الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 شيء لايوصف يحمل على الشعور بالأسى ويليق بالبريطانيين. وثيقة يتوقع صدورها في بروكسل لايهم ما تتضمنه غير أن المعلقين والسياسيين البريطانيين سيتمكنون من قراءة معانيها الأكثر غموضاً, والأكثر برهنة على المؤامرة المناوئة للديمقراطية التي ترمي إلى حرماننا من حريتنا وحقنا في الحياة الكريمة. ستستمر حالة الهياج إلى أن يخاف حتى العقلاء من رفع رؤوسهم وها هم البريطانيون يخوضون المناظرة مع «أوروبا». كانت المسودة التمهيدية التي تقدم بها الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان لما يمكن أن يتحول إلى عناصر المناظرة الأكثر سخونة في تاريخ الإتحاد الأوروبي هي الشرارة التي أشعلت فتيل الجولة الإضافية للتعليقات العبثية وعلى نحو مفاجيء، أخذت الأجواء تنذر بالشر في صحيفة «الديلي ميل» حذر ادوارد هيثكوت اموري من برنامج «اليورو اليوم» ومن الضرائب ومن الرقابة الفكرية على اليورو وبالنظر إلى أنها قد صيغت في الأوقات الأكثر هدوءا، فمن الممكن القول بأنها تشبه ثورة من يوشك على فقد صوابه. في صحيفة التايمز، بدا أناتول كاليتسكي أحد أكثر الصحافيين البريطانيين الإقتصاديين كفاءة مقتنعاً بأن الوثيقة تنذر بحفر هوة من العجز الديمقراطي الحاد وبمركز بيروقراطى غير محكم شديد السلطة أتى في هذا الوقت لكي يقطع الأمل في المشروع الأوروبي برمته وباختصار طمأنت الحكومة الجميع حيث أن المخططات القارية الغامضة لن تتمكن من العبور وكان اكتشاف ما تحتوى عليه الوثيقة من الأمور البالغة الصعوبة. إلا أنني على الرغم من كل شيء قطعت على نفسي وعداً بقراءتها الوثيقة تتألف مما يقارب الـ 18 صفحة، السبعة الأولى منها تبدو كما لو أنها مسودة مطولة تشتمل على نبذة للتعريف بما يمكن أن تشتمل عليه وال11 الباقية تحتوي على 46 مدخلاً، أغلبها لايزيد طوله على جملة واحدة، مؤطرة بمصطلحات منها على سبيل المثال «هذه الفقرة ستعرض، هذا البند سوف يتعرض، هذه الفقرة تعني، أو كتابة هذه الفقرة ستعتمد على النتائج المنبثقة على أعمال اللجان..»، وهكذا الأمر الذي لايجعل منه دستوراً حقيقياً. وعلى الرغم من ذلك فهو يحمل هذا العنوان المثير «المسودة التمهيدية للمعاهدة الدستورية»، كما أن لديها من الحماقة ما يحملها على القول بأنها تسعى إلى توفير مناخ من الحرية، والأمن والعدالة، وإيجاد حقوق لها علاقة بالمواطنية الأوروبية وبتحديد الماهية التي ستكون عليها مسئوليات الأجهزة السياسية والقانونية المختلفة التابعة للإتحاد الأوروبي، أما هدفها فهو تحديد أوجه الضعف التي يشير اليها كاليتسكي وغيره من المناوئين للنزعة الأوروبية، كما أنها تحتاج إلى تنظيم بسيط يوضح الكيفية التي ستتمكن بواسطتها اوروبا من تدبير أمورها إلى جانب بعض القوانين الواضحة السهلة المتعلقة بصلاحيات كل جهة ومبرراتها. هناك عدد من المبادرات الإبتكارية الخلاقة ، على الرغم من أن أيا منها لايتجاوز كثيراً حدود الممكن المشار إليه في جملة من الجمل التي تحتوي عليها فقرات المسودة تقول الوثيقة إن الإتحاد الأوروبي يجب أن يكون لديه هيكل دستوري واحد،، وبالتالي فإن القوانين ذاتها يجب تطبيقها في أي مجال من المجالات التي تشملها سياساته، كما يتوجب عليها أن تؤسس ما يجب تحديده على مستوى الإتحاد الأوروبي، وما يجب أن يتم تقاسمه بين الدول الأعضاء وما يجب أن يبقى محفوظاً لها، على الرغم من عدم محاولتها الأجوبة، كما يتوجب عليها الإعداد للكونجرس الهيئة التشريعية الممثلة «للشعب الأوروبي» الذي يملك صلاحية للإرتقاء بأمور الرقابة المفروضة على المؤسسات الأوروبية ومناقشة القضايا الرئيسية.