الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 على الصعيد العملي، وفيما يتعلق بمستقبل حلف «الناتو» من المهم الاهتمام بما يطرحه وزير الدفاع المجري السابق جورجي كليتي، الذي اعترف في الاذاعة المجرية في يونيو الماضي، بأن بلاده قدمت تعهدات من اجل الحصول على عضوية «الناتو» لم تكن مؤهلة للالتزام بها. وقال كليتي بهذا الخصوص: «اذا كانت دولة ما ليست عضوا في «الناتو» حتى الآن، فإنها تستطيع ـ صراحة ـ ان تقول اشياء كثيرة ولا تتم مساءلتها بشأنها». ومن الواضح انه بالأخذ بعين الاعتبار الضغط لتحقيق العضوية في نادي «الناتو» الحصري في أواخر التسعينيات، فإن المجر قد اجرت حساباتها الخاصة بالمجازفة الاخلاقية.وما لم يضع «الناتو» طريقة ما لجعل الاعضاء عرضة للمساءلة عن التزاماتهم، فإنه لن ينجو من الخطر الكامن في معايير العضوية الضعيفة والحوافز للسلوك المرضي والمدمر وانحطاطه في النهاية الى حلف عديم الاهمية. ولكي يبقى «الناتو» قويا وفاعلا ـ وهو مصدر قوة للمصالح الامنية الاميركية اكثر من كونه مسئولية ـ فإن معايير العضوية ينبغي الحفاظ عليها لا من اجل الدول الطامحة الى العضوية وانما من اجل الاعضاء انفسهم. قد يكون من الانصاف ان اكون متفائلا وافترض ان جميع اعضاء «الناتو» في المستقبل سيناضلون لكي يكونوا في افضل حال. فعضوية الناتو، في نهاية المطاف، لم تقد ألمانيا الغربية الى وقف تقدمها نحو الديمقراطية والقيم الليبرالية خلال الحرب الباردة. وعلى نحو مماثل، يتفق المسئولون عموما على ان بولندا لم تكتف فقط بتحقيق تقدم استثنائي لكي تصبح عضوا في الناتو، وانما واصلت التحسن منذ انضمامها في مجالات الحكم الديمقراطي وكذلك الاصلاح العسكري والجاهزية وتولي دور قيادي في سياسة بناءة للناتو قائمة على الاجماع. وللأسف، فإن الشواهد تشير الى ان اعضاء جددا آخرين قد اخذوا يتخلفون عن أداء التزاماتهم. وفي الآونة الاخيرة، علقت شخصية بارزة في الامن الاوروبي بالقول ان «المجر قد فازت بجائزة العفو الجديدة في الناتو الاكثر تخييبا للآمال وذلك في وجه بعض المنافسة»» مستشهدا بماضي الحكومة المجرية المعادي للسامية والمطالب الخارجة عن نطاق تشريعها الوطني من جيرانها وفشلها في لعب دور بناء في الحفاظ على امن البلقان. وبالتأكيد، فإنه يبدو ان المجر قد قبلت بهذا التمييز المريب حتى ان وزير الدفاع المجري الجديد، فيرنس جوهاز قد اعترف في الاذاعة المحلية بعد لقائه بالأمين العام للناتو اللورد روبرتسون بأن المجر قد اخفقت في الايفاء بالتزاماتها للناتو خلال الاعوام الاربعة الماضية حتى ان الحلف اخبره بصورة غير رسمية ان المجر كانت ستطرد لو ان عملية الطرد ممكنة. ويبدو ان المجر قد عادت الى الطريق الصحيح، بعد هزيمة الحكومة القومية لفيكتور اوربان في الانتخابات التي جرت في وقت سابق من هذا العام. ولكن الانتخابات المستقبلية قد تجلب الى السلطة انظمة متناقضة مع مباديء «الناتو» في دول اخرى من الاعضاء الحاليين او المرتقبين. وقد تركز الاهتمام على احتمالات ان يفوز الاستبدادي فلاديمير ميكيار او يحوز مكانا في الحكومة السلوفاكية بعد الانتخابات في ظل وجود طلب للعضوية لا يزال معلقا. وماذا لو ان انتخابات المجر اتخذت منحى آخر؟ وبموجب قوانين «الناتو» الحالية، فإن اوروبا ستعلق بنظام، يزعم، من بين تهديدات اخرى، بالحق بالتحدث نيابة عن الاقليات المجرية التي تعيش في الدول المجاورة، وذلك في انتهاك مباشر للتعهدات التي قطعتها المجر على نفسها لدى انضمامها للناتو في عام 1999.ان الانتخابات التي تهدد بجلب الرجعيين القوميين الى السلطة ليست هي المشكلة الوحيدة. فالجمهورية التشيكية، التي حققت تصنيفا منخفضاً جدا بالنسبة للفساد في عملية التأهل لعضوية الناتو في التسعينيات، تصنف حاليا بأنها رابع اكثر الدول فسادا في أوروبا. وهنا يتمثل الخطر الاخلاقي في أسوأ صورة: قدم ما يكفي من الوعود للتأهل ثم تراجع عن تلك الوعود حالما يتحقق هدف العضوية. ويطرح الفساد في الدول الاعضاء في الناتو مشكلة خطيرة لانه يثير اسئلة حول تبادل المعلومات الحساسة في متابعة السياسات الدفاعية المشتركة وبخاصة في مجال مكافحة الارهاب. كيف يمكن للناتو ان يمارس عمله اذا كان اعضاؤه لا يستطيعون الثقة ببعضهم البعض بالمعلومات الحساسة حول نقاط الضعف التي ينبغي تبادلها لاتاحة المجال امام التعاون في منع هجمات ارهابية؟ ان ما يعقد مشكلة الفساد المنبعث هو التركة الحديثة للمؤسسات الامنية المتنفذة التي عملت على حماية الانظمة الاستبدادية. فقد حذرت رومانيا من قبل مسئولي «الناتو» بأنه يتعين عليها ان تغربل العدد الكبير من العملاء السابقين لجهاز «سكيوريتات» الذين لا يزالون يعملون في اجهزة الامن في البلاد، وذلك من اجل ضمان عدم السماح لهم بالتعامل مع اسرار «الناتو» وتتخوف الدول الاعضاء من انه ما ان تصبح رومانيا عضوة في الحلف حتى تكون عاجزة عن منع هؤلاء العملاء من تسريب المعلومات. ولكن حتى لو كانت رومانيا قادرة على تطمين اعضاء الناتو بأنها تتعامل الآن مع هذا التهديد لامن الحلف، فليس هناك من ضمان بأنها ستظل يقظة بعد تحقيق هدف الانضمام. وبوجود ادلة على تواني الاعضاء الجدد عن الايفاء بالتزاماتهم، فإن الوقت المناسب لمعالجة هذه المخاوف هو الآن.والنتيجة النهائية هي انه بغياب آلية معينة لفرض العقوبة او تعليق العضوية او الطرد بحق الاعضاء غير المؤهلين، فإن عضوية الناتو لن تستمر في كونها حافزا فاعلا للاصلاح الديمقراطي وسيتوقف الحلف عن كونه مؤسسة سياسية وعسكرية فاعلة. ولتجنب هذا الفشل يجب ان يتم تبني حل على مستويين: المستوى الاول ضمن الاجراءات التنظيمية للحلف نفسه، والثاني، على مستوى اتفاقية الحلف. وعلى مستوى الاجراءات التنظيمية الداخلية في الناتو، يتعين على الحلف ان يشكل لجنة مراقبة للعضوية تكون تابعة لمجلس شمال الاطلسي. وبحسب ما تنص عليه المادة رقم 9 من اتفاقية تأسيسه، فإن بمقدور «الناتو» ان يشكل لجانا تتبع مجلس شمال الاطلسي، وحيث