الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 ليس المستغرب ان الرئيس جورج بوش بدا برأيين وهو يتحدث عن العراق، طوال الشهر الماضي، ذلك ان لادارته ايضا رأيين وربما ثلاثة حول اهدافها في العراق. لقد كان الرئيس بوش يحاول مرة اخرى ان يذلل الانقسام الذي يشرخ ادارته بين اولئك المقتنعين بنزع سلاح العراق وأولئك الذين يريدون اعادة تشكيل الشرق الاوسط برمته بداية ببغداد واذا ما مضينا الى هذه الحرب، فإن الجانب الذي سيقف بجانبه الرئيس سيكون هو من يقرر شكل الحرب وما الذي سنفعله في مرحلة ما بعد صدام حسين. ان الجدل بين انصار نزع السلاح وانصار تغيير النظام داخل الادارة هو الذي يقف وراء الرسائل المتناقضة التي بدرت من بوش قبل اكثر من اسبوعين. فمن جانب اصر بوش على تغيير النظام «لان الرئيس العراقي بعد 11 عاما ظل يتجاهل الامم المتحدة والعالم الحر» ومن جانب آخر اضاف بوش «انه اذا ما نفذ كل مطالب الامم المتحدة.. فإن هذا بحد ذاته سيكون تغييرا في النظام» وحين سأل الصحافيون آري فليشر المتحدث باسم بوش، في اليوم التالي، عما اذا كانت الادارة الاميركية تريد التخلص من الرئيس العراقي، قال: «ان سياستنا هي تغيير النظام العراقي، والرئيس العراقي هو قلب هذا النظام». هذان التفسيران للسياسة يعكسان اول صدع داخلي في الادارة فوزير الخارجية الاميركي كولن باول يقول ان الحرب غير ضرورية اذا ما تخلى العراق عن اسلحته وفي سبتمبر الماضي، قال امام مجلس الشيوخ ان «من غير المحتمل ان يلجأ الرئيس لاستخدام القوة اذا ما وافق العراق على شروط نزع اسلحة الدمار الشامل.. نعلم كلنا ان المشكلة الاهم التي يركز عليها الرئيس والخطر الماثل لنا وللعالم هو اسلحة الدمار الشامل». غير ان آخرين في الادارة لا يوافقون هذا الرأي. فقد قال نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد مرارا ان نزع اسلحة العراق أمر مستحيل ما دام الرئيس العراقي في السلطة. وحذر تشيني في اغسطس من ان «عودة المفتشين لن تشكل ضمانا من اي نوع لانصياعه لقرارات الأمم المتحدة. بل على العكس فذلك قد يعطينا تطمينا زائفا بأن الرئيس العراقي عاد تحت السيطرة من جديد». وهكذا فقد تجنب بوش حتى الآن القيام باختيار علني بين مستشاريه. وقد لا يفعل ابدا. فإذا ما رفض العراق قرارات التفتيش الدولية المتشددة فإن كل مستشاري بوش سينضمون للحرب ومعها تغيير النظام العراقي. لكن اذا نجح بوش في تجنب هذا الخيار، فإنه سيواجه مباشرة الانقسام التالي ـ والأقل وضوحا ـ حول ما الذي يعنيه تغيير النظام العراقي بدقة. هل سيكون كافيا تنصيب زعيم جديد يستطيع الحفاظ على استقرار العراق وضمان نزع سلاحه كما يذهب احد مستشاري بوش الى القول؟ ام يجب على الولايات المتحدة ان تعمل على اعادة تشكيل العراق ـ والشرق الاوسط برمته ـ عبر ارساء الديمقراطية كما يصر الآخرون؟ ان هذا الانقسام لن يضع وزارة الدفاع في مواجهة وزارة الخارجية، وأنصار الدبلوماسية في مواجهة انصار الحرب. بل انه سيقسم حتى صقور الحرب انفسهم ليضع من يوصفون بأنهم «الامبرياليون الديمقراطيون» في مواجهة «القوميين المتشددين». يزاوج «الامبرياليون الديمقراطيون» بين واقعية بسمارك والحساسيات الاخلاقية لودرو ولسون، ويعتقدون ان على الولايات المتحدة ان تستخدم جبروتها العسكري والاقتصادي والسياسي لاعادة تشكيل العالم وفق صورتها هي ـ وفعل ذلك سيكون مفيدا لمصالح الدول الاخرى مثل مصالح الولايات المتحدة، ومثلما قال بول ولفوويتز نائب وزير الدفاع الاميركي، وربما كان رائد الامبرياليين الديمقراطيين الآن، قبل شهور: «اذا تحرر الناس فعلا وتمكنوا من ادارة بلدانهم بالطريقة التي يريدونها هم، فسيكون لدينا عالم منسجم جدا مع المصالح الاميركية». وبالنسبة للامبرياليين الديمقراطيين، فإن الاطاحة بالرئيس