الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 ان نأكل أو لا نأكل.. تلك هي المسألة غير ان علماء الاجتماع وخبراء التغذية يقولون اننا ربما لا يكون لدينا ذلك القدر الكبير من السيطرة على انفسنا لنجيب على السؤال المتضمن هنا مثلما نعتقد. في الخميس الاخير من نوفمبر الماضي، احتفل الاميركيون بعيدهم الخريفي التقليدي عيد الشكر، والذي بدأ بمباراة في دوري المحترفين بكرة القدم الاميركية ثم مهرجان عيد الشكر وانتهى، كالعادة، بأحزمة البنطلونات المفكوكة وازرارها المفتوحة من فرط التخمة، فيما مضت الغرف تضج باصداء التجشؤ، التي اصبحت جزءاً من تقاليد الاحتفال تماماً كالآباء الذين يعلو غطيطهم والامهات اللواتي يتناقلن الشائعات. غير ان هذه التخمة اصبحت اكثر شيوعاً بين الأميركيين في حياتهم اليومية، خلال السنوات الاخيرة، وليس في الاعياد فحسب. فمجموعة كبيرة من الدراسات اظهرت ان الأميركيين اصبحوا اكثر بدانة من أي وقت مضى، وان المواطن الاميركي اكثر عرضة للاصابة بالبدانة من أي انسان آخر في العالم، فيما يأتي البريطانيون في المرتبة الثانية. مثل هذه الدراسات والارقام اصبحت تثير اسئلة ملحة جداً حول التغير الثقافي الذي حدث في اميركا وجعل الاميركيين يعاملون انفسهم بهذا القدر من تجاهل الغذاء الصحي. تقول ماريون نستلة رئيسة قسم دراسات التغذية والطعام في جامعة نيويورك ان رغبتنا في ابتلاع شطيرة الهمبرغر التالية قد تكون نتيجة للسياسات التسويقية التجارية على نحو يفوق ما نود الاعتقاد به. وفي كتابها الصادر مؤخراً بعنوان «السياسة الغذائية كيف تؤثر صناعة الغذاء على تغذيتنا وصحتنا» تلقي نستلة جانباً من اللوم فيما يتعلق بما وصلت اليه مقاسات خصورنا المتزايدة باستمرار على صناعة الاغذية، بداية بمصنعي المخصبات والاسمدة الزراعية مروراً بالمزارعين وانتهاء بالمطاعم، وهي الصناعة التي تحتاج لترويج استهلاك المزيد من الطعام لتبقى قادرة على التنافس التجاري وزيادة مبيعاتها وتحقيق الأرباح. وبعد حسابها لواردات وصادرات الاطعمة، تقول نستلة ان اميركا تنتج من الطعام اكثر بكثير مما يحتاجه تعداد سكانها. وبالأرقام فإن صناعة الطعام الاميركية تنتج يومياً ما متوسطه 3800 سعرة حرارية لكل شخص، أي ضعف ما تحتاجه المرأة يومياً واكثر بقدر الثلث مما يحتاجه الرجل. بوجود هذا القدر الكبير من فائض العرض، تلجأ صناعة الاطعمة لكل ما يتوفر لها من سبل لبيع نتاجها للمستهلك الأميركي. فشركات المرطبات توظف كل امكانياتها الاقتصادية لوضع ماكينات البيع في كل مكان تصل اليه في المدارس فيما ترجمنا شركات الشيكولاتة رجماً باعلانات اصابع الشيكولاته، اما جماعات الضغط التي تدافع عن مصالح هذه الشركات فتمارس نفوذها لوضع الارشادات العامة للتغذية، وكل ذلك يجعل الاميركيين يأكلون ويشربون اكثر واكثر مما كانوا يفعلون في السابق. وهذه التكتيكات ناجحة فعلاً. فتبعاً لأرقام وزارة الزراعة الاميركية فإن كل اميركي اليوم يستهلك 191 رطلاً من اللحم الاحمر والدجاج والسمك سنوياً أي بزيادة 12 رطلاً عما كان يستهلكه قبل 20 عاماً. والمفاجيء اكثر هو ان الاميركي يستهلك سنوياً 150 رطلاً من المحليات مثل السكر المكرر وشراب الذرة، مقارنة بمعدل 122 رطلا عام 1970. وهذا الاستهلاك