الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 وسط الاجواء المتوترة المحيطة بمؤامرة الاغتيال الشبيهة بتلك الاجواء التي يصادفها القاريء في روايات جراهام جرين الجاسوسية المثيرة، بدأت جولات السفير الأميركي الشاقة في اليمن الهادفة الى الحصول على المعلومات المطلوبة حول ما اسماه احد المسئولين بـ «عراب الارهاب». شق ادموند هل الرجل قصير القامة حاد الملامح، طريقه عبر الاراضي الصحراوية وحوله جيش من رجال الامن ومسئولي جهاز المخابرات الاميركية المركزية الـ «سي. آي. أيه» لمقابلة عدد من رجال القبائل الاشداء المعروفين بايوائهم لاعضاء الخلايا التابعة لاسامة بن لادن. ونقل عن مسئولين يمنيين كبار ومصادر قبلية قولها ان السفير الأميركي وهو احد ابرز خبراء مكافحة الإرهاب الذين عرفتهم واشنطن هو المسئول عن عملية القصف بصواريخ «هليفاير» التي تكللت بالنجاح. ويضيف هؤلاء المسئولين الاميركيين دفعوا لرجال القبائل المحليين في اليمن المال مقابل معلومات ساعدت على تحديد المكان الذي يوجد فيه قائد سالم سفان الحارثي، الذي يشتبه الاميركيون بضلوعه في التخطيط للهجوم على السفينة الأميركية «كول» في اكتوبر 2000. وعلى الرغم من ان الهجوم يبدو منسجماً مع الرؤية الاميركية الجديدة المتعلقة بالضربات الوقائية الموجهة ضد الارهاب الا انه اثار غضب المسئولين اليمنيين. يتمحور هذا الغضب حول الاسلوب الذي ادار بواسطته السفير الاجتماع الذي ضم عناصر الاستخبارات المشاركة في العملية وبعد ذلك عندما اقدم مسئولون اميركيون كبار من بينهم مساعد وزير الدفاع بول ولفوويتز على فرق اتفاقية سرية واستغلالها في شن الهجوم. في مقابلة معه يقول يحيى.م . المتوكل نائب الامين العام لحزب المؤتمر الشعبي اليمني الذي كسر جدار الصمت المضروب حول هذه القضية: «لهذه الأسباب يتعذر علينا ابرام اتفاقيات مع الولايات المتحدة. لهذه الاسباب نحن نعارض العمل معهم عن قرب. انهم لا يقدرون الظروف الداخلية لليمن. في الامور التي تتعلق بالأمن، انت لا ترغب في ارسال تحذيرات للعدو. ومن جانبه رفض السفير الذي مضى على تجربته في التنقل بين دول الشرق الاوسط وواشنطن عقدين من الزمان التعليق على العملية أو على الدور الذي قام به بنفسه ووصفه المسئولون الاميركيون بأنه انجاز عظيم مميز في حرب واشنطن العالمية الشاملة التي تشنها ضد الإرهاب. تضمنت قائمة القتلى الحارثي، وفيما يستمر البحث عن هوية الخمسة الآخرين يعتقد بأن احدهم هو كمال درويش، وهو سعودي مولود في الولايات المتحدة، يشتبه في تورطه في مساعدة خلية ارهابية تمت مداهمتها في بافالو بالولايات المتحدة. يقول المسئولون اليمنيون بأن الهجوم لم يكن مفاجئاً بالنسبة لحكومة الرئيس علي عبدالله صالح. وتقول مصادر مسئولة عربية ويمنية ان السفير الأميركي وزملاءه المشاركين في العملية قد اوضحوا للحكومة اليمنية بحذر ان الولايات المتحدة هي وحدها التي تملك حق ملاحقة الاشخاص المنتمين الى القاعدة المشتبه في اشتراكهم في التخطيط للهجوم الذي اسفر عن مقتل 17 من رجال البحرية الاميركية العاملين على ظهر السفينة «كول». وفي حال عدم لجوء الحكومة اليمنية لاستخدام القوة للقبض على هؤلاء فان حكومة الولايات المتحدة مستعدة لتولى زمام الأمور. غير ان المسئولين اليمنيين لم يشعروا بالارتياح تجاه ما اسموه «التصرف المستقل المنفرد» من جانب السفير المقيم في احدى المناطق الريفية والذي يتحدث اللغة