السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 تميز السياسي الاسرائيلي أبا ايبان الذي رحل عن عالمنا مؤخراً عن عمر بلغ 87 عاماً بمقدرته على استخدام الكلمات بشكل يجعل لها فعل الاسلحة. فقد احرج ياسر عرفات عام 1978 حينما وصفه بأنه الرجل «الذي لم يضع فرصة سانحة قط يضيع فرصة سانحة». اصبح ايبان معروفاً في اوساط السياسة العالمية في 5 مايو 1949 حيث تحدث امام الجمعية العمومية للامم المتحدة. وكان يومها قد اصبح شخصاً معروفاً بالنسبة للعديد من الدبلوماسيين هناك بعد ان كان قد القى خطاباً امام مجلس الامن في يوليو السابق. وفي ذلك الخطاب تحدث ايبان ساعتين كاملتين طالباً قبول حكومة اسرائيل المؤقتة في عضوية الامم المتحدة، وهو الخطاب الذي اطنب الصحافيون في مديحه. وعلى الرغم من الخدمات الكبيرة التي قدمها لاسرائيل والتي تخلى من اجلها عن بلده الاصلي بريطانيا، فإن مظهره البريطاني ولهجته ونزعته النخبوية عزلته في الغالب عن معظم الاسرائيليين. وما عاد اليهود السفارديم يجدون انفسهم قريبين من هذا اليهودي الانجليزي. وفي نهاية الامر انقلب هؤلاء على واحد من اهم الشخصيات السياسية في تاريخ قيام دولتهم. بدأ ايبان حياته العامة باحثاً، وكان بمقدوره الركون للدعة والهدوء وقضاء حياته استاذا جامعياً يؤلف الكتب كنظرائه الآخرين، مثل ايزايا برلين، الذي اختار جامعة كامبردج. او كان بمقدوره ايضاً ان يختار السياسة في بلده الاصلي، بريطانيا. في كلية كوينز كوليج بجامعة كامبردج، حصل ايبان على المرتبة الاولى في اللغات الشرقية الثلاث، العربية والعبرية والفارسية. وفي العام التالي 1938 عين محاضراً ومعلماً في كلية بمبروك. جندته المخابرات البريطانية التي حاولت جذب اهتمام ونستون تشرشل اليه، قبل ان يختاره في كلمة رسمية سرية إلى مصر، ليبحث هناك سبل مشاركة الدول العربية إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، التي كانت في بدايتها. وفي عام 1942 اصبح ضابط القتال في مقر قيادة الحلفاء في القدس، وكانت مسئوليته الاولى هناك التواصل مع اليهود في فلسطين وتجنيدهم للجيش البريطاني. كما كان له دور كبير في الفيلق اليهودي. في عام 1944 اصبح عنصراً رئيسياً في مركز الشرق الاوسط العربي في القدس، لكنه تركه لينضم للوكالة اليهودية عام 1946 ليصبح شخصية فاعلة في الحركة الصهيونية. وكان ايبان عضواً في اول حكومة مؤقتة لاسرائيل. وفي عام 1947 ارسل في مهمة على رأس وفد خاص للامم المتحدة. وفي العام التالي اصبحت اسرائيل دولة بحكم الواقع. كانت خطب ايبان امام الجمعية العامة، موجهة للرأي العام والعالمي، بقدر ما كانت موجهة للامم المتحدة في عام 1950 اصبح ايبان مندوبا لاسرائيل لدى الامم المتحدة واستمر في هذا المنصب حتى عام 1959 حينما اصبح نائب رئيس الجمعية العمومية فيه. لكنه في الوقت نفسه كان ايضاً سفير اسرائيل في الولايات المتحدة (1950 ـ 1959)، وهذا لم يوقفه عن مواصلة حياته السياسية الاسرائيلية كعضو في حزب العمل وككاتب وخطيب مفوه. بعد عودته لاسرائيل انتخب عضوا في الكنيست الذي بقى فيه من عام 1959 حتى 1988، واختير وزيراً بلا حقيبة (1959 ـ 1960) ووزيراً للثقافة والتربية (1960 ـ 1963) ونائبا لرئيس الوزراء (1963 ـ 1966). ومع انه احتل مناصب اخرى الا ان اكثر مناصبه نفوذاً كان منصب وزارة الخارجية (1966 ـ 1974). وظل شخصية مهمة في السياسة الاسرائيلية