الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 يعد هذا الكتاب احد الكتب القيمة، بل والنادرة التي يمكن ان يستفيد منها الجميع بلا استثناء، فهو يتعرض لموضوع مهم وحيوي لم يفلت منه انسان ولن يفلت منه احد ربما حتى قيام الساعة، وقد حار البشر طويلاً فيه ولايزالون، فهو يتناول موضوع الألم. فمن منا لم يصب بصداع او انفلونزا او تعرض لكسر او اجرى عملية او غير ذلك من الامراض أو المشكلات التي تسبب الألم؟ ويكتسب هذا الكتاب اهمية من ان مؤلفه باتريك وول خبير في هذا الموضوع تعايش معه طويلاً دارساً وكاتباً ومحاضراً وبالتالي جاءت كلماته وتعبيراته دقيقة، سهلة، ومفهومة بالنسبة لكل المستويات الثقافية بسيطة للغاية لكنها في الوقت نفسه علمية ناتجة عن خبرة ودراسة. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب ان الالم علم يدرس وله جمعيات خاصة به وخبراء اختصاصيون في هذا المجال. ولكل مرض ألم خاص به يأتي نتيجة للاشارات التي يرسلها المخ الى الجسم. ويتميز هذا الكتاب بأن مؤلفه صاحب العديد من المرضى والمصابين منذ بداية الاصابة وحتى الشفاء متابعا معهم رحلة الألم والمعاناة، حتى خرج لنا بهذا الكتاب القيم عن فن الألم ان جاز التعبير، ومن آلام الاسنان الى آلام العظام الى آلام السرطان يطوف بنا المؤلف في رحلة متعددة المحطات يستعرض فيها اسباب كل ألم وكيفية تجنبه، ويتعرض الكاتب بصفة خاصة لمرض السرطان والآلام المصاحبة له، ويقدم معلومات مهمة عن هذا المرض الذي يبذل العلماء جهوداً مكثفة لفهم اسراره تمهيداً للوصول الى علاج نهائي يخلص البشرية من اضراره الجسيمة. يشير المؤلف في الفصل الاول الذي عقده بعنوان «ألم خاص وعرض عام» انه من الضروري البدء بتقارير موضوعية دقيقة توضح ما يفعله الانسان والحيوان عندما تحدث له اصابة ومن اجل اكتشاف طبيعة الالم فمن الضروري ان نفصل الحقيقة عما نعتقد اننا نلاحظه. ويطرح المؤلف حالة ضابط احتياطي بالجيش السويسري برتبة ميجور يبلغ من العمر 43 عاماً وصفته زوجته بأنه صلب، قليل الكلام، وانه كان يمارس رياضة التزلج على الجليد في منطقة انجادين السويسرية عندما انهار جسر جليدي فوقه وكل ما تذكره هو انه سقط في هوة جليدية سحيقة ثم تهاوى عليه الجليد من امامه ومن خلفه، انحشرت يده فوق رأسه وفوقها جبل من الجليد ولم يستطع ان يحرك ساقيه وعلى الرغم من كل ما حدث له فقد اندهش من انه لم يشعر وقتها بأي ألم، ونظر لاعلى فوجد بعض الرجال ينظرون اليه من خلال حفرة، واخبرهم بأنه بخير لكنه لا يستطيع ان يتحرك فانزلوا اليه احد الاشخاص وقام بربط حبل حول وسطه وتم سحبه لاعلى، ثم جاءت طائرة هليكوبتر بعد خمس وعشرين دقيقة وكان يتذكر هذه الاحداث وهذا الشعور بخجل وهو يلقي محاضرة حول كيفية تجنب مثل هذه الحوادث. واخذ هذا الضابط يتذكر مراحل الالم التي مر بها سواء عندما سقط عليه الجليد أو في مرحلة انقاذه، حيث تم وضعه فوق نقالة، واقلعت به الطائرة وبعد خمس واربعين دقيقة من سقوطه بدأ يشعر بالألم في ذراعه اليسرى ثم اخذ الالم يسري الى رقبته فصدره ثم اخذ يصرخ فأعطوه حقنة مسكنة، وعندما وصلت الطائرة الى المستشفى بدأ الالم يقل شيئاً فشيئاً وفي المستشفى اكتشفوا انه اصيب بخلع في الكتف وكسر في عظمة الترقوة اليسرى وبعض الكدمات والرضوض الاخرى واجريت الاسعافات اللازمة له ثم اغفى في سريره. في صباح اليوم التالي، بدأ الألم يعود الى الذراع كلما حاول ان