الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 فجرت الجهود المكثفة لادارة بوش لمعالجة قضية العراق عن طريق حرب او انقلاب عسكري او عبر اي وسيلة اخرى، تحليلات مختلفة حول الدوافع التي توجهها. ويلاحظ اناتول ليفين الشريك الرئيسي لمؤسسة «كارنيجي» للسلم العالمي، ان هذه الجهود تستجيب لـ «الاستراتيجية الكلاسيكية الحديثة لحكم الاقلية اليمينية المهدد بالخطر، المتمثلة في التلاعب باستياء الجماهير القومية» من خلال الخوف من اعداء خارجيين. ويؤكد ليفين ان هدف الادارة الاميركية هو «تحقيق سيطرة عالمية احادية عن طريق تفوق عسكري مطلق»، الامر الذي يقف وراء هلع جانب كبير من العالم. ومع ذلك تغاضت ادارة الولايات المتحدة عن خيار بسيط يتعلق بغزو العراق، يتمثل في ترك قوى اقليمية مجاورة تفعل ذلك. قبل شرح هذا الاقتراح المتواضع، ربما يكون جديراً بالعناء ان توضح سوابق الميول الحربية عند واشنطن. فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، استخدم الجمهوريون التهديد الارهابي كذريعة تدفع باتجاه ان يقر برنامج سياسي يميني، وتجلت هذه الاستراتيجية خلال انتخابات الكونغرس بحرف الانتباه من الاقتصاد الى الحرب. وفي غمار الحملة الانتخابية حرص الجمهوريون على تجنب ان يوجه الناس اسئلة حول معاشاتهم التقاعدية وأعمالهم وضمانهم الصحي ومسائل اخرى من هذا النوع، واذ بدل ان ينهمكوا في هذا، كان مناسباً ان ينشغلوا بالاشادة بزعيمهم البطل لكونه انقذهم من دمار وشيك على يد عدو ذي قوة جبارة، بينما يمضي قدماً باتجاه مواجهة القوة الجبارة التالية المستعدة لتدميرنا. وفرت فظاعات الحادي عشر من سبتمبر فرصة وذريعة لتنفيذ خطط قديمة للسيطرة على الثروة النفطية الضخمة في العراق الذي يعد عنصراً مركزياً في ثروات الخليج التي وصفتها وزارة الخارجية الاميركية عام 1945 بأنها «مصدر عظيم لسلطة استراتيجية واحدى اضخم المواد الخام في تاريخ العالم». ذلك ان منابع الطاقة تغذي السلطة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة والسلطة الاستراتيجية تترجم بدورها كرافعة للسيطرة على العالم برمته. تفسير آخر مختلف هو ان ادارة بوش تؤمن بما تقول من ان العراق تحول الى تهديد لوجودنا ذاته ولوجود جيرانه. وهكذا يتعين علينا ان نكون متأكدين من تدمير اسلحة التدمير الشامل ووسائل انتاجها ومن القضاء على الرئيس العراقي على وجه السرعة، فالحرب يجب ان تشن هذا الشتاء لأنها اذا شنت في الشتاء الذي يليه فسيكون ذلك متأخراً للغاية. فحتى ذلك الحين، يمكن للخطر النووي ان يكون قد استهلكنا فعلاً حسب ما تتكهن به كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الاميركي لشئون الامن القومي. لنفترض ان ذلك التفسير صحيح. لكن اذا كانت سلطات الشرق الاوسط تهاب واشنطن اكثر مما تخشى الرئيس العراقي، كما يحدث ظاهرياً، فذلك يكشف فهمها المحدود للواقع فقط. والصدفة الخالصة هي التي جعلت حملة الانتخابات الرئاسية الاميركية تبدأ في الشتاء المقبل. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف لنا اذن ان نحقق اهدافنا المعلنة؟ يبدو انه قد تم تجاهل خطة بسيطة، ربما لأنه كان من الممكن اعتبارها عن حق، خطة خرقاء. لكن من المفيد التساؤل: لماذا يتمثل الاقتراح المتواضع بأن تقوم الولايات المتحدة بتشجيع قوة اقليمية مجاورة للعراق على غزوه مع تقديم واشنطن الدعم اللوجستي والعسكري اللازم (صواريخ، قنابل، قواعد.. الخ)، مع الابقاء على مسافة امان، وبذلك يتواجه اقطاب القوى الاقليمية في الشرق الاوسط احدهم مع الاخر. وهذا الاقتراح يتمتع بكثير من الايجابيات فيما يتعلق باحتمالاته. في المقام الاول، سيفضي الى هزيمة الرئيس العراقي الذي سيكون مقطع الاوصال عملياً، هو ومن يقف الى جانبه. وستدمر اسلحة التدمير الشامل التي يملكها الى جانب وسائل انتاجها. وفي المقام الثاني، لن تكون هناك خسائر اميركية مع انه من المؤكد ان كثيراً من ابناء القوتين الاقليميتين سيلقون حتفهم، لكن هذا من الصعب ان يقلق احداً، فالاشخاص الموجودون في دائرة الرئيس بوش ـ كثير منهم صقلوا في عهد ريجان ـ دعموا الرئيس العراقي بعد ان هاجم ايران عام 1980 بغض النظر عن التكلفة البشرية الباهظة او اية اعتبارات اخرى من هذا القبيل. هناك احتمال ان يلجأ الرئيس العراقي الى استخدام اسلحة كيماوية. لكن القادة الاميركيين الحاليين دعموا بثبات الرئيس العراقي عندما استخدم اسلحة كيماوية ضد ايران في سنوات حكم ريجان، وعندما استخدم الغاز ضد شعبه نفسه. ولقد استمر مخططو واشنطن الحاليون بدعم الرئيس العراقي بعد ان ارتكب افظع جرائمه، بل انهم قدموا له الوسائل الضرورية لتطوير اسلحة تدمير شامل نووية وبيولوجية وذلك بالضبط حتى لحظة اجتياحه للكويت. كما تغاضى كل من بوش الاب، وديك تشيني عما جرى من مذابح في جنوب العراق في مارس 1991 وذلك على مذبح «الاستقرار» كما اوضحا حينها بشكل مقتضب. في المقام الثالث، لن تكون الامم المتحدة مشكلة، حيث لن يكون ضرورياً ان يشرح احد للعالم ان الامم المتحدة تكون مرموقة فقط عندما تنصاع لاوامر الولايات المتحدة لكنها غير مرموقة عندما لا تفعل ذلك. في المقام الرابع، من المؤكد ان القوة الاقليمية المرشحة لهذا الدور لديها اوراق افضل بكثير من واشنطن لشن الحرب ولقيادة عراق ما بعد الرئيس العراقي. وعلى خلاف ادارة بوش، فإن هذه القوة الاقليمية ليس لها التاريخ الذي لدى واشنطن في دعم البرنامج العراقي لاسلحة التدمير الشامل. في المقام الخامس، سيرحب جانب كبير من سكان العراق بحماس بالحرية والى حد اكبر بكثير مما لو قام الاميركيون انفسهم بالغزو. فالناس سوف يهللون بجنود هذه القوة الاقليمية في شوارع المدن العراقية، وسنتمكن من الانضمام الى الصحافيين من هذه القوة الاقليمية في التحمس للقضية العادلة للمحررين. في المقام السادس، يمكن لتلك القوة الاقليمية ان تقوم بخطوات متقدمة حيال تثبيت «الديمقراطية». ولن تكون هناك مشكلة في تحقيق مدخل الى النفط العراقي بالطريقة ذاتها التي ستمكن الشركات الاميركية من الاستغلال السهل لموارد الطاقة في تلك القوة الاقليمية اذا سمحت واشنطن بذلك. انني اوافق على ان الاقتراح المتواضع بأن تقوم تلك القوة الاقليمية بغزو العراق ما هو الا اقتراح ارعن، وان استحقاقه الوحيد يتمثل في انه منطقي اكثر بكثير من الخطط التي تنفذ الان او انه سيكون كذلك فعلاً اذا كان لاهداف الولايات المتحدة المعلنة بعض الصلة بالاهداف الحقيقية. بقلم: نعوم تشومسكي _ ترجمة: باسل ابو حمدة عن «البايس» ـ اسبانيا