السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 كان بائع الصحف ينادي نداءه الشهير.. اهرام.. اخبار.. جمهورية واصحاب المحلات في شارع محرم بك بالاسكندرية يتهيأون لفتح محلاتهم مع بداية يوم جديد وصباح جديد عندما ظهر في بداية الشارع عيسوى تاجر السيارات المستعملة الى المقهى المواجه لمحل محمد ابراهيم تاجر قطع غيار السيارات المستعملة حيث كان على موعد مع صديقه محمد لاستلام قطع غيار مستعملة مستوردة من ايطاليا ولم يكن محمد قد وصل بعد فلم يجد امامه افضل من انتظاره على المقهى ونادى على بائع الصحف وطلب منه جريده. جلس عيسوي يتصفح الجريدة وكل فترة ينظر الى بداية الشارع متلهفا على مقابلة محمد الذي وصل بالفعل وتعانق الصديقان وسأله عيسوى: البضاعة وصلت؟ ـ وصلت وسليمة الحمدلله.. لكن سعرها اعلى قليلا: هذه المرة. ـ ليس مهما.. كله على حساب الزبون. ـ اذن اعطني عشر دقائق لافتح المحل ثم تأتي لاستلامها. ـ في هذا الوقت اكون قد انتهيت من قراءة الجريدة والشيشه. لم يكد محمد يدخل متجره حتى صرخ عليه عيسوى من جديد: الحق يا محمد. ـ ماذا؟ مالذي حدث؟ ـ هناك خبر في الجريدة ان الايطاليين اصحابك سيغادرون الاسكندرية كلهم الى بلادهم. ـ معقول! ـ انظر هاهو الخبر.. قرأ محمد الخبر بسرعة ولهفة.. وصرخ: يانهار اسود! ـ يا اخي تفاءل خيرا.. لعله خير.. ـ من اين تأتي الخير وكل شغلي على هؤلاء الطليان؟ ـ ربك لاينسى عبده. ظل محمد طيله هذا اليوم في حالة نكد شديد وعندما طلبته زوجته لتسأله شراء بعض الحاجيات للمنزل صرخ في التليفون واغلقه في وجهها.. وجلس وحده يندب حظه ماذا سيفعل الآن؟ اذا رحل الايطاليون فان حاله ستتعطل.. لقد كان يكسب كثيرا من بيع قطع الغيار المستعملة للسيارات الايطالية التي يملكها الايطاليون الذين كانوا زبائنه وكان وجودهم الكثيف وتعامله معهم يجعله من الموسرين حتى انه لاطمئنانه للمستقبل تزوج من امرأة اخرى سرا دون ان تعلم زوجته الاسكندرانية واسكنها في شقة خاصة بها بالدقي بالقاهرة.. كيف يستطيع ان يعول هاتين الزوجتين بعد رحيل الايطاليين؟ ياله من يوم شؤم. قبل ان يغلق محله في نهاية النهار اقترب منه صديقه الوحيد عبده الميكانيكي وسأله، ما بك اليوم؟ ـ خلاص الايطاليون سيغادرون الاسكندرية. ـ وما المشكلة يا ماريو؟ ـ ماريو.. ألا تزال تناديني بهذا الاسم؟ لن يصبح هناك ماريو.. الذين كانوا ينادونني ماريو سيرحلون. ـ ولكنك تتحدث الايطالية.. لماذا لا تسافر الى ايطاليا وتستغل لغتك الايطالية وتعمل في استيراد قطع غيار السيارات لحسابك وتستغل اصدقاءك هناك في تسهيل هذا العمل لك؟ ـ وهل تعتقد ان هذه الفكرة ستنجح؟ ـ لن تخسر شيئا.. ويمكنك ان تغطي تكاليف رحلتك بشراء تحف من خان الخليلي وتبيعها هناك بأضعاف ثمنها ومن ارباح البيع تغطي تكلفة سفرك، هذا اذا فشلت في عقد صفقة قطع غيار السيارات. ـ استحسن ماريو او محمد الفكرة وشرع على الفور في استخراج جواز سفر جديد له واستعان بأصدقائه الايطاليين في الحصول على تأشيرة سفر لايطاليا، وسافر الى القاهرة حيث ودع زوجته الثانية ومر على خان الخليلي واشترى مجموعة كبيرة من التحف والهدايا التراثية التي يعشقها