الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 كانت مشكلة الموساد واسرائيل ومن ورائها اميركا في الفترة التي بزغ فيها نجم جمال عبد الناصر كزعيم قومي في منطقة الشرق الاوسط هي الحصول على الطائرة السوفييتية ميج 21 التي كانت تقنياتها تفوق تقنيات طائرات اميركا سكاي هوك والفرنسية ميراج وغيرهما، وكانت الموساد قبل ان يفر الطيار العراقي منير روفا بطائرته الى «اسرائيل» تبذل محاولات مستميتة للحصول على هذه الطائرة بأي شكل من الاشكال، او حتى على طيار او فني ممن لهم علاقة بها.. الا ان هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع رغم ان اسرائيل واميركا انفقتا الملايين للحصول على اسرارها.. ولكن بدون فائدة.. وشهدت الفترة من 1960 الى 1963 هجوماً ضارياً من الجواسيس الذين جندتهم اسرائيل على مصر وسوريا والعراق واستطاعت الدول الثلاث اسقاط كل العملاء الذين جندتهم «اسرائيل» الواحد وراء الآخر وكان اخطر واهم هؤلاء الجواسيس جاك توماس وشبكته. لم يكن جاك توماس يفكر ابدا في الانضمام لاي شبكة تجسس تعمل ضد مصر التي ولد على ارضها وعاش في خيرها ولكنه كان في الوقت نفسه يكره وجوده في مصر ويكره مجود سماع اسم جمال عبد الناصر، وكان الجميع يعرفون عن جاك توماس كرهه الشديد لجمال عبد الناصر وعندما سأله احد اصدقائه الارمن مثله: لماذا كل هذا الحقد على هذا الرجل؟.. قال له جاك: لانني لا ارى مستقبلا لنا نحن واليهود في مصر طالما كان جمال عبد الناصر في السلطة..! في صيف عام 1956 ودع جاك توماس اصدقاءه واسرته وكل الارمن الذين عاش في وسطهم في مصر وسافر الى بيروت في الطائرة اللبنانية التابعة لطيران الشرق الاوسط اللبناني.. وجاء مقعده بجوار لبناني وزوجته الجميلة التي فيما يبدو جذب انتباهها وسامة الرجل الجالس امامها فسألته مصري؟ ـ ممكن تعتبريني كذلك.. ـ يعني لست مصريا.. ـ شيء من هذا القبيل.. ضحكت السيدة بشدة جعلت زوجها ينتبه لها.. ثم توجه بجواره الى الراكب الذي لم يرد الاعتراف صراحة بمصريته وسألته.. ـ اراك متحفظاً على الاعتراف بأنك مصري.. ـ لانني في الحقيقة ارمني.. من اسرة ارمنية هاجرت الى مصر منذ بداية القرن، ولكني في الحقيقة رغم ولادتي في مصر لم اشعر يوما ما بمصريتي.. ـ تقصد ان الارمن مضطهدون في مصر.. ـ لم يكن الامر كذلك حتى ظهر لنا هذا الضابط المسمى جمال عبد الناصر.. ـ جمال عبد الناصر زعيم عظيم وكل العالم يعرف ذلك عنه.. ـ هذا ما يراه العالم فيه.. لكنه في الحقيقة ديكتاتور وطاغية واضطهدنا نحن الاقليات الاجنبية الارمن واليهود.. ـ اراك متعاطفاً مع اليهود ـ انا اكره عبد الناصر لذا فيمكن ان احب كل ما يكرهه جمال عبد الناصر ـ هذه اول مرة تزور لبنان؟.. ـ لا زرتها من قبل اكثر من مرة ـ وهذه المرة.. لماذا الزيارة..؟ ـ هذه المرة لكي ابحث عن فرصة للعمل والحياة في لبنان ـ اذن اليك بطاقتي اذا احتجت اي شيء وسوف يكون في مقدوري ان افعله من اجلك، تأكد اني سأفعله ـ اشكرك واعتقد اننا سنلتقي.. ـ بالتأكيد لانني مسيحي ارمني مثلك!! في بيروت لم تكن بيروت بالنسبة للأرمني جاك توماس افضل حالا من مصر ويبدو انه رغم وسامته وجماله الغربي الظاهر فضلا عن ثقافته وثرائه كان مسكونا بحقده على مصر وعلى جمال عبد الناصر تحديدا في كل لقاءاته، وكان لعبد الناصر ومصر موقع مميز في ذلك الوقت في نفوس اللبنانيين مما جعله يفشل في اقامة صداقات او علاقات تساعده على العمل والحياة في لبنان، فحمل امتعته وودع صديق الطائرة الذي سأله، هل ستعود الى مصر؟.. فقال له: ليس امامي غيرها..! ـ لماذا لا تذهب الى المانيا..؟ ـ لا اعرف احدا في المانيا.. ـ ولكني اعرف.. ـ من؟ ـ لبنانيا ثريا يعيش في المانيا منذ سنوات طويلة واذا ذهبت اليه ربما ساعدك في الحصول على عمل ومن ثم تبقى في المانيا.. ـ اشكرك جدا يا سيد فليمون ولكن هل تعتقد انه من الممكن ان اجد الفرصة التي ابحث عنها في المانيا؟ ـ انا متأكد.. فقط عليك ان تتصل بهذا الرقم وصاحبه يساعدك واعطى فليمون الرقم والعنوان لجاك.. حمل جاك توماس حقائبه وودع صديقه فليمون وزوجته ومضى الى طريق كان يبحث عنه رغم انه لم يكن يستطيع ان يحدده بوضوح.. وفي المانيا بدأت معالم الطريق تتضح.. إميل استقبلت بون جاك ببرودة وامطار شديدة في ذلك المساء.. انعشت جاك الذي اسرع مبتهجا الى احد الفنادق الفخمة في بون واتصل على الفور بالهاتف الذي زوده به فليمون.. على الطرف الآخر رفع صاحب البيت السماعة.. وسأل من..؟ ـ السيد إميل.. ـ نعم.. من يريده..؟ ـ انا جاك توماس.. ـ المصري..! ـ بصرف النظر.. انا جاك توماس صديق فليمون.. ـ اهلا ومرحبا بك.. عندي خبر بوصولك .. كيف..؟ بسيطة.. اتصل بي فليمون واخبرني انك ستصل اليوم.. ولذا فانت ضيفي اليوم.. ـ اشكرك.. هذا ما آمله فيك.. ـ اذن انتظرني بغرفتك وسأمر عليك لنسهر.. في احد الملاهي الليلية ببون جلس جاك في مواجهة اميل اللبناني الثري ـ كلمني عن مصر.. بلد تغير 180 درجة بعد وصول عبد الناصر وزملائه للسلطة.. ـ ماذا تقصد؟.. ـ انه ديكتاتور ويبدو انه سيطرد الارمن واليهود وكل الاقليات من مصر.. ـ كيف عرفت؟.. ـ انا مصري ومولود في مصر.. وفي الشارع وعلى المقهى ممكن تسمع مثل هذا الكلام في كل مكان.. عند هذا الحد قال له اميل.. اراك مازلت متعبا من السفر الطويل ما رأيك لو تعود لفندقك الآن ونلتقي غدا في ملهى شارع رينهارد الفخم..؟ ـ ولكني اعرف انه غالٍ جدا.. ـ انت ضيفي لمدة اسبوع وكل مصروفاتك على حسابي. ـ هذا كرم كبير منك.. ظل اميل يدعو توماس الى اماكن اللهو المختلفة والمناطق السياحية الفخمة وينفق عليه ببذخ طيلة الاسبوع الذي حدده ليكون ضيفه وعلى حسابه. وفي احدى السهرات سأله اميل.. هل لك صديقة..؟ كثيرات ـ اذن انت زير نساء.. لا ليس الى هذا الحد وكان ذلك عندما كنت في مصر وهنا في المانيا؟.. ـ إلازلت حديث العهد بالمانيا.. ـ سأعرفك على المانية جميلة ـ هذا كرم كبير جدا منك يا سيد اميل.. ـ انت لم تر الكرم كله بعد.. ـ اريد فقط ان تساعدني كتاجر ولك علاقاتك الواسعة في ان ابدأ عملا هنا في المانيا.. ـ لماذا ألا تفكر في العودة الى مصر؟ ـ انس مصر هذه تماما.. لا اريد الرجوع اليها طالما جمال عبد الناصر يحكمها.. ـ اراك تبالغ في كرهك للرجل.. ـ ليس هو فقط بل مصر كلها.. ـ افهم من ذلك انك من الممكن ان تعمل لصالح جهة اخرى فيها.. ـ ماذا تقصد؟ لا افهم.. ـ انت رجل ذكي ومثقف، وتجيد اربع لغات وهذه كلها امكانيات تساعدك على العمل في اي مكان ـ ولا تساعدني لان اعمل هنا في المانيا؟.. ـ من الممكن ان تعمل معنا في المانيا ولكني اولا اريدك ان تتعرف على مجموعة من الناس الذين يتفقون مع آرائك.. ـ ومن هم..؟ ـ مجموعة من المثقفين ورجال السياسة يتبعون منظمة تعمل لصالح دولة من دول حلف شمال الاطلسي.. صمت جاك قليلا وقبل ان يرد على اميل اخرج اميل مظروفاً منتفخاً واعطاه لتوماس.. ـ ما هذا؟ ـ دفعة لكي تبدأ العمل مع هذه المنظمة.. عشرون الف مارك الماني.. ـ وما هو المطلوب؟ ـ عندما تلتقي بالمجموعة التي حدثتك عنها سوف تعرف. التقط جاك توماس الطعم واقتنع في البداية انه سيعمل لصالح دول حلف شمال الاطلسي التي تعادي جمال عبد الناصر بشدة وتريد القضاء على نظامه الثوري في مصر.. ولكنه كان مستعدا لان يبلع الطعم، فهو في داخله غربي النزعة ميال للاوروبيين اكثر من ميله للشرقيين الذين يفترض انه من بلادهم.. اكمل اميل حديثه لتوماس: سوف نلتقي اليوم في شقة هذا هو عنوانها وارجو ان تفكر في الامر جيداً.. ـ انا موافق دون شروط.. رجال حلف شمال الاطلسي.. في شقة من الشقق الفخمة التي يستأجرها الموساد في بون بهدف تجنيد العملاء والمرشدين والجواسيس التقى جاك بإميل ومعه مجموعة من الشخصيات كان منهم الالماني وغير الالماني.. وقدمه اميل التاجر اللبناني الثري الى المجموعة. ـ اعرفكم بالسيد جاك توماس.. مصري يتحدث اربع لغات، العربية والانجليزية والفرنسية والالمانية وجميعها يتحدث بها جاك بطلاقة.. ويكره زعيمه جمال عبد الناصر بشدة..! قاطعه جاك قائلاً: ارجو ان اصحح معلومة وهي انني لم اشعر يوما ما في داخلي بكوني مصرياً.. اما كرهي لجمال عبد الناصر ونظامه فكل مصر تعرفه عني..!! رد عليه احد رجال المجموعة قائلا: وهذا سيساعدنا كثيرا يا سيد جاك.. ثم بدأ اميل بتقديم المجموعة شخصا شخصا له الى ان انتهى فقال له قائد المجموعة: اظنك علمت اننا نعمل لحساب دول حلف شمال الاطلسي.. ـ نعم.. ـ المطلوب منك الآن ان تعود للقاهرة.. ومن هنا سنرسل لك ببعض الاسئلة التي تحتاج منك الى جمع معلومات والاجابة عنها.. ـ ولكن كيف سأرسلها لكم؟ سنعلمك طريقة الارسال بالحبر السري وعن طريق جهاز الراديو عبر موجة محددة وفي اوقات محددة، كما سنزودك بكاميرا لتصوير الوثائق وكيفية تحميض الافلام وكيفية اخفائها في علب معجون الاسنان واغلفة الكتب او حتى الاحذية. كما سنزودك بشفرة سرية وعنوان صندوق بريد مجهول الصاحب لترسل رسالتك عليه. استمر توماس في التدريب على اعمال الجاسوسية من خلال رجال الحلف المزعومين الذين لم يكونوا في الحقيقة الا عناصر الموساد الذين وجدوا في هذا الرجل الحاقد جاسوسا سهل التطويع وسهل التدريب ومتحمساً للغرب وربما لإسرائيل وقبيل ان يسافر طلبوا منه ان يعمل على تكوين شبكة تعمل لحسابه في القاهرة ويختار عناصرها وافرادها بمعرفته. في القاهرة مرة اخرى. هذه المرة والطائرة تحط على مدرج مطار القاهرة كانت مشاعر جاك توماس تختلف عن اية مرة يعود فيها الى القاهرة كانت مشاعره مزيجاً من الفرح والرغبة في الانتقام والاحساس الدفين بالنصر، نصر وهمي ضد عدو لم يناصبه العداء ولكن نفسه المريضة المطبوعة على الخيانة جعلته كالفارس الذي امتطى جواداً من خشب وطوّح بسيفه في الهواء معتقدا انه انتصر على اعدائه.. وفي الحقيقة ان العدو داخله نابع من حقده وعقدته التي لا يشعر بها احد غيره. كانت امام الجاسوس المدفوع بحقده مهمة اولى واساسية انحصرت في كيفية تكوين شبكة جاسوسية تعمل من خلاله اضافة الى محاولة جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات السرية الخاصة بالجيش المصري والحالة الاقتصادية لمصر، حتى يستطيع ان يكتب تقريره لرؤسائه الجدد اعضاء حلف الاطلسي رغم انه كان متأكدا في قرارة نفسه انهم اعضاء في الموساد وبعد بضعة اسابيع كان قد جمع كمية لا بأس بها من المعلومات العسكرية الحساسة من خلال عدة حفلات اقامها وتعمد ان يدعو عدداً من كبار الشخصيات من بينهم بطبيعة الحال عدد من العسكريين.. كتب تقاريره وحجز تذكرة الى بون وغادر الى المانيا ليجتمع بموظفي حلف الاطلسي ووصل بون واتصل بهم واعلمهم بأنه موجود في بون.. عرض جاك معلوماته وتقاريره التي استطاع ان يتوصل اليها على المجموعة التي جندته ودربته على اعمال الجاسوسية كان تقريره وافيا ويؤكد ان صاحبه بذل فيه جهداً كبيراً حتى يستطيع جمع هذه المعلومات ولذا كان رد فعلهم على هذا المجهود اكثر مما توقع عندما امسك بيده شيكا بخمسين الف مارك الماني.. وهو مبلغ ضخم جداً بالقياس الى الزمن الذي دفع فيه المبلغ. ازدادت حماسة الجاسوس بعد ان وجد التقدير لدى مستخدميه فعاد للقاهرة مرة اخرى وفي خطته ان يبدأ على الفور البحث عمن يمكن ان يعملوا معه ضمن شبكته وبالفعل بعد فترة وجيزة من الزمن ومن خلال الحفلات التي