الزائد يعني ان 30 في المئة من الرجال والنساء الاميركيين يصنفون ضمن المصابين بالبدانة كما تقوله مراكز الوقاية والسيطرة على الامراض في جورجيا واتلانتا، أي اكثر من ضعف النسبة قبل 40 عاماً. هذه الزيادة في الوزن طالت كل الفئات سواء وفق العمر او مستوى الدخل او العرق أو المهنة او الاقليم، على الرغم من ان هناك فئات تأثرت اكثر من اخرى. وسواء كانت هذه الحالة نتيجة لتكتيكات التسويق التي لا تعرف المهادنة أو بسبب وضع اجتماعي تسبب به الاميركيون لأنفسهم، فإن البدانة اصبحت اليوم ظاهرة موجودة في كل مكان من أميركا. ونجد اليوم محلات ازياء خاصة بملابس البدانة ومحلات مثل قياس زيادة للنساء و«كبير وطويل» للرجال وافلام سينمائية خاصة بهذه الظاهرة مثل «هال الساذج» الذي يحتفي بالجمال الداخلي للإنسان كبير الوزن. غير ان هذا التحول نحو القبول الاجتماعي والسياسي بالبدانة يتجاهل حقيقة مهمة جداً. يقول ستيفن جورتميكر البروفيسور في كلية الطب بجامعة هارفرد «الناس بحاجة لادراك هذا الخطر الصحي. الامراض القلبية والسكري والسرطان والضغط ليست سوى نماذج قليلة عن الامراض ذات العلاقة بالبدانة». وهذه المشكلة لا يمكن اعتبارها مشكلة هامشية. فالتكلفة الاجمالية للنفقات المباشرة الناتجة عن المشكلات الصحية المتعلقة بالبدانة مثل تكاليف العلاج والنفقات غير المباشرة مثل الاجور المفقودة تصل إلى ما يقارب مئة مليار دولار سنوياً تبعاً لما تذكره ارقام الحكومة الأميركية. وهناك 33 مليار دولار اضافية تنفق سنوياً على المنتجات والخدمات الخاصة بالبدانة. غير ان الاميركيين مستمرون في أكل المزيد، ولا يفعلون الا القليل او لا يفعلون شيئاً، ازاء ذلك. تقول معاهد الصحة القومية التابعة لوزارة الصحة الأميركية ان 15 في المئة فقط من الاميركيين يمارسون القدر المنصوح به اسبوعياً من الحركة البدنية «النشطة» فيما ربع الاميركيين لا يمارسون أي نشاط بدني نهائياً خارج ما يتطلبه العمل. ويصنف جورتميكر البدانة ضمن «الحالات الصحية المزمنة» بحيث تشبه الربو أو الارتعاش المخي. غير ان مرضى الربو يسعون عادة للحصول على مساعدة صحية. أما اولئك الذين يعانون من البدانة، فما لم يعانوا من مشاكل صحية خطيرة، نادراً ما يفعلون ذلك. ويستخدم مؤشر كتلة الجسد، وهو معيار يقوم بقياس نسبة الوزن إلى الطول، لتحديد مستوى البدانة. ويعتبر مؤشر كتلة الجسد بين 20 ـ 25 انه طبيعي، لكن بين 25 و30 يصنف ضمن الوزن الزائد وفوق 30 يصنف ضمن البدانة. لكن بخلاف الربو والارتعاش المخي ايضاً، فإن البدانة حالة صحية لها حلول في معظم الاحوال مع ان تطبيق الحميات الجدية القائمة على الاكل والرياضة اصبح اكثر صعوبة. بدلاً من ذلك، يقبل الناس ببساطة ان يصبحوا اكثر بدانة. البعض يلجأ لجراحات قاسية لتقليص حجم المعدة لديهم. وآخرون يقعون في فخ نوبات الاكل والحمية لينتمي معظمهم بالوزن نفسه ان لم يكن اثقل مما قبل. بعض الباحثين يرون ان قبول البدانة ومخاطرها هو ثمن التقدم والتطور. ففي ورقة بحث حديثة يقول الباحثان الاقتصاديان داريوس لاكداوالا وتوم فيلبسون من المكتب القومي للبحوث الاقتصادية ان اساس مشكلة البدانة في أميركا هو التغير التقني. ويجادل الاثنان بأن التقنية الزراعية قد خفضت تكلفة انتاج