الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 في عام 1962، وصل الرئيس الفرنسي شارل ديجول الى المكسيك، واستأجرنا انا ومجموعة من الاصدقاء شرفة في فندق «ماجيستك» لمشاهدة وصول «شارل العظيم» الى ساحة عامة غاصة بالناس المتحمسين وكعادته نزل الرئيس الفرنسي من السيارة المكشوفة يستقبله «حمام من الجماهير المحتشدة» كما وصفه هو بنفسه وعندما تحدث في النهاية ـ بالاسبانية ـ من شرفة القصر الوطني المكسيكي، لم يكن اول حاكم أجنبي يمنح ذلك الشرف وحسب، بل مثل كذلك الصداقة العميقة التي تجمع بين فرنسا والمكسيك التي كانت اول دولة في العالم تعترف رسمياً بحكومة فرنسا الحرة اثناء الحرب العالمية الثانية. ولقد كان هناك شيء آخر ايضاً، ففي اوج الحرب الباردة مثلت المكسيك وفرنسا احداهما الاخرى، نحن في أميركا اللاتينية وهم في اوروبا، وهذا ما كان يمكن ان يطلق عليه اليوم «الطريق الثالث» الذي يجد انعكاساته في موقف دعم مشروط للولايات المتحدة ونقد عقلاني وبناء لأفعال واشنطن. انني اعرب عن فرحي الآن من ان ذلك الذكاء العميق ـ ان لم نسمه التحالف ـ في مواقف كل من المكسيك وفرنسا قد عاد للظهور بمناسبة النقاش الدائر حول العراق في مجلس الأمن الدولي، لكن الفرصة التي قدمتها الحالة العراقية للمجتمع الدولي لها هذه المرة وزن اكبر على صعيد التعبير عن الاختلافات وتلون المواقف، وعلى الأقل، تثبيت نظام تعددية أمام الهيمنة الأميركية هذا اذا لم يكن عالم ثنائي القطبية الذي ساد ايام الحرب الباردة. لقد كان ممكناً اثناء الحرب الباردة ان تسجل بدقة اختلافات تميل بدرجات مختلفة باتجاه واشنطن او باتجاه موسكو ووقفت هافانا مع الرسالة السوفييتية بشكل كامل ومصر مع الولايات المتحدة اما فرنسا والمكسيك فلقد مارستا حريتهما في التعبير عن رأيهما ببساطة، وهذا لا يعني عدم ارتباطهما بصداقة حميمة مع الولايات المتحدة، لكنه لا يعني مطلقاً ان تكونا عبدتين تتوسلان الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تمكن مانويل تيلو، وزير الخارجية المكسيكي، بشكل حاذق، من تجاوز الضغوط الهائلة التي مارسها الوزير الاميركي دين راسك كي تصطف المكسيك في اطار الموقف القاسي ضد كوبا وكان لدى المكسيك كذلك رأي عام ناشط وكونغرس معارض للتدخل في كوبا ومع ذلك تعلل الوزير تيلو بالدرجة الأساسية في ان المكسيك تمسكت بالقانون الدولي، الرفيق الملازم للأمن الوطني. بعد نصف قرن تقريباً، انتهت مملكة الحزب الثوري التأسيسي التي عمرت طويلاً، ومعها الحرب الباردة والاخطار والفرص التي قدمها عالم ثنائي القطبية الى الدبلوماسية المكسيكية (دعم أربينز والليندي، الاتفاق الفرنسي ـ المكسيكي حول السلفادور... الخ)، اما الرئيس الجديد فيسنتي فوكس، فلقد اعطى اولية مطلقة في موضوع السياسة الخارجية للعلاقة مع الولايات المتحدة والرئيس الجديد جورج بوش تطابق معه بشكل كامل، حيث كانت رحلة بوش الاولى للخارج الى مزرعة فوكس وهناك اعلن الرئيس الاميركي المكسيك على انها تحتل الاولية رقم واحد في سياسة واشنطن الخارجية. كان مضمون تلك السياسة ثلاثياً، عمل مرتبط بالهجرة ومحاربة تهريب المخدرات والتجارة وفي الجبهات الثلاث استثمرت الدبلوماسية المكسيكية رأس مال بالغ الضخامة وأهمية هذه الاجندة بررت الجهد وتحملت الانتقادات. الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بدل كل شيء فلم يتم التخلي عن كون المكسيك اولية وحسب، بل اختفت من شاشة الرادار السياسي للبيت الابيض بالكامل