ان «الناتو» قد شكل بالفعل لجانا للتخطيط الدفاعي، والدفاع الجوي ومنع انتشار الاسلحة من بين لجان اخرى، فإن وجود لجنة مشكلة خصيصا لمراقبة وبحث الاداء السياسي للأعضاء وتقدمهم ستنسجم بشكل تام مع الممارسات الراسخة للناتو. وستعمل اللجنة على اساس مبدأ الاجماع القياسي للناتو. ولن تحتاج الى اتخاذ قرارات، ولكن الاعضاء الفرديين الذين اثار اداؤهم القلق يمكن تنبيههم الى تلك الحقيقة من خلال النقاش، وستكون لديهم الفرصة لتصحيح الاخطاء واظهار تقدم مقبول.وتكون اللجنة مطالبة بتقديم تقرير على فترات منتظمة الى مجلس شمال الاطلسي حول هذه النقاشات وعمليات التقويم الجارية. ويمكنها ان تتبنى المعايير الجاهزة المعلنة في اتفاقية حلف شمال الاطلسي نفسها وفي دراسة الناتو حول توسيع الحلف لعام 1995 بالاضافة الى معايير العضوية الاكثر تفصيلا التي ارسلتها «خطط عمل العضوية» والبرامج القومية السنوية التي يوافق عليها كل عضو جديد مرتقب. وستلعب مثل هذه اللجنة دورا هائلا في تأمين التقيد بالمعايير السياسية للناتو ولكنها لا تستطيع القيام بذلك وحدها. والانتفاضة ايضا بحاجة الى تعديل لاتاحة المجال امام ادخال مرتين جديدتين «للناتو» الاولى ستكون مسألة ضرورة عملية. وحيث انه لا يوجد عضو سيوافق على معاقبة او تعليق او طرد نفسه، فإن القرارات حول وضعية العضوية يجب ان تتخذ «بالاجماع ناقص واحد» والميزة الثانية هي ان المادة رقم 10 من الاتفاقية، والتي تعالج مسألة العضوية، سيتعين تعديلها لاتاحة المجال امام اتخاذ ثلاثة مستويات من العمل الانضباطي بحق الاعضاء المشاكسين. المستوى الاول سيكون العقوبات للفشل في معالجة المخاوف المثارة من قبل لجنة مراقبة العضوية. وينبغي لهذه العقوبات ان تتضمن الايقاف عن المشاركة في لجان معينة والتخطيط العسكري او المناورات والبرامج الممتدة بـ «الشراكة من اجل السلام» بالاضافة الى الحرمان من الحق في ارسال افراد الى الطاقم الدولي للامانة العامة وعند هذا المستوى يكون لا يزال باستطاعة الاعضاء المعاقين ان يشاركوا في مجلس شمال الاطلسي، وعلى مستوى رئيس الدولة ووزير الخارجية ووزير الدفاع. فعلى الرغم من توجيه التحذير اليهم علينا، إلا أنهم يبقون اعضاء مشاركين. ونتيجة لذلك، فإن الاعضاء المتخلفين لن يعيقوا تقدم العمل اليومي للناتو اثناء فترة تحذيرهم وسيظلون مشاركين بدرجة كافية لتبني التزام متجدد بالحلف. واذا فشل هذا الاجراء التجريبي، فإن المستوى الثاني من العمل سيكون تعليق العضوية. ويتم اتخاذ القرار بالتعليق من قبل مجلس شمال الاطلسي وسيعمل على ازالة العضو غير الملتزم ليس فقط من اللجان الفرعية للناتو، وانما ايضا من المشاركة الكلية في مجلس شمال الاطلسي. ولن يكون بمقدور رؤساء الدول ووزراء الدفاع والخارجية المشاركة في قمم «الناتو» او الاجتماعات الوزارية خلال فترة التعليق. وستتيح عملية التقييم الدورية للاعضاء المعلقة عضويتهم باستعادة العضوية الكاملة بسرعة حالما يتم تصحيح المشكلة