الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 يبقى حلف شمال الاطلسي «الناتو» اليوم تحالفاً فريداً وقيّماً. وبصفته اهم مؤسسة دولية خدمت مصالح الامن القومي الاميركي خلال الحرب الباردة، فقد واصل «الناتو» منذ ذلك الحين العمل كأداة يعتمد عليها في التعاون العسكري متعدد الاطراف. وقد شكلت برامج التوسع للحلف واغراء العضوية بالنسبة لبلدان الكتلة السوفييتية السابقة ـ شكلت اساس السياسة الامنية الاميركية في وسط اوروبا واوروبا الشرقية لعقد كامل. وتماماً مثلما يعتبر الناتو الفعال والسليم حيوياً للأمن القومي الاميركي، فإن الالتزام الاميركي القوي بالحلف يعتبر حيوياً لازدهار الناتو في المستقبل. وتركز النقاشات السياسية التقليدية الدائرة حول المستقبل الغامض للناتو على التحدي الذي يفرضه الارهاب على المهام والقدرات العسكرية للحلف، وكذلك على هوية الدول التي ستكون التالية في الانضمام اليه وهذان الموضوعان كانا الرئيسيين في قمة «الناتو» التي عقدت في براغ. ولكن هذه النقاشات تحجم عن رؤية مشكلة اكثر جذرية، وهي ان المزايا ذاتها التي تجعل «الناتو» يعمل تقف الآن معرّضة للخطر. ان «الناتو» هو حلف عسكري متعدد الاطراف، فاعل بشكل فريد، وذلك راجع بالتحديد الى انه تجمع امني سياسي لدول ذات قيم مشتركة ومؤسسات ديمقراطية. و«الناتو» ينجح في عمله لأنه عسكري وسياسي بطبيعته. اضعف التماسك السياسي للناتو، وستكون النتيجة وجود حلف عسكري تقليدي ببعد واحد يكون عاجزاً عن العمل بفاعلية. وعلى نحو يدعو للأسف، فإن الاهتمام الكبير الحالي بالكيفية التي سيتم بها تحديد المهام العسكرية وما اذا كان الاعضاء ينفقون اثنين في المئة من ناتجهم المحلي الاجمالي على الدفاع قد حجب ازمة اكثر الحاحاً وهي ان: الناتو يحتاج الى اتخاذ خطوات تضمن ان الاعضاء القدامى والجدد والمستقيلين سيلتزمون بمعاييره السياسية وبالتالي يؤمّنون تماسك وترابط الحلف. واذا كان الناتو مكرّساً حقاً لحماية الديمقراطية. وحقوق الانسان وحكم القانون، فإن اعضاءه لا يمكن ان يكونوا معفيين من الالتزام بتلك المبادئ.لقد عملت الحلقة الذهبية لعضوية «الناتو» بشكل اكيد كحافز قوي للاصلاح الداخلي وتبني الطابع الغربي في ارجاء وسط اوروبا واوروبا الشرقية. ولكن ما الذي جرى الان حتى اصبحت هذه الديمقراطيات الجديدة اعضاء؟ ما هو حافزها للاستمرار على طريق الاصلاح والتقارب من المجتمع الامني الغربي المتمثل في «الناتو»؟ في الحقيقة انه لا وجود لمثل هذا الحافز. فوحده تقريباً بين المؤسسات الدولية، لا يملك «الناتو» اي اجراءات للتعامل مع الاعضاء الذين ينتهكون قواعده ومعاييره.وبالتالي، يتعين على اعضاء الحلف ان يتفقوا على تعديل معاهدة حلف شمال الاطلسي لاتاحة المجال امام المعاقبة او تعليق العضوية او حتى الطرد للاعضاء المرتدين. والهدف من مثل هذا التعديل سيكون زيادة قوة الحافز لدى الاعضاء لتنفيذ المعايير السياسية والالتزام بها لكي يستمر الحلف في العمل. وفي الوقت الحاضر، يعمل «الناتو» مثل فريق لكرة القدم يجري اختبارات لاختيار اللاعبين، ولكنه لا يمكنه بعد ذلك ان يشطب المقصّرين من القائمة اذا توقفوا عن التمرين وفقدوا مهاراتهم ووضعيتهم الجيدة.