الغذاء. ولأن الطعام أصبح أرخص أخذ الاميركيون بأكل المزيد منه. وفي الوقت نفسه، جعل التطور التقني في مكان العمل وفي المنزل الأميركيين يعيشون حياة أقل تطلباً جسدياً بشكل يتطلب طاقة اقل مما كانوا يفعلون في السابق. والنتيجة شيء سهل لتخمينه. وبالنسبة للاكداوالا، وهو أيضاً باحث اقتصادي في مؤسسة راند للدراسات ومستشار للحكومة الأميركية، فإن ازدياد البدانة بين الاميركيين لا يمثل تطوراً يدعو للقلق اكثر من كونه «اثر جانبي سلبي خارجي للتطور الاقتصادي». يقول: «يوافق كل انسان على ان الاصابة بالبدانة تعرضه للخطر. لاشك في هذا لكن هذا الخطر يشبه في مداه اثر حوادث السير على الطرق السريعة على نسبة الوفيات. والحل لن يكون بالغاء الطرق السريعة، بل بجعل السيارات اكثر سلامة. لا يمكننا الغاء الخطر بشكل نهائي بل ان نحاول التعامل مع هذه العواقب بأفضل ما لدينا من امكانيات،الناس يحبون الاكل. وقد قام لاكداوالا وفيلبسون برسم صورة كاملة لارتفاع البدانة في أميركا باستخدام البيانات المتوفرة التي تعود حتى الحرب الاهلية الاميركية. ووجد الاثنان ان مؤشر كتلة الجسد رغم ارتفاعه المضطرد باستمرار منذ تلك المرحلة، لأن تسارعه تزايد بعد الحرب العالمية الثانية. في عام 1864 كان متوسط مؤشر كتلة الجسد للرجل في عمر 35 عاماً بالكاد يتجاوز 23. وفي عام 1944 تجاوز 23.75، ثم ارتفع بسرعة صاروخية إلى 26 عام 1991. وهذا يشير ضمنياً إلى ان انخفاض تكلفة انتاج الطعام بفعل وسائل الانتاج المتقدمة تقف وراء بعض من هذا التزايد، غير ان التغيرات في شكل الحياة المعاصرة قد ساهم أيضاً في تسريع التزايد. فالأميركيون لم تزد ساعات تعرضهم للبث التلفزيوني اليومي وما به من اعلانات تساعد المنتجين في الدفع بمنتجاتهم الى المستهلكين فحسب، بل ان تفتت البنى العائلية التقليدية جعلهم أيضاً اكثر اعتماداً على الطعام الجاهز المحشو حشواً بالسكريات والدهون. يقول جورتميكر: «هدف أي صناعة ضخمة هو جعل كل انسان يستهلك زيادة. هكذا تحقق الشركات الارباح، صحيح؟ كل ما يفعلون هو تأدية واجبهم، واعتقد انهم يؤدون هذا الواجب بفاعلية فائقة». وقد وضع جورتميكر برامج «تدخل» لحماية الاطفال البدناء ومحاولة تغيير بعض عناصر حياتهم اليومية مثل عدد الساعات التي يقضونها أمام التلفزيون كطريقة لمواجهة زيادة الوزن. وقد وجد وفريقه ان قضاء عدد كبير من الساعات امام التلفزيون هو مؤشر استقرائي قوي للبدانة عند الاطفال شأن استهلاك المرطبات «المحلاة بالسكر» مثل الكوكا كولا. يقول: «ان علبة اضافية من الصودا كل يوم ستزيد وزن الجسم 10 ارطال في السنة». واذا ما تزامن ذلك مع قضاء الاطفال وقتاً من الكسل امام التلفزيون أو الكمبيوتر فإن ما سيحصل هو «زيادة الفارق بين الطاقة المستهلكة والطاقة المحروقة. وبالتالي فإن جذر المشكلة حقيقة هو الكيفية التي نجح فيها اقتصادنا بجعل الأطفال يستهلكون المزيد ويصبحون اكثر كسلاً. ان البدانة هي ربح. اذ بجعل الافراد اكثر بدانة واكثر حاجة للسعرات الحرارية للشعور بالشبع والرضا والحفاظ على اوزانهم مرتفعة، فإن صناعة الطعام تستطيع ايجاد سوق اكبر لانتاجها. يقول جورتميكر: «اصبح من الاسهل استهلاك المزيد من السعرات الحرارية مقابل أسعار اقل وبوقت اقل بكل مكان في البلاد. ويوافقه لاكداوالا على هذا بالقول: «حينما يكون الطعام ارخص يصبح الناس اميل لاستهلاك المزيد. وعواقب ذلك معروفة لكل انسان. