السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 أجرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» حوارا، مؤخرا، مع الشريف علي بن الحسين احد قادة المؤتمر الوطني العراقي الذي يعده المراقبون جماعة المعارضة العراقية الرئيسية في الخارج، والتي تتخذ من لندن مقرا لها. ودار الحديث حول مستقبل العراق في حال نشوب حرب اميركية محتملة ضد بغداد، وماذا تعني اسلحة الدمار الشامل بالنسبة للرئيس العراقي، وماذا سيكون دور المعارضة العراقية بعد هذه الحرب، وطبيعة البدائل المتاحة امام الرئيس العراقي في حال نشوب الحرب، وماذا يتوقع الشريف علي بن الحسين ان يكون دوره في فترة ما بعد الحرب في ضوء سعيه لانشاء ملكية دستورية يتربع على عرشها في العراق. وفيما يلي نص الحوار: ـ قبل الرئيس العراقي عودة فرق التفتيش الدولي الى بغداد. فماذا سيعني نزع اسلحة العراق بالنسبة لسيطرة الرئيس العراقي على مقاليد السلطة في العراق؟ ـ اذا تم نزع اسلحة العراق، فسيكون من المستحيل على وجه التقريب ان يستمر الرئيس العراقي في سيطرته على مقاليد السلطة. فهو يعمل على تطوير اسلحة دمار شامل منذ السبعينيات وأنفق مئات المليارات من الدولارات للحصول على تلك الاسلحة وخصص مليارات اخرى من عائدات النفط اثناء التسعينيات لتحقيق الهدف نفسه في طي الكتمان. فأسلحة الدمار الشامل امر لا ينفصل وجزء لا يتجزأ ولا يمكن فصله عن النظام الحاكم في العراق. ويرى الرئيس العراقي ان الحصول على سلاح نووي يعد امرا حيويا بالنسبة له حتى يستطيع البقاء في السلطة، فهو يعلم انه اذا امتلك هذا السلاح فلن يقدر احد على المساس به او التعرض له. واذا تخلى عن ورقة السلاح النووي الآن، فإنه سيصبح بلا ثقل يذكر، حيث لا يمكنه البقاء من دونه. وباختصار، فإن تجريد العراق من هذه الاسلحة يعني تجريد الرئيس العراقي من السلطة. والرئيس العراقي يملك اسلحة كيماوية وبيولوجية. ولديه برنامج نووي. وسيتم اكتشاف ذلك الامر في مرحلة معينة والمخاطرة المتمثلة في قبوله لنظام نزع الاسلحة تتمثل في انه لا يعلم بمدى معرفة اميركا وحلفائها بما يمتلكه من اسلحة. هناك فخ ينصب له لاسيما في فترة الثلاثين يوما الخاصة بطلب الامم المتحدة المتعلق بحتمية قيامه خلال هذه الفترة بالافصاح عما لديه من اسلحة فإذا قام بالكشف عما يملك، فإن احدا لن يصدق ان ما يعترف بحوزته هو كل ما يملك. وإذا لم يعترف بما يملكه، فربما سيكون هناك دليل يثبت انه لم يقل الحقيقة كاملة. وهناك قضية رئيسية خاصة بحق المفتشين باخراج العلماء العراقيين الذين لديهم معلومات عن هذه الاسلحة وعوائلهم من العراق لكي يتم استجوابهم من دون ان يقعوا تحت طائلة التهديد او يعانوا من الحرج فإذا رفض خروج هؤلاء العلماء، فإن الامر سيكون بمثابة ذريعة قوية لشن الهجوم، وبشكل منطقي كما يبدو لي الامر، فإن اول شيء يريد المفتشون القيام به هو ان يخرجوا اكبر 100 عالم عراقي لديهم خبرة في هذا النطاق، ويقولون: «ماذا لديكم؟» وماذا سيفعل الرئيس العراقي بعد ذلك؟ فهل سيقوم باعدامهم بدلا من تسليمهم؟ ـ هكذا فإنك على قين من ان الحرب آتية عاجلا او آجلا؟ ـ نعم، للأسف، فإني لا اتصور ان الرئيس العراقي يمكنه التراجع وفي الوقت نفسه مواصلة السيطرة على السلطة. فهو لن يستسلم وسوف يقود البلاد الى حرب اخرى. ـ من السيناريوهات التي يخطط لها البنتاغون توجيه 1000 ضربة جوية في اول يوم للهجوم على العراق، وبالتالي بث الرعب في قلوب رجال الجيش العراقي لدفعه الى الاستسلام الفوري لان الاميركيين يخشون طليعة الجيش اكثر من مؤخرته. ويعتقد البعض ان الحرب سيتم حسمها خلال اسبوعين. فهل تؤمن بنظرية ضعف الجيش العراقي وعدم ولائه للرئيس العراقي؟ ـ نعم بالتأكيد بل انني اتصور ما هو اكثر من ذلك. فلا يوجد احد في الجيش العراقي مستعد للقتال والموت لابقاء الرئيس العراقي في السلطة. فالضباط العراقيون تتم اهانتهم وتعذيبهم واعدامهم واعتقالهم. وتم قتل رموز هذا الجانب من الجيش وابطاله. حيث دفعوا دفعا الى حربين مأساويتين والآن هم على ابواب ثالثة. فلا يوجد احد في صفوف الضباط العراقيين لديه اي دافع لحماية الرئيس العراقي والتضحية بحياته من اجله. فهذه ليست حربا ضد ايران او لغزو الكويت. وانما هي حرب تخاض من المنظور العراقي من اجل ابقاء الرئيس العراقي في السلطة. وليس هناك استعداد للقيام بهذا فضلا عن ذلك فإن القادة العسكريين العراقيين يعلمون اليوم جيدا مدى التقدم الفائق للآلة العسكرية الاميركية. ففي عام 1951 وأثناء حرب الخليج لم تكن لدى القادة والضباط معرفة بحجم القوة التي كانوا سيواجهونها. والآن هم يعلمون ان الولايات المتحدة يمكن ان تصيبهم من بعد يصل الى ألوف الامتار ولن يعلموا من اين ولا كيف يتم ضربهم وتدميرهم. فإذا كانت هناك 15 دبابة تفق في صف، فالذي سيحدث ان اول دبابتين سيتم تدميرهما من حيث لا يدرون وسيكون على باقي الدبابات ان تبحث عن طريقة للفرار. فما هو الشيء الذي سيخشاه قادة الدبابات اكثر، ان يواجهوا صاروخا آخر قادما من حيث لا يدرون ام الرئيس العراقي؟ لذا، فإنهم سيعمدون الى الهروب، ولن تكون هناك اي مقاومة. ولن يقتصر الامر على غياب المقاومة، ولكن ما نسمعه من الضباط العراقيين هو انه عندما تتاح لهم الفرصة، فإنهم في واقع الامر سينقلبون على الرئيس العراقي. ومبعث قلقهم، بالطبع هو ما سيحدث لهم. فهم يريدون ان يعرفوا ماذا سيحدث لهم اذا انقلبوا على الرئيس العراقي اثناء المعركة. فهل سيظلون مستهدفين؟ هذه رسالة نقوم بتوجيهها الى واشنطن، وأظن ان الرسالة قد وصلت، فلقد اخبرنا بأن الولايات المتحدة سوف تهاجم الوحدات العراقية التي تنصرف بشكل عدواني تجاهها وحدها. وهذه الحملة لن تتم على خطوط قتال تقليدية ولن يكون هدفها استئصال شأفة العدو وانما ستكون مركزة على وحدات معينة، خاصة قوات الحرس الجمهوري بجانب مقار القيادة ولكن الوحدات الاخرى لن يتم استهدافها ومن المتوقع ان يذوب الجيش العراقي وينهار الامر الذي بدوره سوف يمهد الطريق نحو انتفاضة سياسية. وهذا هو ما حدث في 1991 فالنظام اختفى فحسب ولكن هذه المرة الولايات المتحدة ستكون هناك وستتأكد من ان حركة الانتقاضة ضد النظام لن يتم سحقها. ـ في ضوء التهديد القوي بحرب وشيكة هل ترى امكانية وقوع انقلاب قبل بدء الحرب؟ ـ سيكون الامر صعبا جدا بالنسبة لوقوع انقلاب قبل هجوم أميركي، وهذا الامر ليس مستحيلا بل هو صعب فعقلية الضباط العراقيين تدور على النحو التالي: اذا كان الجميع يتوقع حدوث حرب، فلماذا المخاطرة بالقيام بانقلاب يمكن الا ينجح حاليا اذا كان هناك تأكيد بأنه سينجح بمجرد ان تحدث الهجمة الاميركية؟ فنحن سوف ننتظر الاميركيين. ـ هناك قدر كبير من الخوف يتمثل من انه بمجرد ان تبدأ الحرب، فإن الرئيس العراقي سوف ينقلب على ابناء الجنوب والشمال الذين سيكونون الاكثر استعدادا للمشاركة في انقلاب ضده، ويقوم بقتل الوف او اكثر من المدنيين. فهل تتفق مع وجهة النظر هذه لاسيما وان هناك مثالا يتعلق بالحرب الاميركية ضد جمهورية الصرب اذ ارتفع عدد قتلى المسلمين بعد شن تلك الحرب؟ ـ نعم اوافق على وجهة النظر هذه. ففي غمار سعيه للبقاء، لن يلجأ الرئيس العراقي لاستخدام الغاز ضد القوات الاميركية او اسرائيل لانه يعرف ان هذا الامر لن يوقف الحرب ضده بل يزيد من التصميم على القضاء عليه. ولانه ليس هناك شك في انه يملك اسلحة دمار شامل، فمن المنطقي انه سيلجأ الى استخدام تلك الاسلحة ضد المدنيين العراقيين لانه يعلم ان هذا هو السبيل الوحيد لايقاف الحملة الاميركية ضده. فبلا شك حين يحدث هذا، سيدعو احدهم في الامم المتحدة الى «وقف اطلاق النار» لتجنب مزيد من الضحايا. فعلا، هناك امكانية حدوث جريمة بشعة في هذا الصدد. وأملنا هو ألا يقوم الضباط المسئولون عن مثل تلك العملية بتنفيذ اوامر الرئيس العراقي. والعراق ليس كوسفو اخرى. فلا يوجد هذا النوع من البغض الطائفي بين ابناء الشعب العراقي. فالجيش لا يريد استخدام الغاز ضد الاكراد لانه لا يوجد كره بين الطرفين. ـ تدور المناقشات حاليا في واشنطن حول ما اذا ينبغي ان يكون هناك احتلال اميركي على غرار ما هو موجود باليابان او ألمانيا، ام تكون هناك حكومة مؤقتة بعد خلع الرئيس العراقي. فما هي وجهة نظرك في هذا الشأن؟ ـ الاحتلال العسكري غير مضمون وليس بالعمل الحكيم. فالعراق ليست دولة معادية. فمجرد الانتهاء من الرئيس الحالي وأسلحته، فإن الجيش العراقي لن يمثل تهديدا. فليست هناك حاجة الى السيطرة على الشعب العراقي على غرار السيطرة على الالمان. فالعراق ليست ألمانيا او اليابان، ولكنه يشبه في الواقع فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، فهي دولة يتم تحريرها. والعراق ليس خارجا من حرب أهلية، ولا تعاني مؤسساته من الانهيار. فالدولة تتمتع بمؤسسات قومية تعمل بشكل كامل، فهناك اقتصاد وحكومة وادارة. فالعراق دولة تعمل، ومشكلتها الوحيدة تكمن في قيادتها السياسية. فالامر لا يشبه الدخول الى الصومال او افغانستان، حيث لا يوجد الا الدمار والركام. فنحن لدينا مليون موظف مدني في العراق يعملون كل يوم لتيسيير شئون البلد. وكل ما نحتاجه هو تغيير القيادة العليا وتنصيب قيادة انتقالية حينذاك سوف تعمل الدولة. لا يمكنني تخيل ماذا سيعني احتلال اميركي للعراق، فهل سيكون هناك ميجور أميركي يعمل وزيرا للزراعة؟ او قائد من السلاح الجوي يعمل وزيرا للنقل؟ وماذا بشأن القانون والنظام؟ فهل ستقوم القوات الاميركية باطلاق النار على المتظاهرين العراقيين اذا ارادت ان تحافظ على النظام والامن؟ فالاميركيون ليسوا كالبريطانيين في عهد الامبراطورية، فهم ليس لديهم افراد سيديرون البلدان الاخرى. فحقيقة الامر تشير الى عدم النصح باللجوء الى فكرة الاحتلال تلك. ففي غمضة عين ستحول هذه الفكرة الأميركيين من كونهم محررين للبلاد إلى محتلين لها، وأفضل شيء يقوم به الأميركيون هو الانسحاب بأسرع وقت من المناطق المدنية وتسليمها الى العراقيين كي يديروا شئون بلدهم. اعلم ان الناس ينتابهم القلق من حدوث «فراغ سلطة» ولكن نحن نتحدث عن حوالي من 24 الى 30 فردا على المستوى الوزاري سيتولون ادارة الحكومة لفترة انتقالية بينما نحن نمضي نحو عملية سياسية تقام خلالها انتخابات وتأسيس ميثاق دستوري وعقد استفتاء، الخ. والقضية الاساسية هي احداث توازن بين قادة المعارضة، والجماعات التي تتمتع بشعبية في الخارج فقط وهؤلاء الموجودين على الساحة بالفعل من الداخل. ـ أخيرا، ماذا تتوقع ان يكون دورك كعاهل دستوري؟ ـ في اي ملكية دستورية لا يتدخل العاهل في الادارة اليومية لشئون البلد. فمشكلة الجمهوريات في الشرق الاوسط، لا سيما في العراق ان اي حزب سياسي يتولى قيادة الحكومة سيخدم موارد هذه الحكومة من اجل ضمان بقائه على رأس الحكم. وقيام ملكية دستورية سوف ينهى هذا الامر. فلن يكون هناك اي انحياز لمصالح خاصة، حيث سيكون هناك احترام لجميع الاحزاب والعرقيات وبناء جسور ثقة بين العاهل وتلك الاحزاب. سيتمثل دور الملكية في الحفاظ على الدستور وضمان استقلال المؤسسات القومية، بما في ذلك الجيش وحماية الحريات المدنية لضمان الا تقوم الاغلبية باضطهاد الاقلية أو العكس، وتمكين الاحزاب السياسية من الانخراط في عملية سياسية ديمقراطية تنافسية من دون الاضرار بالدولة. والحكومات لها وقت تعمل خلاله ثم ترحل، بصرف النظر عن قدر نجاحها فالجميع يرتكب الاخطاء، وهناك مدة يرحلون بعدها. ونحن بحاجة الى مؤسسة تضمن انه عندما تأتي حكومة جديدة فإنه لا يتم التخلص من اي احد ولا تكون هناك محسوبية او تحيز لاي جهة. ومن المهم للغاية ان يكون هناك ضامن اعلى يلعب دورا في تسيير هذه السياسات لاسيما في بلد مثل العراق لديه مثل ذلك العدد الكبير من الاحزاب السياسية، حيث يقوم هذا الضامن بالعمل على الا يفرض حزب ما هيمنته على الجميع. وبالنسبة للمستقبل المنظور بعد التخلص من الرئيس العراقي فإنه ستكون هناك سلسلة من تغيير التحالفات في البرلمان، وفي خلفية هذه الصدامات، ويجب ان تكون هناك جهود للم الشمل والوحدة، وهذا هو دور العاهل الذي اتمنى ان اراه يمارس في العراق مستقبلا. خدمة «لوس انجلوس تايمز» _ خاص لـ «البيان» _ ترجمة: حاتم حسين