مع العلم بأن ذلك كله لم يقطع التدفق التجاري الثنائي الهائل بين البلدين، لكنه انقصه لأسباب تتعلق بظروف داخلية للاقتصادين. والمصادقة السنوية المشينة في المعركة ضد المخدرات تم التخلي عنها بشكل تشريعي من قبل البلد المستهلك الذي لجأ الى ذلك لمعاقبة البلد الممول، لكن الاتفاق حول الهجرة انهار بشكل خطير وفي المقابل حل مكانه الامن الحدودي والعنصرية وكره الاجانب وعواقب معيبة للغاية مثل صيد المهاجرين وسجنهم وحتى موتهم احياناً. المكسيك لم تتراجع عن السعي وراء اتفاقات تعود بالفائدة على كلا الطرفين: تجارة، عمل، محاربة الجريمة. كما لم تضن بلادنا بدعمها للاجراءات المعادية للارهاب الخاصة بأمة أميركية جريحة حتى الأعماق من خلال هجوم على قلب عاصمتها، لكن لم تكن المكسيك ولم يكن المجتمع الدولي، هما اللذان ازاحا النضال ضد الارهاب ووضعا مكانه نضالاً ضد «محور الشر» مزعوم وكأن هناك امكانية للمقارنة بين العراق وايران وكوريا الشمالية على حين ان الاختلاف بينها اوضح من ان يشار إليه. لقد كانت الولايات المتحدة هي التي تركت جانباً وبشكل مغلوط أولية انها كانت تعتمد على دعم شامل في حربها ضد الارهاب، وركزت على الهجوم ضد بلد محكوم مثل بلدان اخرى كثيرة من قبل رئيس اثار مشكلات على نطاق واسع. البديهية الثانية هي انه لا يوجد اي دليل لعلاقة بين تنظيم القاعدة والرئيس العراقي. والبديهية الثالثة هي ان الرئيس العراقي لم يلتزم بقرارات الامم المتحدة مصدقاً على صحة تفتيش ترسانة اسلحته، حاله في ذلك حال اسرائيل التي لم تنصع لقرارات مجلس الامن الدولي فيما يتعلق بالاراضي المحتلة في فلسطين. ان هذا الوضع الاخير هو الذي حمل الحالة العراقية الى أروقة مجلس الامن الدولي وذلك بفضل ضغط المجتمع الدولي كي لا تتصرف الولايات المتحدة بطريقة احادية وكذلك بفضل ان الولايات المتحدة رأت نفسها محمية قومياً وعالمياً بمظلة الأمم المتحدة اكثر من عدم وجود هذه المظلة. اذن لم تسع واشنطن سوى الى قرار يدافع عن هجومها ضد العراق وربما لم تنتظر بسبب غرور قوتها، اقتراحات حذرة ونوايا طيبة للتهدئة وتأكيدات على القانون الدولي مثل تلك التي شجعتها داخل مجلس الأمن، فرنسا والمكسيك، وخارجه غالبية الدول الاعضاء في منظمة الأمم المتحدة. ان الدليل ضد الرئيس العراقي واسلحته صحيح فهو لم يكمل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بخصوص التفتيش على الأسلحة والمنطق السليم يقضي بأن التصرف الملائم هو ان يطلب اليه قبول التفتيش العالمي بدون تحفظات، لكن التصرف غير الملائم هو استخدام هذا السبب كذريعة لغزو عسكري للعراق والتسبب في تغيير النظام وأكثر من هذا وذاك، وكما قيل في البيت الابيض اغتيال الرئيس العراقي، وكل ذلك سيؤدي في حال حدوثه الى عواقب لا تعد بالنسبة للأمن العالمي. التفريق بين الغزو والتفتيش كان عقدة مفاوضات المجلس وبيت قصيدها والعمل المشترك لوزيري الخارجية دومينيك دوفيلبان وجورج كاستنييدا والمبعوثين جين دافيد ليفي وادولفو اجيلار سينزر مدعومين من الرئيسين جاك شيراك وفيسنتي فوكس، يثبت انه حتى لو انتهت الحرب الباردة فعلاً ومعها نظامها ثنائي القطبية، الا انه تبقى هناك امكنة لبناء نظام عالمي جديد يتغلب (كما الأسد في عرينه) على الهيمنة الاميركية وبذلك ربما نكون قد دخلنا انطلاقاً من الحالة العراقية، في عصر عالمي جديد يقوم على المقاومة القانونية والتصور الدبلوماسي وانظمة التحالفات التي تكبح وتحاصر وحتى تقنع السلطة الأميركية