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو الى اي مدى يكون الافراط في الاكل خياراً وليس اضطراراً. يقول جورتميكر: «اذا كان لديك طفل متعلق بالتلفزيون ومعتاد على مطاعم الوجبات السريعة الموجودة في كل مكان امامه ويذهب الى مدرسة تنتشر فيها المشروبات المحلاة في كل ركن فإن علينا السؤال حينها إلى أي مدى يكون لدى هذا الطفل الحرية في الاختيار. اضف لذلك ان الأميركيين محاصرون في كل ركن وزاوية بالصور الاعلانية، التي تحثهم على الانغماس في المأكل والمشرب. حتى فينوس وسيرينا وليامز، نجمتا التنس ورمزا اميركا للصحة واللياقة قد وقعتا مؤخراً عقوداً لترويج مطاعم مكدونالدز للوجبات السريعة. يقول جيفري سوبال الاختصاصي الاجتماعي في قسم علوم التغذية في جامعة كورنيل بنيويورك ان الزواج يمكن ان يكون له اثر على ازدياد البدانة ايضا، والمقولة القديمة ان النساء ترتفع أوزانهن حالما يحصلن على زوج يتبين ان لها بعض المصداقية فعلا، يقول سوبال: حينما يتزوج الرجل والمرأة يصبحان اميل لتناول المزيد من الطعام حيث يأكلان معا ونظام الاكل العائلي الجديد يحتوي كل الاطعمة الرجالية عادة في مقابل الاطعمة النسائية التي تتكون تقليديا من السلطة واللبن قليل الدسم والمعكرونة، ولهذا يشكل الزواج خطراً على النساء من ناحية البدانة وبالتالي فإنهن بحاجة للتفاهم مع ازواجهن بهذا الخصوص ومحاولة التأقلم معه. ويتوقع سوبال ان التغير الاقتصادي سيؤدي فعلا لظهور «نخبة اصغر تكون قادرة على ابقاء نفسها نحيلة «نتيجة لمقدرتها الافضل على الحصول على ما يسميه «وسائل تخفيض الوزن» اذ فيما كانت الرياضة سابقاً هي المنتج الثانوي الطبيعي للعمل والحياة، اصبحت الآن رفاهية يجب دفع ثمنها اما مالاً او وقتا. ومثلما يقول لاكداوالا فإن زيادة الوزن في الدول الفقيرة تكثر مع ازدياد الثروة لكن في الدول الغنية فإن الاغنياء جدا هم الانحف فعليا لانهم قادرون على توفير المال لدفع مقابل النحافة ان حياتنا سريعة الايقاع والتي تبدو لنا اكثر ارهاقا، هي في واقع الامر اكثر سهولة من حياة الاجيال السابقة فنحن لم نعد نحمل القرميد في مواقع البناء بل جعلنا الرافعات تفعل ذلك عنا، بل اننا لم نعد نحمل حتى الورق ووظفنا البريد الالكتروني لفعل ذلك. بهذا الشكل نجد ان الارتفاع المضطرد في مؤشر كتلة الجسد هو جزء من تطور مجتمعنا وجزء من الثمن الذي ندفعه للاستمتاع بمنتجات التقنية المتقدمة ووسائل المواصلات الاسهل والتنوع الكبير جداً في مأكلنا بشكل ما كان لنا ان نتخيله سابقاً. البدانة تكلف اميركا في كل أوجه الحياة، غير ان هذه الكلفة على ما يبدو شيء لا سبيل امامنا سوى القبول به. اذا ما اردنا مواجهة وباء البدانة فنستطيع كلنا ان نتخلى عن سياراتنا ونبدأ بالذهاب الى اعمالنا مشياً ونجز عشب حدائقنا بأيدينا ونبتعد عن المطاعم ونطهو طعامنا بأنفسنا، نستطيع ان نقلل ساعات مشاهدة التلفزيون ونقلل من المشروبات الرطبة ونبتعد عن الشيكولاتة ونمارس الرياضة يومياً. وإلا فناولني لو سمحت شطيرة همبرغر اخرى! بقلم: مارك والاس _ ترجمة: جلال الخليل _ عن «فاينانشيال تايمز»