع الدائر ـ بفضل سياسة واشنطن المتحيزة ـ الانطباع بأن شارون وبوش يتبنيان الاهداف نفسها. والآن يتعين على العالم ان يقر بأن شارون ـ الذي يعتبر مجرم حرب بنظر ملايين العرب بسبب «مسئوليته الشخصية» عن مجازر صبرا وشاتيلا بحق المدنيين الفلسطينيين في عام 1982 ـ لديه مبرر لمحاربة القاعدة. هل هناك اي فلسطينيين في صفوف تنظيم القاعدة؟ انني لم التق بأي منهم ابداً، وقد قابلت العشرات من رجاله في السودان وافغانستان. ولكن بمهاجمة الاسرائيليين، فإن القاعدة قامت عملياً بارتداء عباءة الانتفاضة. واذا كان بمقدور انتحاري فلسطيني ان يقتل 11 اسرائيلياً في القدس، وكان بمقدور فرقة انتحاريين من القاعدة قتل ثلاثة اسرائيليين في مومباسا، فما الفرق اذن؟ وفي المستقبل، يمكن ان يصور اي اعتداء اسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين باعتباره جانباً من المطاردة لرجال بن لادن. ويمكن ان تصور غارة جوية اسرائيلية، بصرف النظر عن عدد الاطفال الذين تقتلهم، على انها لا تختلف في شيء عن الغارات الاميركية على القرى الافغانية. دعونا لا نتخيل ولو للحظة ان هذا التفكير لم يخطر على بال القاعدة. ففي تنظيم يعتبر فكرة «الدمار المصاحب» ـ وهي بحد ذاتها كلمة قذرة على السنتنا ـ شيئاً لا معنى له، فإن تكثيف النيران الاسرائيلية من جديد يكون تصرفاً لا مفر منه. وكلما ادرك العرب وحشية انتقام عدوهم كلما كان امتداد القاعدة أقوى.ان الهجمات الاخيرة ـ التي تعتبر ضعيفة من حيث الخسائر البشرية الاسرائيلية مقارنة مع عدد القتلى في التفجيرات الانتحارية الفلسطينية الاخيرة ـ لا تغير هذا الوضع. وسيتنافس زعيمان اسرائيليان لا يرحمان مع بعضهما البعض على حق اسرائيل بالرد. وادارة بوش، لن تقوم بحثه على ضبط النفس، في اعقاب 11 سبتمبر. اذن ما الذي تخبرنا به الهجمات عن اسامة بن لادن؟ انها تظهر من جديد ان رجاله قادرون على مهاجمة اعدائهم متى ارادوا. وكان ينبغي ان تكون مومباسا وفندق يملكه اسرائيلي مصدرين واضحين للمخاطر الامنية. فإلى الشمال في مقديشو تحدى مقاتلو بن لادن الاميركيين، لاول مرة كما اخبرني هو بنفسه في عام 1997. وكان ينبغي لتفجير السفارة الاميركية في نيروبي قبل اربعة اعوام إلى جانب تفجير السفارة في دار السلام ان يثبتا قوة القاعدة في افريقيا. وتمضي قائمة الهجمات إلى ما هو ابعد من ذلك. فقد هاجمت القاعدة منتجعاً سياحياً في بالي. وها قد هاجموا مومباسا. وحاولوا ان يغرقوا السفينة الاميركية كول في عدن باستخدام زورق يقوده انتحاري. وحاولوا اغراق ناقلة النفط الفرنسية «ليمبورغ» في اكتوبر الماضي باسلوب هجومي مماثل. وقاموا بتفجير سفارتين اميركيتين في افريقيا. ودمروا برجي مركز التجارة العالمي. وفي العملية الاخيرة جعلوا تفجير الفندق في مومباسا يتزامن مع محاولة الهجوم الصاروخي على الطائرة الاسرائيلية. فأين ستكون الضربة التالية؟ حسناً، لقد سمعنا قائمة الاهداف لدى بن لادن وهي: بريطانيا اولاً ثم فرنسا وايطاليا فكندا. ولا تتصوروا للحظة ان المخططين الاستراتيجيين لدى القاعدة لم يتفحصوا الاهداف المتوفرة لديهم. لقد تفحصوا كل شيء تماماً مثلما فعل مسلحو جيش الجماعة الاسلامية الجزائرية قبل اكثر من اربعة اعوام عندما خططوا لقيادة طائرة مختطفة للخطوط الجوية الفرنسية وجعلها تصطدم ببرج ايفل. وكونوا على يقين من انهم قد استطلعوا «حاجز نهر التيمز» و«يوروستار» وجميع الرموز الاخرى المعرضة للخطر في مجتمعنا. وذلك لانهم يريدون ان يحملوا اوروبا على الدخول في تحالف مع اميركا واسرائيل. ويعتبر المبدأ المحزن «صراع الحضارات» الذي تنبأ به كتاب لصامويل هنتنجتون يحمل العنوان نفسه مهما بالنسبة لاتباع بن لادن قدر اهميته لدى المتشددين المسيحيين الاميركيين اليمينيين الذين يزعمون ان المسلمين محبون للحرب. وما جرى في مومباسا كان خطوة اخرى في هذا الاتجاه. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة: ضرار عمير عن «إندبندنت»