وستعمل كحافز للاصلاح من النوع نفسه الذي تمثله العضوية المرتقبة. وفي جميع الاحتمالات، فإن هذه الاجراءات المتعلقة بالمراقبة والقيود الانتقائية والتعليق ستكون بمثابة حافز كاف لمنع الاعضاء من الانزلاق الى ما دون المعايير الاساسية التي التزموا بها. غير ان المستوى الثالث والاخير من العقوبات ستكون هناك حاجة للتفكير به واتاحته من اجل جعل التهديد معقولا. واذا لم يستأنف العضو، بعد فترة من الزمن في ظل التعليق، تقدمه نحو تلبية المعايير المحددة، فسيكون على مجلس شمال الاطلسي ان يبلغ الدول الاعضاء بأن العضو المعلقة عضويته مرشح للطرد. وحيث ان الاعضاء الجدد يجب ان يحصلوا على مصادقة جميع الاعضاء القدامى، فإن قرار الطرد سيعاد بالمثل الى المؤسسات الوطنية المسئولة عن المصادقة على العضوية. وفي حالة الولايات المتحدة، فإن تلك المؤسسة هي مجلس الشيوخ. وبهذه الطريقة، فإن العمليات الديمقراطية التي تقدم بموجبها الولايات المتحدة التزاماتها الامنية الدولية سيتم الحفاظ عليها وتعزيزها. وفي ضوء العواقب الخطيرة على الدولة العضو، فإن الطرد سيكون اجراء صعبا وقاسيا. والخطوات العديدة المطلوبة ستضمن عدم اتخاذ هذا القرار بسهولة او بدقة او على اساس قانوني وسيكون الطرد قرارا سياسيا خطيرا يتطلب اجماعا قويا في اوساط قادة الامن الوطني في الدول الاعضاء. وفي جميع الاجتماعات، فإن احتمال صدور هذا القرار بحد ذاته سيوجد حافزا قويا لاعضاء الناتو لكي لا يجدوا انفسهم في وضع يضطرهم الى مواجهة الطرد. وسيواجه الاعضاء المترنحين الذين يترددون في الايفاء بالتزاماتهم الحافز نفسه الذي اثبت فاعلية كبيرة عندما كانوا اعضاء مرتقبين، ومعظمهم سيجدون الموارد اللازمة لدعم تقدمهم. ولكن في نهاية المطاف، يجب ان تتم حماية الحلف من اخفاقات اعضائه. وحتى لو ان عضوا لم يستطع، بعد ان جربت جميع الاجراءات، ان يحقق التوافق مع معايير الناتو، فإن الحلف سيكون لا يزال بمقدوره انقاذ نفسه من عدو في عقر داره. ونظرا لان الناتو موجود اليوم، فإن ايا من هذا لن يتم تحقيقه. ان السؤال الذي يواجه اعضاء «الناتو» ومن بينهم الولايات المتحدة، هو ما اذا كان الامن عبر الاطلسي مهم لمصالحها القومية، وما اذا كانت تأخذ على محمل الجد الدور السابق والمستقبلي المحتمل للناتو في المساعدة على تنفيذ المهام السياسية والامنية العسكرية المطروحة امامهم. واذا ما حدث ذلك، فإن الجولة التالية من توسيع نطاق «الناتو» يجب ان تكون مصحوبة بآلية واضحة وفاعلة للمعاقبة والطرد والتي ستعمل كرادع ضد استغلال المجازفة الاخلاقية وكحصن عندما يفشل الردع. واذا لم يعالج الناتو هذه الورطة بجدية ويعيد فرض المعايير السياسية الكامنة في أسسه، فإن التبرير للتوسع سيكون عندها أجوف في احسن الاحوال. والحلف يعاني من خطر التحول الى وعاء فارغ بدلا من الاستمرار في العمل كشراكة ذات مرونة وقوة فريدتين. وبالتأكيد فإن الناتو يستحق ثمن العضوية. ترجمة: ضرار عمير عن «فورين أفيرز»