العربية. ويردف المتوكل الذي يبدو عليه القليل من الانفعال وهو يعبر عن رأيه اثناء وجوده في غرفة الاستقبال الانيقة: «نحن لا نشعر بالرضا عن الاسلوب الذي تم التعامل به مع رجال القبائل، كانت هناك جولات دبلوماسية ومحادثات واموال تم تسليمها وعلى الرغم من اننا نعرف بأنهم كانوا سيقدمون على تنفيذ ما يريدونه شئنا ام ابينا الا اننا لا نشعر على الاطلاق بالرضا عن الطريقة التي تم التعامل بها مع الأمر». الا ان القوات الأميركية كانت تمد اليمنيين برجالها من العاملين في مجال الاستخبارات بهدف مساعدتهم في حربهم على القاعدة واستمر ذلك لاشهر. وفي غارة عشوائية غير متوقعة شنها اليمنيون على الحارث وعدد من مقاتلي القاعدة في شهر ديسمبر الماضي قتل 18 من جنودهم. وشعر الدبلوماسيون الغربيون بالقلق تجاه عدم رغبة اليمنيين في توجيه ضربة أخرى على نحو منفرد. وقالت مصادر يمنية مسئولة ان القوات الخاصة التي يقودها نجل الرئيس اليمني احمد عبدالله صالح لم تقم بمهاجمة الحارثي بسبب انشغالها بالتدريب مع القوات الأميركية، والحاجة الى المزيد من الوقت لاكتساب المهارات اللازمة. وقد صرح المسئولون الأميركيون بأن نفاد صبرهم المتزايد تجاه تحركات صنعاء البطيئة لمواجهة الارهابيين ربما حملهم الى عدم قبول أي أعذار اخرى. وفي تلك الاثناء كانت الاشارات القوية المرسلة من احدى القواعد الأميركية الواقعة في الأراضي الجيبوتية تبث بواسطة الفيديو صوراً من داخل الاراضي اليمنية. لكن المسئولين اليمنيين صرحوا بأنه على الرغم من علمهم المسبق بأن القوات الأميركية لديها طائرات هليكوبتر محمولة على ظهر سفن مرابطة في مياه البحر الاحمر يمكن بواسطتها تجهيز هجوم تقوم به في غضون ساعات قوات من رجال الكوماندوز في داخل الاراضي اليمنية، الا ان هذه العملية قد تفسح المجال لشن حرب عصابات. ثم تلت ذلك ضربة السفير الاستخباراتية. وتقول بعض المصادر ان رجال القبائل اليمنيين معروفون بعدم قدرتهم على كتم الاسرار، واذا وجد من يمدهم بالمال فان هؤلاء لن يتأخروا في الافشاء بما يعرفونه من معلومات عن الحارثي. الا انهم وفي اثناء تجمعات مضغ القات كانوا أيضاً يتحدثون عن التفاصيل المتعلقة بالخطط الجديدة الرامية إلى الايقاع به. ومن جانبهم يقول مسئولون في أجهزة الاستخبارات الأخرى بأن التنسيق بين أجهزة المخابرات ربما يكون قد نجح في رصد مكالمة هاتفية قام بها الحارث وساعد في الكشف عن مكان تواجده. وهكذا فحتى لو انطلقت هذه التحركات فان المسئولين الأميركيين كانوا يعرفون ان عليهم ان يتحركوا على وجه السرعة. وما كان منهم الا ان انتظروا ليقود سيارته في منطقة غير مأهولة بالسكان بعيداً عن منزله. ويعلق دبلوماسي غربي في منطقة شبه الجزيرة العربية على ذلك بقوله: «انهم يقصد الاميركيين لم يقصفوا عرساً، او يصيبوا احداً منهم أو يقتلوا عدواً كبيراً منهم ومن هذا المنظور فان الضربة كانت موفقة، نظيفة وهادئة. الا ان هذا الحكم لم يكن كافياً للتخفيف من مشاعر الغضب لدى كبار المسئولين اليمنيين، ومنهم المتوكل الذي يشعر بالقلق تجاه عدم الاستقرار الذي ستعاني منه حكومتهم في حال النظر اليها باعتبارها حليفة للولايات المتحدة. وقال «نحن نريد ان نضمن قدراً اكبر من الاستقلالية لقواتنا المسلمة. وكنا نسعى لتوضيح وجهة نظرنا القائلة بأننا لا نريد الاميركيين ان ينصرفوا لانهم اتوا الى هنا فقط لكي يستلموا اعداءهم ويغادروا. عن «كريستيان ساينس مونيتور»