الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 قدم فاليري جيسكار ديستان، رئيس المؤتمر الأوروبي، ما أطلق عليه الهيكل العظمي لدستور أوروبا المستقبلي. وضم جميع مقومات الدستور من قيم ومباديء وحقوق المواطنين ومنافسات الاتحاد والمؤسسات التي تكونه.. إلخ ولقد ظهرت هذه الوثيقة على الرغم من ان تفويض المؤتمر لا يسمح للمندوبين بتقديم دستور، وذلك انسجاما مع إعلان نيس الذي حررته كأحد رؤساء الوزراء المشاركين، تعين علينا مجرد تبسيط وإعادة هيكلة الاتفاقات الاساسية الخاصة بالاتحاد الأوروبي. وبمقدار ما تقدمت أعمال المؤتمر، تحول تفويضا تحت وطأة ضغوط مختلفة أتت من بلدان اعضاء ومن منظمات المجتمع المدني ومن رسائل ووثائق ورسائل الكترونية وصلت من جميع انحاء أوروبا. وغير الضغط الديمقراطي تفويضنا. بينما أعلنت وزارة خارجية بريطانيا البلد السعيد بدستوره غير المكتوب والغارق في القدم قرونا، أنها تتطلع إلى ان يكون لها دستور أوروبي مكتوب، ذلك أن شيئا حقيقياً قد تبدل. مع ذلك ألمح دارسون مثل رالف دارندورف وجوزيف ويلر الى أن الدستور الأوروبي من شأنه ان يكون بلا معنى ذلك ان دستورا ديمقراطيا يفترض سلفاً هوية مشتركة اصلية، تعد غائبة عن الاتحاد الأوروبي، حيث مازالت سائدة مشاعر الولاء القومي الفردية. ويبرهن آخرون مثل روبرت دال على ان الديمقراطية تتطلب مجتمعات أصغر تقوم على اساس مصالح مشتركة وعلاقات شخصية. لذلك من الممكن ان تكون أوروبا كبيرة زيادة عن اللازم من أجل صياغة مؤسسات ديمقراطية بشكل حقيقي. تلك الممانعات النظرية يجب ان تكون مضبوطة على ايقاع واقع ان اوروبا اصبحت موجودة فعلا، حيث تتخذ كل يوم قرارات على المستوى الأوروبي تضع شروط حياتنا. من الممكن ان ذلك لا يروق لنا، لكن الاتحاد الأوروبي يشكل جزءاً من نظام حكمنا مثل البلديات والأقاليم والدول القومية، بطريقة تجعل المسألة لا تتعلق بما اذا كانت أوروبا موجودة، وإنما بما اذا كنا راضين عن الأسلوب الذي يعمل به هذا الكيان واذا لم يكن كذلك فهل باستطاعتنا اصلاحه؟ وهل الدستور هو الطريقة الأمثل؟ المشكلة الأولى التي تناولناها وتطلبت حلا «دستوريا» هي الهوية الواضحة والموحدة لأوروبا. وليسوا كثيرا أولئك الذين يعيرون انتباها لذلك الموضوع لكن بسبب فسيفسائية الاتفاقات التي نشأت عنها المؤسسات الأوروبية الحالية، نجد أن أوروبا ليست هوية موحدة، فعمليا يشير الاتحاد الأوروبي والمجتمع الأوروبي الى شيئين مختلفين، إذ يمثل الثاني مجموعة من المؤسسات التي انشئت في عقد 1950 من أجل اقامة سوق مشتركة. وعندما قررنا في وقت متأخر ان يكون لدينا سياسة خارجية مشتركة وتعاون في مسائل قضائية وسياسية، ابتكرنا الاتحاد الذين ينشغل بالسياسة الخارجية، أما المجتمع الأوروبي فيهتم بالتكامل الاقتصادي. إحدى نتائج ذلك هي ان الاتفاقات مع دول ثالثة تؤثر بالمسائل الخارجية كما في الاقتصادية تتطلب معاهدتين مغايرتين. وهذا يشوش كثيراً حتى على الدبلوماسيين الأجانب المحنكين الذين يتفاوضون مع أوروبا. واذا كان الأمر ملتبساً بالنسبة لهؤلاء، فإلى أي درجة لايحار حياله المواطنون العاديون؟ وكيف يستطيع مواطن أوروبي ان يتحقق من هويته مع أوروبا، إذا كانت اوروبا الوحيدة ليست موجودة أصلا؟ إن للهوية الأوروبية المعرفة قليلاً ضرراً مؤثراً آخر. فإذا فعلت الرابطة شيئا يضر بحقوق شخص ما، فإن هذا الشخص يستطيع اللجوء الى المحاكم. لكن إذا كان الأمر يتعلق بالاتحاد، فإن المدخل الى محكمة يمكن أن يكون عاجزاً، ذلك ان الاتحاد لا يتمتع بشخصية قانونية. المشكلة التالية التي يتعين تناولها هي الطبيعة الغافلة والبيروقراطية للأعمال القانونية الأوروبية. فممارسة نقد المؤسسات هو جزء اساسي للديمقراطية ولحماية الحقوق الديمقراطية على حد سواء. لكن في واقع الأمر، من الصعب انتقاء المؤسسات الأوروبية لانها تقوم بأعمال يعجز الناس العاديون عن تسميتها أو فهمها. في الحياة الوطنية، تسمى المبادرات البرلمانية «أنظمة أساسية» أو «قوانين» يمكن للناس ان يعربوا إما عن قبولهم أو رفضهم لها. لكن في الاتحاد الأوروبي لدينا «أنظمة» و«لجان» و«قرارات» و«توجهات عامة» و«استراتيجيات مشتركة» و«اعمال مشتركة» و«أوضاع مشتركة»، لدينا ألوف مؤلفة من القضايا التي ليس في وسع سوى الخبراء ان يفهموها. بقلم: جوليانو أماتو _ ترجمة: باسل أبوحمدة _ عن «البايس» اسبانيا