كان يقيمها بشكل شبه يومي استطاع ان يجند شاباً ارمنياً مثله اغراه بالمال والسفر واللهو بشكل تدريجي حتى طلب منه صديقه ان يدله على الطريق الذي جعله ثريا بهذا الشكل ولم يفاجأ عندما قال له جاك صراحة انه يجمع معلومات عن مصر لحساب حلف الاطلسي.. وبعد ان استوثق جاك من صديقه من خلال المعلومات التي جمعها واخلاصه في اداء مهمته طلب منه ان يحاول اكتشاف شخص آخر ليعملوا كمجموعة مع بعضهم بعضاً ووعده ان مكافأته ستزيد ان استطاع تجنيد هذا الشخص، كما سيحصل على العضو الجديد على مبالغ وارباح خيالية ولم يغب عنه الارمني كثيرا وفي غضون ايام كان قد انضم لهما شخص ثالث ارمني ايضاً..! اصبحت شبكة جاك مكونة من ثلاثة اشخاص هو والارمنيان ولذا قال لهما جاك بعد ان اصبح الاتفاق بينهم ساريا دعونا نحتفل غدا بهذه المناسبة وسوف ادعوكما لسهرة في نادٍ ليلي لم تحلما بها من قبل. كانت السهرة بالفعل صاخبة وانفق جاك في هذه الليلة اموالاً كثيرة من تلك التي زودته بها الموساد لدرجة جعلت زميليه ينبهران بحجم مصروفاته ويبديان استعدادهما لعمل المستحيل حتى يصلا الى ما وصل اليه من ثراء وبذخ.. وحدثت مفاجأة في هذه السهرة لم يكن يتوقعها الجاسوس جاك، فبينما كان يجلس على المنضدة المواجهة لحلبة الراقصين في النادي الليلي مع زميليه اذا به يلمح صديقا له منذ الطفولة ولنفترض ان اسمه «ح» وعندما تلاقت عيناهما بالصدفة اخذ كل منهما يحملق في الآخر بشدة، وفي النهاية نطق «ح» وسأل جاك: ـ اعتقد اني اعرفك.. ـ نفس الاحساس لدي.. ـ انا «ح» ـ وانا جاك توماس.. لم يصدق الاثنان انهما نفس الصديقين اللذين كانا معا في نفس المدرسة الابتدائية والاعدادية فتعانقا طويلاً واخذا طيلة السهرة يستعيدان الذكريات وسط ضحكات وقفشات صديقه «ح» والارمنيين الآخرين، الى ان سأل «ح» صديقه: وماذا تعمل الآن؟ اقترب من اذنه وقال له: انا اعمل مع حلف الاطلسي.. ـ معقولة.. ليتك تجد لي عملا معك.. ـ لماذا.. الا تعمل؟ ـ بلى.. انا ضابط مدفعية بالجيش.. ـ عظيم.. يمكنك ان تعمل معنا وانت في عملك.. ـ كيف؟ لا استطيع ان اقول لك حتى لا تفهمني خطأ.. ـ المهم هل ستدفعون؟ ها انت ترى النوادي الليلية تستهلك كل مرتبي.. ـ اكيد سندفع لك واكثر مما تتصور.. ـ وما المطلوب؟ ـ امر بسيط.. بعض المعلومات ـ وانا موافق.. ـ اتفقنا ولكن حذار فقد يكون عملك بالجيش حساسا لدرجة انك قد تخطيء. ـ اذن علمني كيف اعمل واعلمني ايضاً كم ستدفع وهكذا سقط هذا الضابط فريسة جشعه وادمانه على السهر وحياة الانحراف.. بل انه تطوع بتجنيد يهودي من العاملين بنفس النادي الليلي كي يعمل معهم ايضاً.. زواج اتسعت شبكة هذا الجاسوس الخطير واصبحت تضم اضافة له الارمنيين والضابط واليهودي، وبعد ان نجح في تكوين هذه الشبكة سافر على الفور الى المانيا للقاء رؤسائه