الاجانب وسافر على احدى البواخر المتجهة الى ميلانو. كان في حافظته مجموعة عناوين لاصدقائه الحميمين من الايطاليين الذين عاشوا طويلا بالاسكندرية وتعلم منهم لغتهم حتى اصبح معروفا لديهم باسم ماريو.. وعندما رست الباخرة التي اقلته على رصيف ميناء ميلانو، خرج من الميناء الى الشارع حيث طلب من سائق تاكسي توصيله الى عنوان صديق له باحدى ضواحي ميلانو. لم يصدق ستيفانو بوتشى صديقه الايطالي نفسه وهو يفتح باب شقته انه امام ماريو الذي استضافه دائما في بيته في الاسكندرية وتسامر معه ليالي طويلة. عانق ستيفانو محمد عناقا طويلا وسأله بالعربية كيف حال العمل معك ياماريو؟ ـ يمكن ان تقول انني افلست فعلا. ـ لماذا؟ ـ لأنكم تركتم الاسكندرية وكان عملي معكم انتم سواء اصلاح سياراتكم التي اخذتموها معكم او بيع قطع غيار السيارات. ـ تقصد المستعملة التي كنت تخدعنا وتبيعها غالية لنا؟ ضحك الاثنان ولكن محمد عاد فقال لصديقه: لقد جئت لايطاليا ابحث عن عمل او تجاره. ـ وهل معك اموال. ـ لا ولكن لدي تحف ارجو ان تساعدني في بيعها لأشتري بثمنها قطع غيار سيارات مع ما معي من اموال الى ان نرى ما النتيجة. لم يتخل ستيفانو عن صديقه محمد او ماريو كما كان يناديه وساعده بالفعل في بيع التحف والهدايا التي جلبها معه من مصر ثم ساعده بعد ذلك في شراء قطع غيار السيارات المستعملة واستضافه طيلة المدة التي مكثها في ميلانو الى ان غادر. نجحت هذه الرحلة في تحريك الحالة المالية التي كانت قد ساءت بالنسبة له وبدأ يفكر بعد فترة في العودة من جديد الى ميلانو ومنها الى روما وتكررت سفراته وبدأت احواله المالية تتحسن بشكل ملحوظ لدرجة جعلته يطمئن نسبيا الى انه اصبح قادرا على اعالة الاسرتين اللتين كونهما ومع ذلك كان يشعر انه يبذل مجهودا كبيرا ويضيع وقتا طويلا ولا يجني الا القليل من الاموال بالكاد تغطي مصاريف اسرتيه ـ لذا عندما وصل الى ميلانو هذه المرة طلب من صديقه ستيفانو ان يساعده هذه المرة في ايجاد عمل له في ايطاليا. ـ ولكن اي عمل ياماريو يمكنك ان تعمل به هنا؟ ـ اعمل في مهنتي كميكانيكي او بائع قطع غيار سيارات. ـ دعني ارى ما يمكن ان افعله من اجلك ولكن هذا الامر يحتاج وقتا لذا لا تتعجل تحقيق هذا الطلب لك. ـ لايهم الوقت ولكن المهم ان تساعدني. ـ اعدك ان اساعدك. عاد محمد ماريو الى الاسكندرية مرة اخرى ومعه مجموعة من قطع غيار السيارات الجديدة التي حاول تهريبها من الجمارك الا انه انكشف واصبحت مشكلة كبيرة لم تنته الا بعد ان تنازل عن قطع غيار السيارات ودفع غرامة ايضا.. وفي اليوم التالي ارسل لصديقه الايطالي يروي له ماحدث معه، تألم صديقه ووعده ان يسر له بخبر مفرح خلال الاسبوع التالي. بعد اسبوع طلب ستيفانو من محمد ان يأتي على وجه السرعة الى ميلانو.. حيث وجد له عملا بشركه «راواتيكس» التي وافقت على استخراج تصريح عمل له وعمل اقامة قانونية له في ايطاليا. طار ماريو من الفرح وبعد ثلاثة ايام كان في ايطاليا حيث تسلم عمله الجديد بالشركة. كان للشركة فروع بمنطقة الشرق الاوسط ومن ضمنها مصر وتحديدا في الاسكندرية فاختارت الشركة محمد ليكون حلقة الوصل بين الشركة في ميلانو وروما