واذا ما قدّر لـ «الناتو» ان يظل فريقاً ناجحاً، فإنه يحتاج الى آلية موثوقة لايقاف الاعضاء المتراخين واسقاط عضويتهم في نهاية الامر. هنالك سببان وراء حاجة اعضاء «الناتو» الى التشدد من تلقاء انفسهم. اولاً، من المسلم به بوجه عام ان احد اهم الاسهامات التي قام بها «الناتو» للأمن عبر الأطلسي يتمثل في الدافع الذي يوجده احتمال العضوية لدول الكتلة السوفييتية السابقة كي تنخرط في اصلاحات مكلفة ومثيرة للجدل. وماعليك الا ان تؤكد لمسئولة في «الناتو» ان الحلف قد فقد هدفه مع نهاية الحرب الباردة، وستشرح لك كيف ان بولندا استطاعت ان تنجز تحسينات مهمة في السيطرة المدنية على قواتها العسكرية لأنه تم التوضيح لقيادتها انه بدون هذه التغييرات فإن بولندا لن تصبح عضواً. واذا ما ووجهت بتحد حول فكرة ان الناتو اليوم يمنع حدوث دورات من انعدام الثقة ويبدد التهديدات التي قادت الى قرون من الحرب في اوروبا، فإنها ستشير الى ان المجر وافقت على ان تحل مطالبها الاقليمية التاريخية سلمياً مع جيرانها الذين يحسبون في الغالب الاقليات المجرية الكبيرة لديهم مواطنين.ولدى سؤالها حول الحكمة من الجولة التالية من توسيع الناتو، فانهاستتحدث حول الكيفية التي ساهمت بها حوافز العضوية في اعتراف لتوانيا بماضيها المعادي للسامية ودورها في الهولوكوست (المحرقة). ولأن عضوية «الناتو» لا تعطى بالمجان، ويجب ان تكتسب اكتساباً، فإن لدى الطامحين حافزاً قوياً لكي يتركوا وراء ظهورهم ماضيهم القومي وغير الديمقراطي من اجل توجه غربي، وفي الواقع فان تأثير هذا الحافز هو احد الذرائع الرئيسية للاهمية المستقبلية للحلف. واذا كان صحيحا ان التزام الدول بمعايير الناتو يعطي دفعة للامن الاميركي، فان المسألة المتعلقة بالزام الاعضاء بتلك المعايير ليست مشروعة فحسب وانما حيوية ايضا للمصالح الاميركية.والحجة الثانية لاخذ معايير الناتو السياسية على محمل الجد ينبغي ان تثير القلق حتى بالنسبة لاولئك الذين لايهتمون الا لفعاليته العسكرية ويعرف مسئولو الدفاع الاميركيون ان ما يجعل «الناتو» ينجح كحلف عسكري فاعل هو المشاركة اليومية لاعضائه في لجانه وتخطيطه العسكري ومناوراته والقيادة العسكرية الموحدة والتبادل العملياتي العسكري للناتو ـ السمتان غير المسبوقتين لقدرة الناتو وفاعليته ـ ينجح فقط بسبب آلية حل المشكلات العملية في «الناتو» والمباديء الجماعية التي تتيح له انتهاج سياسة موحدة وبالتالي قوية.. ويعتمد الاستعداد للعمل وفقا للاجماع على الثقة والامانة بين الاعضاء. وهاتان السمتان بالمقابل لهما جذورهما في الاهداف والقيم والمؤسسات المشتركة لاعضاء الناتو. وعلاوة على ذلك فان السياسات التي يتم اقرارها بالاجماع في «الناتو» وبخلاف تلك التي تقر بصورة مشابهة في معظم المؤسسات الدولية، هي في الحقيقة ذات مغزى واضح. فالحصول على اتفاق في الامم المتحدة تلك المنظمة الكبيرة والمتنوعة في توجهاتها يعني في الغالب الترويج لسياسات ضعيفة لن تعترض عليها اي دولة وعلى النقيض من ذلك، وكما قال مسئول في «الناتو» مؤخرا، فانه على الرغم من ان مواقف «الناتو» تعتبر القاسم المشترك الاصغر حول اي مسألة مطروحة الا ان ذلك القاسم المشترك الاصغر غالبا مايكون ذا مغزى كبير، لان اعضاء «الناتو» يشتركون في المصالح والاهداف والقيم. ولو كان الامر على غير هذا النحو، لكانت العملية الاجماعية ستفرز على الارجح سياسات لا مغزى لها ولا تستحق التطبيق، وبخاصة في الحلبة العسكرية. وفي النهاية فان «الناتو» يعمل كحلف عسكري، لان اعضاءه يتقاسمون تراثا مشتركا من الحكم الشفاف والعادل والاحتراف العسكري في خدمة السلطة المدنية وفعالية الحلف منغرسة بشكل يتعذر تجنبه في مزايا اعضائه وبشكل اساسي في قيمهم ومؤسساتهم الديمقراطية، وان وجود الناتو بعضو او اثنين تحكمهما قيادتان مصابتان برهاب الاجانب او ديكتاتوريتين او فاسدتين لن يكون مجرد احراج له وانما سيكون فشلا مطلقا وعلى غرار الفريق فان الناتو يكون جيدا بجودة اعضائه.