حتى عام 1988 حينما رفضته لجنة الاختيار الجديد، الموسعة لحزب العمل كمرشح لمقعد في الكنيست من جديد. البعض يعزو انقلاب حزب العمل عليه لتقرير اعدته لجنة الشئون الخارجية والدفاعية في الكنيست حينما كان رئيساً لها. جاءت فيه اشارات عن مسئولية زعيم حزب العمل شيمون بيريز وانه يستحق حمل جزء من اللوم عن قضية جوناثان بولارد الذي كان يتجسس على اميركا واسرائيل، إلى جانب مسئولية رئيس الوزراء حينها اسحق شامير. وكانت اسرائيل قد جندت بولارد للتجسس لحسابها، حينما كان ضابطاً في البحرية الاميركية. كما اعترض ايبان ايضاً على وحشية الشرطة الاسرائيلية في التنكيل بالمدنيين الفلسطينيين وقال انه لا يريد ان يكون جزءاً في حكومة تستخدم الهراوات لضرب الصبيان لكن الامور بدأت تسير على نحو أسوأ. منذ ذلك الحين بدأ ايبان يستفيد من شعبيته في اميركا ليحاضر في الجامعات والمناسبات في كل الولايات المتحدة. وكانت كتبه التي يؤلفها تلاقي نجاحاً كبيراً هناك، خصوصاً الكتاب الذي جمع فيه خطبه السابقة ونشره تحت عنوان «صوت اسرائيل» (1957) حينما كان لا يزال سفيراً. والد ايبان كان افرام سولومون الذي غادر بريطانيا شاباً، وذهب إلى جنوب افريقيا مع زوجته اليداساكس، ومات هناك بعمر 23 عاماً بعد ان انجب ولدين. وعادت الام بهما إلى لندن وتزوجت هناك من عالم فيزياء اعطى الولدين اسم عائلته «ايبان» ورباهما مع اخويهما من امهما اللذين ولدا لاحقاً. ولم يعلم الاخوان الكبيران اسم عائلتهما الحقيقي الا بعد وقت طويل. اما اسم آبا، فهو النسخة اليهودية لاسم اوبري، والذي اصبح يسمي نفسه به بعد ان راهن بكل ما لديه على اسرائيل. ولم تكن العائلة مترفة، اضافة لكونها تتحمل عبء تعليم اربعة ابناء. غير ان تحيزه في حياته الدراسية جعله يحصل على كل منحة دراسية طلبها. يصفه من درسوا حياته بأنه يتمتع بقدر من الموضوعية لا يتوافر لدى اي اسرائيلي آخر. وعلى الرغم من حماسه العاطفي لكل مواقف اسرائيل، فإن كتبه تعرض نظرة هادئة وموضوعية لرجل دولة. وهذا ينطبق اكثر من اي شيء آخر على كتابه «الدبلوماسية الجديدة» الصادر في 1983، الذي يدرس فيه الاحداث الدولية عام 1940، خاصة مؤتمر الامم المتحدة التأسيسي في سان فرانسيسكو عام 1945 وهو المناسبة التي ظن قادة العالم خلالها انهم قادرون على تنظيم عالم لن يشهد بعدها حروباً او اعتداءات. ويركز في كتابه هذا على حماقة هذا الزعم وغيره من المزاعم العديدة التي ظهرت منذ ذلك التاريخ. كانت النقطة المحورية في الكتاب ايضاح كيف ان التاريخ المعاصر قد تغير في مرحله ما بين الحرب من الآليات المؤتمرية، وبالتالي جعل السرية التي كانت لازمة الدبلوماسية في القرون الماضية وسبب الوجود الاساسي للدبلوماسي، جعلها امراً غير ممكن حالياً. اذ ان التدخل الاعلامي وحق العامة بأن «يعرفوا» قد تجاوز كل السوابق. كان ستالين قد وصف الدبلوماسي النزيه بأنه كالماء الجاف، ان وجد هذا وجد ذاك، وفيما تبقى الاكاذيب ضرورة دبلوماسية، فإن الاتجاه الحقيقي للسياسة ما عاد يمكن اخفاؤه لفترة طويلة. وهكذا اصبح الدور التقليدي للدبلوماسي متقادماً بفعل الاتصالات المعاصرة وشيوع المؤتمرات والقمم، حيث يمكن للقادة ان يتفاوضوا مباشرة، على الرغم من ان ذلك لا يكون فاعلاً جداً دوماً. ومن كتب آب ايبان الاخرى: «هرطقة توينيي» (1955)»، من القومية (1959)، «اسرائيل في العالم» (1966)، «شعبي» 1968، «بلدي» 1978.