والاسكندرية. ادى هذا الوضع الجديد الى تحسن احوال محمد المالية وتشعبت علاقاته وازدادت صداقاته واصبح معروفا في موانيء ومطارات ايطاليا ومصر من تعدد سفرياته المتلاحقة. صديق قديم كانت مفاجأة غير متوقعة عندما وصل محمد الى مطار روما ليفاجأ بشخص غريب يفتح ذراعيه له ويحتضنه مهنئا بسلامة الوصول. بعد هذا العناق المفاجيء كان محمد لايزال يحاول ان يتذكر الشخص الذي عانقه وناداه باسمه.. ولاحظ الشخص مايدور بذهن محمد فقال له: من الواضح انك نسيتنى.. ـ اعذرني.. جل من لاينسى. ـ انا ليون لابى. ـ اليهودي. ـ هو بعينه.. هل تذكرتني الآن؟ ـ ولكنك تغيرت كثيرا عما كنت بمصر. ـ في مصر كان شكلي مصريا.. ولكن انا الآن في ايطاليا فاصبح شكلي ايطاليا. ضحك محمد كثيرا ووقف يتذكر مع صديقه اليهودي ايام كانا معا في مصر، وتعجب من المصادفة التي قادت الاثنين الى اللقاء في مطار في بلد يبعد عن مصر آلاف الكيلومترات وقال له: صحيح المثل القائل .. مصير الحي يتلاقى.. لذا يجب الا نفترق مادمت انت هنا في ايطاليا.. سوف نستعيد ايام الصداقة القديمة.. أليس كذلك؟ رد عليه محمد: انا الذي لن اتركك.. انا لا اصدق اني وجدت صديقا قديما مثلك هنا في روما. ـ والآن الى اين انت ذاهب؟ ـ سأعود الى ميلانو اليوم. ـ وانا سأكون في ميلانو غدا. ـ اذن نلتقي في ميلانو. ـ في السابعة مساء على مقهى ليوناردو. ـ وهو كذلك. افترق الصديقان اليهودي الذي غادر الاسكندرية منذ عام 1952 بعد قيام الثورة وشعوره بالخطر مما قد يفعله رجال الثورة فيهم والمصري الذي كان حتى هذه اللحظة يتخبط وغير راض عن عمله او مستواه المادي ويكاد طموحه يقتله وامكانياته لا تساعده على تحقيق ما يفكر فيه. في السابعة تماما كان محمد يجلس في المقهى عندما ظهر امامه «لابى» فجأة حيث تعانقا من جديد ودعاه محمد لان يجلس الا ان الصديق اليهودي قال له ليس قبل ان ادعوك على عشاء فاخر. ـ اذن انت لست يهوديا. ـ هكذا انتم ايها العرب دائما تسيئون الينا وتلصقون بنا كل الصفات السيئة. ـ يا اخي لا تغضب.. انا امزح معك فقط.. وقد قبلت دعوتك. في افخم مطاعم ميلانو جلس لابي في مواجهة صديقة القديم يتبادلان الحديث الضاحك ووسط هذا الحوار الودي سأله لابي.. وكيف احوالك المادية؟ ـ اسوأ من السوء. ـ لماذا.. هل الوضع في مصر سييء لهذه الدرجة؟ ـ منذ ان قامت الثورة وجمال عبدالناصر يغير القوانين كل يوم ويضطهد الاجانب ويطردهم وآخرهم الايطاليين حتى ساءت احوال البلاد والعباد. ـ يعني هل افتقر الناس الى هذا الحد؟ ـ جدا.. ومستقبل الناس اصبح مجهولا ولا احد يعرف ما الذي سيحدث في الغد خاصة بعد تأميمه الشركات والمؤسسات وقضائه على رجال الاعمال واتهامه لهم بالاقطاعيين. ـ وماذا تعمل انت؟ ـ احاول ان اتكسب رزقي ما بين مصر وايطاليا ولكن هذا لايحقق احلامي بأي حال من الاحوال. ـ وما احلامك؟ ـ نفسي يكون عندي توكيل سيارات او شركة لبيع قطع غيار السيارات وابني فيلا اسكن فيها مع زوجتي. ـ امتزوج من اثنتين؟ ـ هذه هي مصيبتي الكبرى.. اخاف ان يأتي اليوم الذي لا استطيع فيه ان اعول هاتين الزوجتين واولادي منهما. ـ لا تخشى شيئا.. سوف تتحقق احلامك مادام صديقك لابي على قيد الحياة. ـ اشكرك جدا ياصديقي العزيز، ولكن ماذا يمكن ان تفعل من اجلي؟ من المؤكد انك ذو علاقات جيدة هنا في ايطاليا. ـ وفي مصر ايضا يا صديقي العزيز قلت لك لاتخشى شيئا وانا عند وعدي ولكن ليتك تزورني غدا في مكتبي هنا في ميلانو في شارع اوروبا رقم 12 بالطابق الثاني. دوّن محمد العنوان في ورقة حتى لاينساه ووعد صديقه اليهودي ان يكون عنده في صباح الغد. النجمة السداسية في العاشرة من صباح اليوم التالي توقف التاكسي الذي استقله محمد من المكان الذي يعيش فيه امام رقم 12 بشارع اوروبا وصعد على الفور الى الطابق الثاني الذي كان مغلقا من جانبيه وله باب واحد تعلوه نجمه داوود السداسية شعار الدولة العبرية، نقل محمد بصره بسرعة ليفاجأ بان العنوان الذي سيلتقي صديقه فيه هو مقر القنصلية الاسرائيلية في ميلانو حيث تشير اللوحة النحاسية الكبيرة اسفل النجمة الى ذلك!! لم يتردد محمد وقرع الجرس ففتحت الباب له فتاة ابتسمت له وسألته ماذا يريد؟ ـ معي موعد مع السيد ليون لابي.. اهو موجود؟ ـ نعم.. انت السيد محمد ابراهيم فهمي؟ ـ نعم.. انا هو.. وتعرفين اسمى بالكامل! اخبرنا السيد لابي انك ستحضر لمقابلته.. انه في انتظارك.. تفضل معي. قادته السكرتيرة الى مكتب فخم كان يجلس خلفه ليون لابي نفسه. رحب لابي بصديقه المصري بحرارة شديدة واخذ يتجاذب معه الحديث الى ان قال له.. هل تثق بي يا محمد؟ ـ كل الثقة. ـ ونحن كذلك نثق بك، فانت صديق قديم وانسان متفتح وذكي وطموحك كبير، وقد قررت ان اساعدك كما قلت لك على تحقيق احلامك.. لذا سأطلب منك ان تؤدي لى بعض الخدمات وسوف تجني الكثير من المال من ورائها وهذه الأموال ستحقق لك كل ما كنت تتحدث معي عنه. وقبل ان يفيق ماريو او محمد من المفاجأة ـ هذا اذا كان قد فوجيء بالفعل ـ اردف لابي قائلا: سأنتظرك غدا في روما في فندق ريتز لنتفق على كل شيء.. ثم نهض قبل ان يعطيه اية فرصة للرد عليه وودعه عند الباب بابتسامه عريضة تحمل من الدهاء اكثر مما تحمل من معنى الابتسامة. في الفندق اتسعت عينا محمد وهو يدخل الفندق الفخم الذي طلب منه لابي مقابلته فيه وقال لنفسه: هذه هي الحياة لاشك ان الليلة هنا بمليون ليرة وليس ثلاثة آلاف ليرة كالتي ادفعها في الفنادق التعيسة التي اسكنها عندما ازور روما.. يبدو ان الدنيا قد بدأت تبتسم لي.. اقترب منه لابي ولمسه برفق وهو يضحك: ماهذا يا صديقي هل تحدث نفسك؟ ـ انه فندق فخم ياسيد لابي.. هذا لاشيء مما ستراه فيما بعد.. لقد حجزت لك جناحا لكي تستريح هنا قبل ان نتحدث في التفاصيل لذا اليك 100 دولار واصعد الى جناحك واسترح وفي الغد سوف ألاقيك في جناحك في العاشرة صباحا. لم يسأل محمد صديقه الاسرائيلي عن سر هذه المعاملة، ربما لانه كان يعرف وربما لانه يعرف ايضا ان موافقته على الحصول على المال دون مقدمات والسكنى على نفقة القنصلية الاسرائيلية لا تعني سوى شيء واحد وهو انه مشروع جاسوس رخيص بكل المقاييس وان كل هذه الخطوات هي خطوات تمهيدية يقوم بها الاسرائيلي قبل ان يطلب مباشرة من صيده الثمين الدخول الى فخ الموت وطريق الخيانة المؤدي اليه. يهودي آخر.. في العاشرة صباحا كان لابي يطرق باب الجناح الخاص بالصيد