ما الذي سيحدث لهذه المؤسسة الفاعلة اذا لم يعد بالامكان الثقة بأحد اعضائها؟ كيف يمكن للجان «الناتو» ان تعمل اذا لم يكن بالامكان الاعتماد على احد اعضائه في المحافظة على الاجراءات الديمقراطية. واقتلاع الفساد او ضمان ممارسة السلطات المدنية لسيطرتها على العمليات العسكرية؟ كيف يمكن لقيادته العسكرية ان تخطط العمليات اذا كانت ستضم ضباطا من دول لديها مزاعم تحررية وحدوية خامدة ضد جيرانها؟ الجواب على ذلك بالنفي. ففي ظل تلك الظروف لن يخسر «الناتو» تماسكه السياسي فحسب، وانما ايضا قدرته على اتخاذ عمل عسكري مشترك دعما لسياسة تحالفية قائمة على الاجماع ومهما يكن المستقبل العسكري للناتو، فانه يجب ان يقوم على التزام سياسي مشترك. والاسوأ من ذلك هو ان وجود معايير للعضوية بدون عقوبة يوجد عمليا حوافز للتقصير و«الناتو» يعتبر مؤسسة امنية عالية الاهمية والعديد من الدول تسعى للانضمام اليه لكي يكون اكثر امانا وبدون وجود آلية معينة لضمان مساهمتها في الالتزام بمعاييره، فان اغراء العضوية سيصبح بحد ذاته حبة السم الذي سيدمر فاعلية الناتو. وهذه المشكلة المتعلقة بـ «المجازفة الاخلاقية»، وهو ظرف لا يضطر فيه المرء الى دفع ثمن لخوض المجازفة او السلوك المنتهك للقوانين، معروفة تماما في الدوائر المالية والاقتصادية، خذ على سبيل المثال، حالة مقرض يقدم قرضا لدولة مدينة محتملة انطلاقا من علمه بأن صندوق النقد الدولي لن يسمح للدولة المدينة بالتخلف عن سداد الدين، وفي العادة فان تقديم القروض هو امر محفوف بالمخاطر وعندما يعمل السوق بصورة ملائمة فان المجازفات غير المحسوبة لن تقبل، والقروض المعدومة لن تقدم غير انه عندما يتم ضمان القرض من قبل هيئة خارجية، فان السوق يفشل. وبخلاف ذلك فان المجازفة الاخلاقية تغير من الحسابات الحذرة وتعطل النظام وتعمل فعليا على تشجيع السلوك غير المسئول والمحفوف بالمخاطر. ودفعت مشكلة المجازفة الاخلاقية بالاتحاد الاوروبي الى مطالبة الدول الاعضاء بتبني عملته الموحدة اليورو، من اجل الانضمام الى معاهدته للاستقرار كذلك، وبموجب معاهدة الاستقرار فان على الاعضاء ان يتعهدوا بمنع العجوزات الحكومية او يخاطروا بمواجهة العقوبات ولو لم يكن هذا الاجراء الوقائي موجودا لكانت الدول ذات الاقتصادات الضعيفة والعجوزات الكبيرة تتلهف للانضمام من اجل الاستفادة من الرخاء وسياسة الموازنة المسئولة للدول الاخرى، وهؤلاء الاعضاء غير المسئولين سيحصدون فوائد التضخم المنخفض والسياسة السليمة في الدول الاخرى الاعضاء في الاتحاد الاوروبي بدون الاضطرار لدفع التكاليف او تخفيض عجوزاتها ولكان يحكم على مشروع عملة اوروبية مشتركة قوية بالفشل من قبل حتى ان يبدأ وعلى نحو مماثل فانه يتعين على الناتو ان يأخذ المعايير السياسية لعضويته على محمل الجد للنجاة من الدورة التنازلية الكارثية التي يمكن ان تولدها المجازفة الاخلاقية واذا لم يتم تشريع عقوبة لاولئك الذين ينتهكون معايير عضوية الناتو، فان منتهكي القوانين سيصبحون اكثر المتقدمين تحمسا لعضوية الحلف. ترجمة: ضرار عمير عن «فورين أفيرز»