يتحرك وفي كل مرة كانوا يعطونه مسكناً للألم، وبدأ يشعر بالانهاك وعندما كان الاطباء يقومون بالمرور الدوري على العنبر الذي يرقد فيه كان يشعر بألم شديد، وهم يزيلون الضمادات من فوق الجروح او عندما يقومون بملامسة مواضع الجرح. بدأ صاحبنا يمتنع عن الطعام من شدة الألم وطول الاقامة والنوم الاجباري وكان عندما يزوره احد يقول عبارة ثابتة لا تتغير انني بخير انها مجرد سقطة بسيطة وسوف اغادر المستشفى خلال يوم او يومين، ولكنه في قرارة نفسه كان يتمنى ان يذهب الزوار ويتركوه وشأنه. هذا التاريخ المرضي يتميز بمرحلتين المرحلة الطارئة الاولى التي استمرت خمساً واربعين دقيقة عندما كانت الاولوية في انقاذه واخراجه كانت هناك اصابة ولكن لم يشعر بالألم، وكان في كامل وعيه، وشاهد عملية انقاذه لحظة بلحظة، واستطاع تقويم الموقف برمته لكنه كان يلوم نفسه ويشعر بالخوف على مستقبله، معتقداً ان هذه الاصابة سوف تؤثر على ترقيته. اما المرحلة الثانية فكانت تلك المرحلة التي بدأ فيها الألم.. وكان الشفاء من الاصابة له الاولوية، ومضى الألم يتزايد كلما حاول الحركة او لمس الطبيب جراحه وبعيداً عن الألم فقد تغيرت شخصيته المعتادة تماماً، فبعد ان كان شخصاً نشطاً ومتسماً بالحيوية، تحول الى شخص آخر يتلقى الاوامر فحسب: لا تتحرك.. لابد ان تنام! ويروى المؤلف حالات اخرى مختلفة وقعت لاشخاص آخرين، مؤكداً ان الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب هي اكتشاف العناصر التي تؤدي بالاضافة الى الحادثة ذاتها الى الألم. احد هذه العناصر ان المرضى لا يقومون مآساتهم الخاصة لكنهم يتقدمون بعرض عام، وان مأساتهم الخاصة ليست بالضرورة حول الالم، فمثلاً هناك متطوعة في الجيش الاسرائيلي عمرها 22 عاماً بترت ساقها من فوق الركبة فأخذت تبكي بشدة، وعندما سئلت عن السبب في بكائها قالت ان: الالم يهون ولكن من سيتزوجني الآن؟ فلسفة الألم قبل ان نكتشف الألم .. يجب ان نضع في الاعتبار أولاً الخطة العامة لما نتوقع ان نجده، الفكرة العامة السائدة التي تأتي بداهة منا والتي يعبر عنها معظم الفلاسفة والمفكرين هي فكرة مزدوجة، بمعنى ان لدينا جسماً وكياناً آخر منفصلا عنه، وهو العقل. الجسم يراه الآخرون عموما كآلة دقيقة ورائعة تعمل وفقاً لمباديء مفهومة يكشف عنها البحث العلمي المتطور باستمرار. ويشمل الجسم النظام العصبي الحساس الذي تتمثل وظيفته في كشف الاحداث في العالم الذي يدور حولنا وداخل اجسامنا. ويقوم الجهاز العصبي الحساس بجمع وفحص كل المعلومات المتاحة ويقدمها في صورة تولد احساساً نقياً طبقاً لثنائية الجسد والعقل. وعند هذا الحد من المفترض يقوم العقل الذي يعمل وفقاً لمباديء مختلفة تماماً بفحص المعلومات التي جمعها الجهاز العصبي، ويبدأ في العمليات العقلية مثل الادراك والتأثير والذاكرة والوعي الذاتي وتخطيط الفعل. وهناك من يعتقدون ان هذه العمليات العقلية تعمل وفقاً لمثل هذه المباديء المختلفة التي لن يتم الكشف عنها عن طريق الاكتشافات العلمية المستمرة في عالم اليوم. ويقول هؤلاء ان الناتج العام للعمليات العقلية يمكن ان يصفه علماء النفس، لكن الآلية التي اتت بهذا الناتج تظل غامضة. يقول المؤلف: انني اذا قلت لاي شخص انني مهتم بمشكلة الألم فسوف يبادرني بالسؤال: الألم العضوي أم الألم العقلي؟ هذا السؤال يعبر عن الثنائية في ثقافتنا، فإذا قلت مثلا إن قدمي تؤلمني فإنني بذلك اعبر عن ازدواجية تفكيري. أحد شقي الثنائية عندي هو التفكير والتحدث والشعور والمعاناة والشق الآخر هو انسجة الجسم التي ترسل رسائل اشارات الى جزء من العقل دمر تماما. هيكل العبارة نفسه يكون هكذا: «إن لوحة جهاز القياس تقول ان الآلة ارتفعت درجة حرارتها الى الحد الاقصى». فإذا اردنا ان نتعرض للألم، فيجب ان نتأكد تماما اولا مما سوف يظهر واضحاً، وهو اننا نسكن عالمين منفصلين مترابطين، وهي ا لعالم الجسدي والعالم العقلي. وكل منا يتأثر بالعقل. ومادمنا بصدد التعرض للألم، فلابد أن نحدد بدقة النقطة التي عندها يدرك العقل هذا الألم. فهل هناك مثلا عمليات مهمة تسبق الادراك العقلي للألم؟ لأن معظمنا من انصار العقل ونتغنى بأفضاله. واذا اردت، مثلا، أن تعزف على آلة البوق فيجب ان تحصل على اكبر كمية من النفس ثم تخرجها بطريقة منظمة وبمهارة تحكمية. فعملية النفس هي عملية اوتوماتيكية عندما تعمل في عملية الشهيق والزفير، لكن العقل يتدخل اذا ما تجاوز النفس هذه العملية. كثير منا يقود سيارته وهو صامت أو وهو يتحدث الى من يجلس بجواره فهل قيادة السيارة عملية تتم أتوماتيكيا؟ الاجابة بالطبع هي لا، لأن قائد السيارة لابد ان يكون منتبها لأمور عديدة مثل ضرورة وقوف السيارة عند الاشارة الحمراء وتهدئة السرعة عند مفترق الطرق واضاءة اضواء السيارة عندما يحل الظلام، ولذلك فإن هذه التصرفات العفوية تتضمن استقبال وتحليل الاشارات الحسية وتنفيذ اوامر السيارة. يقول ارسطو ان هناك خمس حواس هي السمع والصوت والشم والتذوق واللمس وكان ارسطو يعني بذلك اكثر من الحقيقة المعروفة، وهي ان هناك خمسة اجهزة من الاعضاء مسئولة عن الحواس الخمس. كل حاسة كانت تمثل فئة فريدة خاصة بذاتها. ومن المعروف ان الشاعر الضرير ميلتون كتب عن «الصوت القرمزي للأبواق» لكنه كان يقصد به الحس المتزامن، وليس التقليد. وقد طلبت الجمعية الدولية لدراسة الألم مجموعة برئاسة العالم النفسي هارولد ميرسكي ان يقدموا تعريفا حديثا للألم فقالوا: «الألم هو شعور بغيض وتجربة عاطفية مصحوبة بضرر في الانسجة واضافوا ملاحظة مهمة هي ان الألم يكون دائما ذاتيا هذا التعريف يتجاهل ربط الألم بالمؤثر. ومن وجهة النظر الكلاسيكية، فإن المؤثر يؤدي الى الاحساس أو الشعور الكامل الذي يؤدي بدوره الى الادراك، أما اصابة الانسجة بالضرر فيؤدي الى الألم التام الذي يؤدي بالتالي إلى الألم والبغض. ولكن من وجهة النظر الحديثة فإن المؤثر قد يؤدي او لا يؤدي الى الادراك، وان ضرر الانسجة قد يؤدي او لا يؤدي الى الألم، وهي بالتالي تصبح تجربة بغيضة. وهناك سببان لهذا التعريف الجديد، الأول هو ملاحظة وفحص الفشل في ايجاد علاقة بين اصابة الانسجة والألم. والسبب الثاني هو انه لا يوجد شخص عادي تعرض للألم التام لم يكن مصحوبا بالبغض. وتعد خلايا الدم الحمراء من أكثر العوامل المثيرة واقلها اهمية في حدوث الاصابة بافتراض ان النزيف قد توقف، كما ان تدفق الدم يلعب ايضا دوراً خطيرا حيث ان تفاعل البروتينات في المصل مع الخلايا المصابة يسبب جلطة تسد تسرب الأوعية الدموية. يقول المؤلف اننا عندما نفكر في الألم فإننا طبيعيا نركز على الوعي ونميل الى تجاهل كل الأحداث المصاحبة، ونستخدم كلمات مسجلة على غرار: الانعكاس اللاإرادي، الحركة الأوتوماتيكية او الحركة الآلية لكي نميزها عن الحدث الرئيسي الذي يسيطر علينا، وهي تجربة الوعي بالألم. ويضيف المؤلف: كثيرا ما اواجه سؤالا مهما وهو: هل انني بصدد التعامل مع الألم العضوي ام الألم النفسي؟ ويجيب: لقد اعطيت اسباب الشك في ملاءمة هذا السؤال الثنائي. لكن السؤال الثاني الأكثر شيوعاً هو: لماذا يقاوم بعض الاشخاص الألم؟ والواقع أن كلاً منا يخشى الألم، ونشك في مقدرتنا على تحمله. وبمعنى آخر نحن نخشى الألم الخاص ونشك في مقدرتنا على تحمله بشرف أمام الآخرين. بعد الجراحة عقد المؤلف فصلا كاملا حول موضوع الألم بعد الجراحة لأن ذلك شائع وقد لاحظ كل منا ذلك مع نفسه أو اصدقائه، كما ان رد فعل ما بعد الجراحة يختلف من شخص الى آخر حتى بعد اجراء العملية نفسها. الاعداد للعملية يتضمن بالتأكيد زيادة التوتر والقلق فمجرد دخول المريض المستشفى يتحول من شخص عادي الى مريض يعتمد على الآخرين. ويقوم المريض بتعبئة الاستمارة التي غالباً ما تشمل تهديداً خفياً مثل أن يتم اجراء العملية على مسئولية المريض ثم يقوم بخلع ملابسه العادية التي دخل بها المستشفى لكي يرتدي ملابس أخرى سخيفة الشكل، ثم يغلق عليه باب غرفة غريبة، ويعيش مع اناس غرباء، ويحرم عليه تناول قهوة الصباح التي اعتاد عليها طيلة حياته. في بعض المستشفيات الراقية يتم تقليل هذا التوتر والقلق عن طريق احاطته علماً بكل ما سيحدث له خطوة بخطوة وغالبا ما يستغرق ذلك عدة دقائق بعكس ما يحدث في المستشفيات الصينية حيث يصبح المريض جزءا من الفريق المعالج. بعد اجراء العملية غالبا ما يعاني المريض من الألم، لكن هناك اختلافاً كبيراً. فلا يوجد مخلوق يمكن ان نطلق عليه المريض النموذجي حتى بعد اجراء العمليات المماثلة على يد الجراحين انفسهم. ولحسن الحظ فقد حدث تقدم كبير في السنوات الماضية في مجال توقع المريض الراحة وطلبها وتحقيقها. وكان القصور في مجال العلاج بعد الجراحة يأتي من مصدرين: الأول هو الفشل في علاج المريض كفرد واعطائه علاجاً محدد الجرعات وفي فترات زمنية محددة. والمصدر الثاني هو اعطاء المريض الدواء بالحد الادنى من الجرعات على أطول فترة ممكنة لأن الاطباء والممرضات لا يفهمون مدى مخاطر الجرعات الزائدة ويخشون اصابة المريض بالادمان. وتبدأ آلام الأسنان بالتهاب في داخل السن التي تعطي اشارة للمخ عن طريق العصب الموجود في جذورها، لذا يبدو ان الألم آت من مكان بعيد. فمثلا التهاب أحد الضروس الخلفية قد يؤدي ايضا الى آلام في الاذن واذا انتشر الالتهاب الى خارج السن وشمل اللثة، يتغير مكان الألم ويتمركز بدقة حيث توجد المشكلة ويؤدي ذلك الى احمرار وتورم وألم في اللثة والوجه. ثم يتعرض المؤلف بعد ذلك الى احد اشهر الامراض التي تصيب الإنسان، وهي الازمة القلبية فيقول ان كل دقة قلب تكون ناتجة عن موجه قوية من تقلص عضلة القلب ثم تنتشر في القلب كله. هذا التقلص يحتاج الى طاقة تأتي من الامداد المستمر بالدم عن طريق الشرايين التاجية. وتحدث الاصابة بالازمة القلبية عندما يصاب احد هذه الشرايين فجأة بالانسداد نتيجة لحدوث جلطة دموية. ويبدأ العلاج ويتابعه المريض عندما يكون في حدة العناية المركزة. انسداد الشريان التاجي يؤدي الى حرمان عضلة القلب من امدادها بالدم ويكون رد فعل المريض هو اصابته بحالة بالارتباك، حيث يقول انه مصاب بألم في المعدة ويشعر ان هناك شيئا خطأ جدا لا يعرف سببه. وعمليات الولادة تعد من الامثلة المهمة على الألم بدون مرض. فخلال فترة الحمل فان الوزن المتزايد للجنين وغيره من الاعراض المصاحبة للحمل يزيد على المرأة وزنا زائدا قدره 8 