اعضاء حلف الاطلسي. قضى جاك ثلاثة ايام في بون وفي اليوم الرابع التقى مصادفة بألمانية في المصعد المؤدي الى الطابق الذي يسكنه بالفندق وتجاذب معها اطراف الحديث وشدها وسامته وذكاؤه في الحوار الذي امتد الى اكثر من ساعة، فقد فضل الاثنان الا يكملا الصعود بالمصعد وهبطا الى حديقة الفندق حيث انتهى اللقاء بابداء كل طرف للآخر اعجابه ورغبته في ان يكونا صديقين ولكن هذه الصداقة تحولت بعد اسبوع الى زواج وزفت الالمانية كاثي بيند هوف الى «المصري» جاك توماس في حفل حضره اعضاء حلف شمال الاطلسي.. وفي خلال الحفل قدم العريس اصدقاءه ورؤساءه الى عروسه وعرفهم بأنهم موظفون كبار بحلف شمال الاطلسي.. واندهشت العروس لقوة علاقات زوجها.. في اليوم التالي انتحى رئيس المجموعة التي يفترض انها تابعة لحلف الاطلسي بالعريس جانبا ونفحه عشرة آلاف مارك هدية من الموساد له.. توقف جاك وسأل المسئول.. تقول من الموساد؟ ـ نعم الموساد.. ـ رد جاك ببرود قائلا منذ البداية كنت اشعر بانني اعمل لصالح الاسرائيليين ـ ألهذا لم تندهش؟ ـ وهل يفوت على شخص مثلي ان يكونوا ضمن حلف شمال الاطلسي؟ وما مشكلة حلف شمال الاطلسي مع جمال عبد الناصر.. لا مشكلة ولكن الاسرائيليين هم الذين لديهم مشاكل مع عبد الناصر. ـ اذن انت موافق.. رد جاك: بالطبع موافق فانا اعلم منذ اليوم الاول انني اعمل لصالح الاسرائيليين..! تجنيد الزوجة انتهى شهر العسل وصحب الزوج عروسه الى القاهرة واستأجر شقة بحي جاردن سيتي الراقي وبدأ يمارس عمله مع شبكته وعندما سألته زوجته كاثي عن الاجهزة والمعدات التي يستخدمها قال لها.. بصراحة انني اعمل لحساب الموساد.. قالت له: وهل يدفعون جيداً؟ ـ نعم.. اتودين الانضمام.. ـ بالتأكيد اصبحت كاثي بيند هوف العضو الخامس في شبكة جاك توماس التي كونها بمجهوده الخاص ونالت استحسان رؤسائه واصبح تعامله معهم صريحاً ومباشراً بعد ان علم انهم اعضاء بالموساد، وما لبث اعضاء الموساد في المانيا ان طلبوا من كاثي السفر الى هولندا لتدريبها على وسائل جاسوسية خاصة بالنساء. وصلت كاثي الى امستردام واستقبلها عضو جديد في الموساد لم تقابله من قبل في عرسها.. حيث صحبها الى شقة مستأجرة خصيصاً لتدريب الجواسيس الجدد ودربها على جهاز حساس جدا ودقيق بدرجة غير مسبوقة وتبلغ قيمته اكثر من ربع مليون دولار ويعمل من خلال طبعة صوتية اتفقا على ان تكون هي كلمة السر وكانت الكلمة «الارض الطيبة» وفي هذا اللقاء ابلغ عضو الموساد كاثي انه تم رفع مرتبها وزوجها الى الضعف، وان التحويل سيكون عن طريق مصرف بلجيكي باسم اقارب لهما في المانيا.. وعادت كاثي الى «جاردن سيتي» بالقاهرة لتضيف الجهاز الجديد الى ما لديها وزوجها من اجهزة واصبحت هذه الشقة تعج باحدث الاجهزة سواء آلات التصوير او آلات الحلاقة التي تضم