بأن الغطرسة والجهالة يمكنهما ان تعميا البصر والبصيرة كما الغرور الذي يودي بصاحبه الى الهلاك، المقتدر وتقوده الى هاوية غير متوقعة. بلاشك سيكون هناك متسع من الوقت لحساب وربما اقامة الدليل على مخاطر عدوان اميركي على العراق حيث ستنتشر الفوضى وربما من منزل الى آخر والنتيجة اعداد متزايدة من الاموات بين المدنيين والعسكريين على السواء والذي يزيد الطين بلة هو استحالة ابتكار ديمقراطية خاطفة او فورية بين سكان العراق وهذا لا يعدو كونه خلطا تاريخياً بين النموذج الياباني وعلى رأسه الامبراطور وبين عراق محرر بحرب داخلية بدون سلطة معترف بها. ولا ننسى تأثيرات هذه الحرب على الانظمة القائمة في المنطقة بأسرها علاوة على عدم معاقبة القاعدة الحقيقية لمنظمة القاعدة الارهابية، التي ليست هي العراق طبعاً وانما باكستان واستفحال العداء بين كراتشي ونيودلهي بالاضافة الى انه ستكون هناك ايضاً حالة عدم توازن محتوم ومشؤوم في موارد الطاقة في حال استحوذت الولايات المتحدة على النفط العراقي (السبب العميق للنزاع) مختزلة أوروبا وروسيا والصين ومحولة إياها الى زبائن نفطيين خاضعين، اما الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي الذي يتوقف عليه في نهاية الامر، الاستقرار الشرق الأوسطي فإن تفاقمه سيزداد ونار المنطقة ستزداد لهيباً خاصة بعد ان حل مكان الاطفائي شيمون بيريز في وزارة الخارجية ذلك المهووس باشعال الحرائق بنيامين نتانياهو. بلا شك بدأت تتوالى التظاهرات الحاشدة (250 ألفاً في نيويورك و50 ألفاً في سان فرانسيسكو) ضد المغامرة النفطية لبوش وتشيني وزملائهما وكما تكهن قبل ايام في مدينة اوفييدو الحائز على جائزة امير استورياس للآداب، آرثر ميللر، ربما يتلاشى الموضوع العراقي، بعد انتخابات 5 نوفمبر، تدريجياً حتى يختفي تماماً من المشهد السياسي الأميركي. وكما في مناسبات عديدة سابقة اثار الموقف النبيل والبناء للحكومة المكسيكية جوقة من الاصوات المتوعدة ضد بلادنا وطبعاً تتولى صحيفة «وول ستريت جورنال» رئاسة جوقة العقاب هذه، اذ لن ينظر الى المكسيك بعد اليوم على انها شريك في الهجرة والتجارة وتهريب المخدرات بل كعدو حيث تقول «نيويورك تايمز» مرة اخرى اننا «جيران بعيدون». هذه ترهات، كما كانت تقول جداتنا الصغيرات الولايات المتحدة بوسعها ان تكشر عن انيابها في وجه الجمعيات والاستثمارات الاميركية في المكسيك ما لا تستطيع فعله هو وقف او حتى تقليص علاقة تعود بالفائدة بشكل هائل على قطاع خاص اميركي، فليس هناك مؤسسة اميركية في المكسيك مستعدة لقطع الأنف لتشتم الوجه. منذ متى اوقف رهاب ونزوات واشنطن المصالح المالية والاستثمار في المكسيك او في الصين؟ وفيما يخص تهريب المخدرات فإن الكرة في المرمى الاميركي اذ طالما يوجد ملايين المستهلكين من رعاة البقر الاميركيين ومصالح كبرى تقوم بحمياتهم سيتواصل تدفق السم من الجنوب الى الشمال ضد قانون الجاذبية. اننا نعيش عالماً جديداً حيث حلت احادية القطبية مكان ثنائية القطبية لكن التعبير نفسه يعكس تفسيراً مخالفاً، فالكرة الارضية تحتاج الى قطبين لتدور بشكل متوازن والقطب المضاد ليس هو الاتحاد السوفييتي بل يجب ان يكون الآن المجتمع العالمي بأسره بمواطن ضعفه البينة لكن مع قواه الممكنة. ان للمكسيك وفرنسا عملاً بناء عظيماً في المستقبل انطلاقاً من موقفهما المشترك ومن خلال المنطق وتنوع العلاقات السياسية والاقتصادية. بقلم: كارلوس فونتيس _ ترجمة: باسل أبو حمدة عن «البايس» ـ اسبانيا