كيلو جرامات، وهذا يؤدي بالتالي الى تغير وضعها واصابتها بالآلام في الظهر واحياناً في الساقين. ولعدة شهور كثيرة، يمضي الجنين عائما بحرية في السائل الذي يحيط بالجنين، وتشعر المرأة احيانا بأنه يرفسها واحيانا اخرى يقوم بحركات بهلوانية بعد 16 اسبوعاً، وعندما يقرب موعد الولادة الطبيعية تنزل رأس الجنين الى الجزء الاسفل من الرحم. أما في الولادة القيصرية فيكون وضع الجنين مختلفاً، حيث تكون قدماه مكان الرأس، الامر الذي يؤدي الى حدوث تقلصات قوية تشعر بها المرأة ولكن من دون ان يصاحبها ألم. وبعد الولادة يقل الألم بدرجة كبيرة. سيد الآلام يتعرض المؤلف بعد ذلك الى احد اشهر امراض العصر واخطرها وهو مرض السرطان. ويقول ان هناك شيئين طيبين يمكن ان يقالا حول السرطان: بعض الحالات يمكن شفاؤها وبعضها غير مؤلم. فالسرطان يختلف عن الامراض ذات الاعراض المؤلمة والتي يكون فيها الألم مصحوبا بتضرر الانسجة والتي تحدث التهابات. خلايا السرطان مثل الخلايا العادية تماما فيما بدا انها تتكاثر وتتضاعف ولهذا السبب فإن الجسد لا يتعرف عليها باعتبارها اشياء غريبة، وبالتالي لا يبدي لها اية مقاومة تجاهها. وهذا يعني ان السرطان في مراحلة الاولى غير مؤلم إلا في الحالات النادرة جدا، وهذا عيب مرعب لان نقص اشارات الألم في هذه المرحلة المبكرة يعني ان التشخيص قد تأخر. والجسم له آلية دقيقة في التعرف على الاشياء الغريبة ومن بينها الخلايا. هذه الآلية الدماغية توضح سبب زرع خلايا او اعضاء من اشخاص آخرين لا تؤدي وظائفها بكفاءة ما لم يتم قبولها من جانب الجهاز المناعي. خلايا السرطان تنمو خلسة عن طريق التسلل وتقبلها الاعضاء المجاورة باعتبارها خلايا طبيعية. وقد تنمو هذه الخلايا السرطانية كنتوء أو ورم صلب أو قد تغزو متسللة بين الخلايا المجاورة لمسافات طويلة. وقد تطفوا الخلايا السرطانية بحرية تامة في مجرى الدم او في مجاري وقنوات الجهاز الليمفاوي وتقيم في اي مكان لانشاء مستعمرات سرطانية تسمى الانبثاث «وهي عملية انتقال علة الداء او العامل المسبب له من مقره الاساسي الى جزء آخر من الجسم» وخلال هذه المرحلة يكون الضحايا من مرضى السرطان غير مدركين أنهم يستضيفون غزاة صامتين. ولكن اذا كان السرطان صامتاً في مراحله الاولى فلماذا يكتسب هذه السمعة بأنه يسبب خللاً مؤلماً؟ الاجابة هي ان الورم يسبب ضغطاً وعندما تنمو اورام المخ، فإنها تسد تدفق السائل الذي يطفو فوق المخ ويزداد الضغط في الرأس، وينتج عن ذلك صداع. اما الاورام في القناة الهضمية فإنها تنمو بحجم كبير بحيث تسد المجرى الطبيعي للقناة فينتج عن ذلك تقلصات مؤلمة ومغص شديد، وقد تؤدي هذه الأورام الى انسداد الاوعية الدموية محدثة آلاما شديدة. اما عن سرطان الرئة فإنه يصبح مؤلماً فقط عندما يسد المجرى الهوائي الصغير ويحاول الالتهاب الداخلي ان يزيل المنطقة المصابة من الرئة. وتكون اورام العظام مؤلمة لانها تضغط على الاعصاب التي تغطي العظام ويمكن ان ينتج عنها ايضا آلام بسبب ضعف العظام فتؤدي الى هشاشتها. آلام السرطان اسوأ من عدمها، فهي لا تعبر عن اشارات حمائية لان المرض يكون قد استفحل قبل ان يبدأ. فعندما يبدأ المرض يكون قد استفحل على الفور ويصبح علاجه مستحيلاً تقريباً. والاسوأ من ذلك ان الألم الذي لا علاج له يعجل بالموت، ولحسن الحظ فإن معظم هذه الآلام يمكن الآن التعامل معها وذلك باعطاء عقاقير تسبب للمريض الراحة قبل ان يموت.