الجديد ولكنه لم يكن وحده كان معه شخص آخر عندما فتح ماريو الباب قال له لابى.. اقدم لك صديقى ابراهيم.. وهو ضابط بالمخابرات الاسرائيلية ورئيس فرع مكافحة الشيوعية في البلاد العربية!! ثم التفت الى ابراهيم وقال له: وهذا صديق ماريو انه مصري لكنه مشهور باسم ماريو. كانت المفاجأة التي عقدت لسان ماريو ان ابراهيم هذا كان يتحدث اللغة العربية بطلاقة وباللهجة المصرية!! اكتشف ماريو ذلك عندما قال له ابراهيم.. لقد حدثني صديقك لابى عنك كثيرا وعن ذكرياتكما معا منذ ان كان في مصر وبصراحة نحن نعمل في مكافحة الشيوعية في المنطقة نحن لانريدك ان تخون وطنك كل ماهو مطلوب منك بعض المعلومات عن الشيوعية في مصر والشيوعيين وسوف اعطيك راتبا شهريا ثلاثمئة دولار.. لم يكن ماريو أبله حتى لايفهم ان ما يطلبه ابراهيم يصنف تحت باب الجاسوسية وان ما تقاضاه من اجر هو لقاء تجسسه على وطنه وهو ثمن بخس جدا في مقابل الخيانة والسقوط بل ان اموال الدنيا بطبيعة الحال لاتعادل ان يفشي مواطن سرا الى اعدائه الذين يفترض انهم في حالة حرب معا حتى لحظة الاتفاق.. ولو كان انسانا شريفا لكان قد تراجع عندما طلب منه ابراهيم في الجلسة نفسها ان يستعد لدورة يتعلم خلالها كيف يجمع المعلومات وكيف يصور بكاميرا خاصة العمل التجسسي وكيفية قياس الارتفاعات والمساحات وكيفية اطلاق الشائعات وزوده ابراهيم بمجموعة من النكات التي تتهكم على جمال عبدالناصر لينشرها في اوساط المصريين المختلفة. ظل ماريو يتلقى هذه التدريبات لمدة شهر كامل قبل ان يسلمه ابراهيم لمدرب آخر اسمه «فوراحى» اخذ يدربه على الاستقبال والارسال اللاسلكي وطرق كتابة الرسائل السرية وبعد ان انقضى الشهر استلم دولارات الخيانة وعاد الى مصر. كان هذه المرة مختلفا عن سابقاتها عندما عاد الى الاسكندرية كانت سعادته لاتوصف بالاموال التي في حوزته ثمن بيع اسرار الوطن وظل يتنقل ما بين زوجتيه ويحتك بالمصريين بمختلف طوائفهم ويسرب اليهم النكات التي تزعزع الروح المعنوية للشعب وجمع قدرا هائلا من المعلومات وعاد الى ايطاليا، وفي ايطاليا طلب منه الاستمرار في مهمته طيلة فترة اقامته في روما وميلانو من خلال المصريين القادمين من مصر او التجار الذين يفدون لشراء السيارات الايطالية وقطع غيار السيارات وعندما ازدادت ثقتهم به طلبوا منه تجنيد من يراه مناسبا للعمل معهم بنفس راتبه. اريد عملا.. دخلت فاتن وليكن هذا هو اسمها لمحل قطع غيار السيارات الذي امتلكه ماريو في حي راق بالاسكندرية تسأل عنه فرد عليها الموظف الذي يقوم بالعمل في حال غيابه انه في الخارج الآن واذا كانت تريد منه اي شيء فسيقوم بابلاغه له. ـ نعم لقد طلبت منه مساعدتي في شراء سيارة ايطالية مستعملة قبل ثلاثة شهور ووعدني ان يحضرها معه في زيارته الى ايطاليا ليتك تذكره وقل له فاتن التي حدثتك بخصوص التاكسي وعدها الموظف بابلاغ رسالتها لماريو وطلب منها ان تترك رقم هاتفها فربما يحتاج لابلاغها بشيء. تركت فاتن رقم هاتفها للموظف وغادرت عائدة الى منزلها.. كانت فاتن قد تخرجت في الجامعة منذ ثلاث سنوات وبحثت عن عمل في اكثر من جهة لكنها لم توفق رغم اجادتها اللغة الانجليزية ورغم ثقافتها