الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 خلص القادة الصينيون والروس إلى نتيجة واحدة تمثلت في تبنيهم سياسات متشابهة تجاه واشنطن من منطلق القول بأنه: «من لا تستطيع مواجهته، فتعاون معه». فالسياسة الخارجية الاميركية تتمتع حالياً بتأييد قوى في مناطق كثيرة من قبل خصمي الماضي، موسكو وبكين، وتلقى معارضة بسيطة منهما في مناطق اخرى. وما كان رضوخها للقرار المتشدد الاخير الذي اتخذه مجلس الامن الدولي حول العراق، على الرغم من نجاح فرنسا في تخفيف حدته، الا احد مظاهر تماشي المواجهة مع السياسة الاميركية. هذا التأييد من قبل الصين وروسيا لا يأتي لان بكين وموسكو توافقان على كل السياسات الاميركية، حيث انهما تؤيدان حتى السياسات الاميركية التي لا توافقان عليها، ولكن يأتي من منظور المصلحة القومية للدولتين. فهما لهما مصلحة كبيرة من الا تحدث واشنطن مشكلات كبيرة لهما فيما يتعلق بالقضايا الاهم التي تقابلهما على الصعيدين الدولي والمحلي. فكل من الصين وروسيا تعيشان في خضم حركة كبرى من اعادة الهيكلة على المستوى المحلي، وفيما يتعلق بالصين، فإن الدولة تمر بحالة من تغيير القيادة. وكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني زيمين يعتقدان ان دولتيهما لا تملكان بعد من القوة ما يجعلهما قادرتين على الاضطلاع بأدوار عالمية مستقلة. وحتى يبلغا هذه القوة فهما بحاجة إلى وقت كي يركزا اهتمامهما على القيام بعملية تحويل لاقتصاد السوق الناشيء وبناء وتدعيم البنية التحتية وتكريس حكم القانون وتقوية الاصلاحات السياسية وحل المشكلات العرقية والاقليمية العسيرة على اراضيهما. فكل من روسيا والصين تواجهان مشكلات متعلقة بجمع الضرائب، ومكافحة الفساد، والسيطرة على اقاليم «متمردة» مثل الشيشان بالنسبة لروسيا وكسيانج بالنسبة للصين. وعلى الصين أن تعيد ضم تايوان اليها. ويجب ان تتم معالجة مشكلة البطالة، وباختصار فإن الشئون المحلية تؤثر على العلاقات الخارجية. وتعلم كل من الصين وروسيا ان الولايات المتحدة بقوتها وهيمنتها يمكن ان تحدث مشكلات كبيرة لهما، اذ يمكن لواشنطن ان تمنع منتجاتهما من الوصول إلى سوقها الضخم، وتقدم مساعدات إلى المنشقين والتايوانيين، وتوقف برامج التعاون في مجال التعليم والتسلح والاستثمار، وتمضي قدماً في برنامج الدفاع الصاروخي الذي يهدد دول العالم. وربما يتركز اكبر تهديد يمكن ان تمثله واشنطن لهما في امكانية منع روسيا والصين من الاشتراك في المنظمات الدولية. فبوتين قرر ان يندمج مع أوروبا، وهذا يعني الدخول في علاقات جيدة مع حلف الناتو والاتحاد الاوروبي. ويبحث كذلك الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهي المنطقة التي انضمت الصين اليها مؤخراً وتسعى ان تلعب فيها دوراً ايجابياً تستفيد منه بشكل كبير. ولكن اذا تم اغضاب واشنطن، فإنها يمكن ان تعوق بشدة انضمامها إلى «المجتمع الدولي». فضلاً عن ذلك فإن الصين وروسيا بالفعل لا تملكان الدافع القوي لتحدي القيادة الاميركية. فمسئولو الدولتين يعتقدون انهم طالما لا يفعلون ما يغضب واشنطن، فإن هذه الاخيرة لن تسبب لهما اي ازعاج. فإدارة بوش نفضت يدها من شكاوى حقوق الانسان، والحرب في الشيشان، والاوضاع في هضبة التيبت ودعم تايوان. وهناك تعاون ايجابي في مجال محاربة الارهاب والحد من اسلحة الدمار الشامل. ومؤخراً دخلت الدول الثلاث في تعاون قوي لانهاء برنامج كوريا الشمالية النووي. وفي الوقت نفسه، هناك بعض المصادر والدوائر في الصين وروسيا تلمح إلى انه امام الدولتين حوالي 20 عاماً كي يتمكنا من فرض ارادتيهما على الساحة الدولية. وتقوم الدولتان بتخفيف حدة عدم موافقتيهما على السياسات الاميركية التي كانت تدعو إلى استخدام الصواريخ الباليستية ضدهما اثناء الحرب الباردة. وتشتاط روسيا غضباً بسبب فشلها في الغاء تعديل جاكسون فانيك الخاص بقانون التجارة لعام 1974 والذي بموجبه تحد الولايات المتحدة من معاملاتها التجارية مع الدول التي لا توافق على هجرة مواطنيها، ولكنها لا تفعل شيئاً، وكذلك تسمح للقوات الاميركية بالتواجد في جورجيا وآسيا الوسطى، وتلتزم الهدوء بشأن توسيع عضوية حلف الناتو وتكتفي بالتشكيك في نظام الدفاع الصاروخي القومي الذي تسعى اميركا لانشائه. اما الصين فإنها اعربت عن معارضة شديدة ازاء تشجيع اميركا لاستقلال تايوان وتقديمها اسلحة متطورة لتايبيه وترى كل من الصين وروسيا ان مهاجمة اميركا للعراق امر سيجلب مشكلات كبيرة لهما، مثل خسارة الامتيازات النفطية الخاصة بهما في العراق، ودفع الديون المستحقة على بغداد، وامكانية نشوب حرب اوسع نطاقاً تشترك فيها اسرائيل. ولكن كما قال لي احد المسئولين الصينيين: «يجب علينا ان نجعل واشنطن سعيدة». من المهم للغاية ان تفهم ادارة بوش ان الامر غير متعلق بالصداقة او نشوء مصالح طويلة الامد بينها وبين كل من الصين وروسيا فعلى العكس تماماً نجد ان كلا من الصين وروسيا تستعدان، إن لم يكن لتحدي واشنطن، إلى ان تصبح في موقع يسمح لها بتعزيز مصالحهما من دون ان تعترضهما اي عوائق. بقلم: نيكولاس ببري _ ترجمة: حاتم حسين عن «موسكو تايمز»