إ نها تتطلب مستوى عالياً من الإنفتاح الذي يجب توفره في كل مؤسسة أوروبية، بهدف مضاعفة الفرصة أمام المؤسسات المختلفة التي يملكها المواطنون لكي تلعب دوراً متكاملاً على مستوى الإتحاد إنها تضمن انسحاب الدول التي لاترغب بالإستمرار في عضوية الإتحاد، كما أنها تمهد دون توصيف للكيفية التي يتم بواسطتها تعيين رئيس جديد ليحل ذلك محل النظام المزعج القديم الذي ينص على أن تمضي كل دولة من الدول الأعضاء ستة أشهر في رئاسة الإتحاد.وعلى سبيل المثال، تصور أن بريطانيا قد أصدرت مسودة دستورية، قد تحتوي هذه المسودة على بنود تتعلق بالإنسحاب الإختياري لكل من سكوتلندا وويلز إذا شعرتا بان سياسة بريطانيا تجاههما غير عادلة ولاديمقراطية، وربما تضمن الرقابة على اجتماعات المجلس الإستشاري الأمر الذي سيمهد الطريق أمام المداولات العلنية، وقد يتطلب أيضاً هيئة تشريعية جديدة للبريطانيين، تجتمع على نحو منتظم لتقييم مدى ديمقراطية مؤسساتنا العامة، والصلاحيات الأساسية للبلدات والمدن والسلطات المحلية والحاجة للحد الأقصى من الشفافية على مستوى من مستويات النظام. إن الإتهامات التي وجهها كل من الكاليتسكيين والهيثكوت أموريين القائلة بأن الموضوع لم يخرج عن كونه توليداً لديمقراطية أقل سيتم استيعابها بوضوح، شريطة أن تعيد تطبيق ذلك على مستوى الإتحاد الأوروبي وتتعمق فيه كما تقول آراء دينيس ماكشين التحذيرية.ان قوى ثلاثة تباشر العمل في هذا المجال هي إنكار الواقعية المعاصرة، والمعلومات غير التامة المتزامنة مع الجهل بما يتعلق بالمؤسسات الأوروبية والروابط المعقدة الممجدة لكل ماهو اميركي المعدومة الثقة في في كل ما لا علاقة له بالأنجلو سكسونية، أما الواقعية فهي ان العولمة تشكل تحدياً يواجه كل البنى الإقتصادية والسياسية الوطنية وأنها تحد من الإستقلالية، وحرية التحرك وتجبر الدول على الدخول في تحالفات جديدة متعددة الجنسيات تمكنها من الوصول إلى أهدافها، وهو ما يتطلب شيئاً من التنظيم والسيطرة.إن الأوروبيين محظوظون، فهم وعلى العكس من مواطني دول اميركا الجنوبية والآسيويين يملكون بنية تعددية على هيئة الإتحاد الأوروبي الذي يستطيعون التحرك من خلاله وفي هذا الخصوص، فإن مساعي الإتحاد الأوروبي الهادفة إلى تقديم ديمقراطية حقيقية على هيئة عمليات متعددة هي المستقبل، وليست الماضي.وعلى نحو مشابه، فإن مستوى السلطات التي تتمتع بها دول الإتحاد الأوروبي مبالغ فيها إلى حد بعيد بالإضافة إلى أن ماتشير إليه التقارير الصادرة حول أمورها المالية وموازناتها الحقيقية، وبعيداً عن المفاوضات المشتركة المتعددة الأطراف، وسياسة التنافس، والزراعة والأمور المتعلقة بإدارة العملة الموحدة، التي يتم تطبيقها على المستوى الأوروبي والتي، تطال في كل الأحوال الأمور المالية والموازنات الخاصة بالبرلمان الأوروبي، والمجلس الأوروبي، والتصديق عليها من قبل البرلمانات الأوروبية.. إلخ، فإن السياسة المتبقية تكمن بحزم في وجود دول قومية ربما رغبت أو لم ترغب في التنسيق معهم. واحدى النتائج المترتبة على هذا التنسيق هي النمو السيء ومعاهدة الإستقرار التي تحتاج إلى إصلاح إلا أنها ومن الجانب الدستوري معاهدة وافقت عليها الدول الأعضاء باختيارها، ولحسن الحظ، يمكن تغييرها بشكل اختياري وعلى الرغم من أنني أشاطر كاليتسكي انتقاداته الحادة إلا انني أفضل الدخول في جدل حول تغييرها عوضاً عن استغلالها كذريعة من أجل إنهاء المبادرات الأوروبية المشتركة.غير أنني أبوح بنزعتي الأوروبية وعلى الرغم من إعجابي بالولايات المتحدة، إلا أنني أقول بأن الأوروبيين، بما في ذلك البريطانيون، لديهم أولويات وافكار مختلفة تستحق منا التعبير عنها على نحو موحد لا بشكل فردي، إن عدم سير الأمور على ما يرام لايعطي مبرراً لتوقف الجهود بل إنه وعلى العكس يشكل دافعاً قوياً للقيام بما هو أفضل، إن رؤية المسودة التمهيدية للدستور التي تشتمل عليها الوثيقة الأوروبية على أنها تتيح فرصة التغيير الحقيقي لايمكن أن تتحقق لك إلا إذا كنت من الذين يؤمنون بالإتحاد الأوروبي وهو في النهاية جوهر القضية. ترجمة: مريم جمعه فرج عن «أوبزرفر»