العالية، لذا فكرت ان تستعين بمدخراتها مع جزء مما ورثته من ابيها بعد وفاته لشراء تاكسي تؤجره لحسابها ليساعدها على الحياة مع اشقائها الذين لايزالون بمراحل الدراسة المختلفة، والتقت خلال بحثها عن العمل او من يبيع لها التاكسي بماريو الذي وعدها بالمساعدة ولكنه نسيها في غمرة انهماكه في الخيانة، ولكن ورغم ان فاتن لم تكن تعول كثيرا على ماريو او حتى على عامله في المتجر الا انها فوجئت به يتصل بها في منزلها ويعتذر لها انه نسيها طيلة هذه المدة واخبرها انه في ايطاليا ويمكنها الحضور لمشاهدة اكثر من سيارة لتختار الانسب لها كي تحولها الى تاكسي. وصلت فاتن الى روما وكان ماريو في استقبالها ورحب بها بحرارة واكد لها خلال اللقاء انه سيحقق لها امنية عمرها فقد وجد اكثر من سيارة مناسبة لها وطلب منها ان ترافقه الى ميلانو وهناك انزلها بفندق على ان يلتقيا في الصباح للمرور على المعارض المختلفة كان ماريو يخطط منذ ان طلب منه رؤساؤه في الموساد اطياد هدف سهل كي يجنده للعمل لصالح «اسرائيل» ويحصل هو على مكافأته ولذا فعندما اتصل به مخدومه من مصر لمعت الفكرة في ذهنه مباشرة لماذا لا يجند فاتن خاصة ان ظروفها تتيح له فرصة ذهبية لاسقاطها في فخ الجاسوسية.. فهي مثقفة وتجيد لغة ولديها طموح وكبرى اخوتها ويمكن اصطيادها بسهولة. في الصباح اصطحب ماريو الفتاة الطموحة الى معارض السيارات وسألها كم تملك؟ فقالت: ألف دولار.. فكان يتعمد ان يترجم كلام البائعين عن اسعار السيارات بقيمة أعلى مما تملك.. الى ان عثر على سيارة فيات 125 وقال لها ان التاجر وافق على ان يبيعها لها بألف دولار دفعت فاتن ألف دولار ثمنا للسيارة ولم يتبق معها دولار واحد للشحن او حتى ايجار الفندق الذي تقيم فيه وقادت فاتن السيارة الى الفندق حيث اوقفتها هناك وهي تضرب اخماسا في اسداس للورطة التي وضعت نفسها فيها وقررت ان تطلب اجرة الشحن في الصباح من ماريو على ان تردها له بعد عودتها لمصر.. ولكن ماريو كان قد اختفى تماما ولمدة اربعة ايام قبل ان يظهر من جديد في الفندق لم تصدق فاتن نفسها وهي تسمع صوت ماريو يخبرها انه في بهو الفندق. نزلت بسرعة اليه وكأنها غريقة تم انقاذها من الموت غرقا ظهور ماريو.. سألته: أين كنت؟ ـ أنا اسف.. لقد كنت مشغولا في الايام الماضية ولكني اعرف انك بخير. كان يكذب بالتأكيد فجزء من خطته كانت ان يقضي على ما معها من اموال ويتركها وحيدة اياما طويلة نهبا للخوف والقلق من مصروفات الفندق واجرة شحن السيارة الى مصر حتى اذا ما عرض عليها خطة الخيانة توافقه على الفور. نهاية خائن ظلت فاتن تعاتب ماريو على غيابه وهو يقدم اعتذاراته الى ان هدأت فقال لها: دعينى اصالحك سوف ادعوك الآن لعشاء فاخر. سارت فاتن مع ماريو الى حيث دعاها، ودخلا معا مطعما فاخرا وجاء مجلسهما بالقرب من رجل وسيم يبدو من الشعيرات البيضاء في رأسه انه تجاوز الخمسين من عمره وبعد دقائق قام وبأدب شديد قال لهما.. معذرة هل يضايقكما لو طلبت من ادارة المطعم اغلاق المكيف الساخن حتى لا نصاب بالبرد عندما نخرج الى الشارع. رد ماريو: بكل سرور.. وبعد ان عاد الرجل شكرهما وتبادل الجميع الحديث وبعد ان انتهى العشاء