فراغا يمكن تخزين الوثائق به وولاعة سجائر يمكن ان تستوعب فيلما مصورا اضافة الى جهاز راديو ارسال واستقبال وقاما باخفاء كل هذه المعدات بحمام الشقة وتولت كاثي مهمة الاتصال بالموساد في تل ابيب كل عدة ايام بأحدث المعلومات التي توصلوا اليها وتلقي الاسئلة ايضا والمطلوب الاستقصاء عنه.. ضابط طيار في مايو 1960 وصلت تعليمات الى الجاسوسين بضرورة البحث عن طيار من طياري الميج 21 لتجنيده مقابل مليون دولار.. وفي حال هربه بطائرته سيحصل على خمسة ملايين دولار..! وقال لهما رئيسهما ان يتأنيا في البحث لخطورة الطلب وتردد الضابط الذي ربما يفضحهما. الا ان جاك توماس كان قد وصل من الغرور درجة جعلته يعتقد ان كل ضباط الجيش المصري وطياريه ينتظرون اشارة منه، وبلغ من فرط ثقته بنفسه ان اتصل بضابط طيار مسيحي وطلب لقاءه، وفي اللقاء قال للطيار «أ.ح.ك» انه من الممكن ان يحصل على مليون دولار لو عمل لحساب «اسرائيل» ومن الممكن ان يحصل على خمسة ملايين دولار اذا هرب بطائرته «ميج 21» الى «اسرائيل» او قبرص. تعجب الضابط المسيحي المصري من عرض جاك توماس وسأله: هل تتحدث بجدية ام انه مزاح؟ ـ وهل ما اقوله يحتمل المزاح؟ ـ تقصد انك جاسوس.. ـ ليس بالمعنى المفهوم ولكني اعمل مع حلف شمال الاطلسي لحفظ السلام في المنطقة ـ وماذا يريد حلف الاطلسي من الطائرة الميج؟ ـ معرفة اسرارها.. ـ ومن سيدفع؟ ـ في الحقيقة اسرائيل هي التي ستدفع ـ اتفقنا.. تظاهر الضابط الطيار بالموافقة على عرض صديقه الجاسوس وفي اليوم التالي كان يقف امام قائد كتيبة الطيران التي يتبعها ويبلغه بكل ما دار بينه وبين الجاسوس توماس، طلب منه رؤساؤه مسايرة الجاسوس كيلا ينتبه وقاموا بابلاغ المخابرات الحربية والتي طلبت من الطيار «أ.ح.ك» ان يزوده بمعلومات مضللة حتى يقفوا على ابعاد عملية تجسسه.. تكررت المعلومات التي اكتشفت الموساد انها ليست دقيقة كما اكتشف جاك ان صديقه الطيار يتلاعب به لذا قرر الهرب وطلب من زوجته السفر خارج مصر مع العميل اليهودي.. وقال لها انه سيدركها بعد يومين.. بعد يومين لم يستطع جاك ان يدرك زوجته كما وعدها حيث قبضت عليه المخابرات وبحوزته جواز سفر مزور اسفل بيته حيث كان يستعد للهرب من مصر وكان ذلك يوم 6 يناير 1961. المحاكمة كان هذا الجاسوس وقحاً جداً حتى اثناء محاكمته، لم ينكر انه جاسوس ولم ينكر انه كان يعمل لحساب «اسرائيل» ولما سأله القاضي: ولماذا انحدرت الى مستوى خيانة وطنك.. قال: اولا هذا ليس وطني، بل لم اشعر يوما ما انه وطني، فضلا عن كرهي لذلك الرجل الذي يحكم هذا الوطن واخيراً المال.. وفي يوم 20 ديسمبر 1962 كانت جثث جاك توماس وبقية رفاقه في الشبكة تتدلى من حبل المشنقة تباعا في احد سجون القاهرة.. وماتت كلمة السر مع كاثي الهاربة ولم يمت معناها.. «الارض الطيبة»