استأذنهما الرجل في دفع الحساب الا ان ماريو اقسم ان يدفع هو.. فقال له الرجل موافق بشرط قبول دعوتي لكما على العشاء غدا. نظر ماريو الى فاتن التي كانت سعيدة بعد انتهاء أزمتها بظهور ماريو واعلنت موافقتها بالفعل التقى ثلاثتهم في اليوم التالي في المكان نفسه لتناول العشاء حسب دعوته لهما. بعد العشاء طلب منهما الصديق الجديد توصيلهما الى حيث يسكن كل منهما وفي الطريق جرى الحديث عن احوالها وكان من الطبيعي ان تخبره عن سبب قدومها الى ايطاليا والورطة التي وقعت فيها. ـ وهل انت مستعدة للعمل والاقامة في ايطاليا؟ ـ بالتأكيد. ـ اسمعي لدي عرض افضل لك.. ولكن اريدك ان تمري علي غدا في مكتبي. في مكتبه التقت فاتن وحدها بالصديق الجديد وسألته: قلت لي ان لديك عرضا افضل. ـ نعم.. لدى استثمارات في شركة انمائية كبرى واريد ان افتح لها فرعا في القاهرة ما رأيك ان تكوني ممثلة الشركة هناك؟ فرحت فاتن بهذا العرض الذي سيجعلها وسط اهلها وبوظيفة محترمة وراتب كبير.. واعلنت موافقتها على الفور وسألته: ولكن ما طبيعة الوظيفة؟ ـ لا شيء.. كل ما عليك الآن العودة للقاهرة وارسال كل المعلومات الاقتصادية التي يمكنك جمعها عن مصر وذلك لتحليلها وتحديد طبيعة عملك حتى نطمئن قبل ان نفتح فرعا بالقاهرة. وافقت فاتن على كل ما قاله وفي اليوم التالي وجدت ان الرجل دفع لها حساب الفندق ثم اعطاها تذكرة سفر الى القاهرة في الوقت نفسه الذي ابلغها فيه ماريو انه شحن لها سيارتها الى مصر!! في الطائرة عندما جلست فاتن في مقعدها في الطائرة بدأ شريط احداث الايام الاخيرة يدور في مخيلتها وكأنها تشاهد فيلما سينمائيا خياليا.. هل ما حدث امر طبيعي؟ رجل لا يعرفها يدفع عنها ايجار الفندق والسيارة تشحن لمصر دون ان يسألها عن السداد وتذكرة سفر لموظفة ليس لها حتى مجرد مكتب واختفاء ماريو وظهوره فجأة كذلك دخول هذا الرجل الغريب حياتها هكذا فجأة.. هناك امر غريب ومريب. وصلت في نهاية الرحلة الى قناعة تامة بأن ما حدث معها هو محاولة تجنيد للتجسس على مصر والا فلماذا يطلب منها هذا الرجل معلومات مهمة وخطيرة عن اقتصاد مصر وتصرفات ماريو والسيارة التي شحنت بلا مقابل.. ونزلت من الطائرة واستقلت تاكسي الى مبنى المخابرات العامة وروت كل ما دار معها لاحد كبار الضباط. ضغط الضابط على زر فدخل مكتبه ضابط آخر، اقترب من اذنه واسر اليه بجملة واحدة بعدها جاء الضابط الصغير بملف يحمل رقما.. فتح الضابط الكبير الملف واخرج منه صورا لشخص واحد وقال لها هل هو هذا ما تتحدثين عنه. قالت: نعم ياسيدي انه هو ماريو او محمد ابراهيم.. ـ لدينا علم به وكل المطلوب مجاراته. ـ ولكنهم يطلبون تقريرا اقتصاديا عن مصر. ـ سنعده لك اعدادا وافيا. بعد ايام حصلت فاتن على تقرير واف اعدته المخابرات المصرية وطلبت منها استدراجه لتسليمه.. وبالفعل جاء ماريو لاستلام التقرير وبعد ان خرج يحمل حقيبة تضم التقرير اطبقت عليه المخابرات وواجهته فلم ينكر وقدم للمحكمة العسكرية التي اتهمته بالخيانة العظمى وقضت باعدامه شنقا وصدق رئيس الجمهورية على الحكم ومات الجاسوس مشنوقا داخل منصة احد السجون بالقاهرة دون ان يدري عنه احد شيئا وكأنه لم يكن.