العراقي تتوفر فرصة لا مثيل لها لارساء الديمقراطية في الشرق الاوسط. وبذلك يحاول روبرت كاغان ووليام كريستول من ويكلي ستاندارد وهما بوقي هذه المجموعة قائلين: «ان ضربة قاضية مدمرة للرئيس العراقي متبوعة بمشروع ترعاه اميركا لاعادة بناء العراق ووضعه على مسار نحو الديمقراطية سيكون له اثر مدو على العالم العربي ـ نحو الافضل. وقد يحتاج العالم العربي لوقت طويل حتى يتكيف مع الغرب، غير ان هذه العملية ستسرع كثيرا بهزيمة اكبر طاغية عربي مناهض للغرب» وهذا بالطبع موقف طموح جدا ويتطلب قدرا مفرطا من الموارد وهو القدر الذي يبدي الامبرياليون الديمقراطيون الاستعداد لتقبله. وعند هذه النقطة بالضبط ينشق اجماع الامبراليين الديمقراطيين والقوميين المتشددين مثل تشيني ورامسفيلد فكل هم هؤلاء هو استعراض العضلات العسكرية دفاعا عن المصالح القومية الاميركية. وقد يتلذذ هؤلاء بين الحين والآخر ببعض الخطابة الولسونية للفتوحية السياسية. لكن ليس لديهم سوى اقل قدر من الاهتمام في اعادة تشكيل العام حسب المواصفات الاميركية. ويرى هؤلاء المتشككون بمهمات بناء الدول والمهتتفون بأن السياسة الدولية ستظل ابدا شأنا هوبسنيا، يرى هؤلاء ان نشر الديمقراطية في العالم امر خارج نطاق الالتزامات الاميركية ومحاولة غير مرشحة لان تنجح، وقد قال رامسفيلد اما الكونغرس انه حالما يسقط الرئيس العراقي فإن مستقبل العراق يصبح مرهونا بين الشعب العراقي. والمعنى واضح: ان التزام العراق بالمباديء الولسونية للديمقراطية من عدمه ليس شأنا يستحق ان تهتم به اميركا على نحو خاص. وهكذا لعبت الرغبة في الاطاحة بالرئيس العراقي ودورها في تمكين الامبرياليين الديمقراطيين والقوميين المتشددين من وضع خلافاتهم جانبا بخصوصا ما سيفعلونه بعد ذهابه لكن اذا ما وقعت الحرب فإن خلافهم قد يترك اثره العميق جدا على ادارة اميركا لحربها وكيف ستعمل اميركا على اقرار السلام بعد الحرب. على سبيل المثال ما مدى نطاق الالتزام العسكري الذي على اميركا اتخاذه؟؟ القوميون المتشددون يريدون لهذا الالتزام ان يكون في اقصى الحدود الدنيا الممكنة من القوات اللازمة لتقويض حكومة الرئيس العراقي. ويحبذون الاعتماد اكثر على قوات محلية على الارض، فيما توفر لهم اميركا الضربات القوية الاولى من الجو وعند بعد من الارض. وعلى العكس من ذلك يريد الامبرياليون الديمقراطيون الذهاب بقوة اميركية اكبر للتمكن من توفير وجود عسكري لها في كل البلاد، ولتوفير قوة الاحتلال اللازمة للشروع في عملية بناء الدولة اللازمة بعد نهاية صدام حسين. لكن ماذا لو كانت طلقة واحدة كافية لاسقاط الرئيس العراقي ستوقف واشنطن الحرب؟ يقول رامسفيلد انه سيكون كافيا اسقاط الرئيس العراقي و«العدد القليل من اعوانه» شرط ان تكون الحكومة الجديدة منزوعة السلاح وتحترم الحدود الدولية. لكن مثل هذه النتيجة لن تقنع طموحات الامبراليين الديمقراطيين الذين يرون ان عملية تطهير ضد الموالين لصدام حسين مطلوبة حتى يمكن للديمقراطية النجاح في العراق. وحالما تنته الحرب يريد القوميون المتشددون اتباع النموذج الافغاني وتقييد التدخل العسكري الاميركي بالمهمات الامنية المباشرة جدا مثل تتبع وتدمير اسلحة الدمار الشامل وضمان الحد الادنى في الاستقرار اما الامبريالييون الديمقراطيون فيريدون مشروعا اكثر طموحا مشابها في نظامه لما حدث في المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وما يعنيه هذا حسبما يقول كاغان مشروع بناء دولة بمستوى ضخم وبدون استراتيجية مخرج؟» ومثل هذا المشروع يحتاج الى قائد مثل الجنرال دوغلاس مكارثر وليس مستشارا هزيلا مثل زلماي خليلزاد المبعوث الرئاسي الخاص الى كابول. توحي خطابة بوش الولسونية بعد 11 سبتمبر بميل للامبرياليين الديمقراطيين. لكنه عارض طويلا استخدام القوات الاميركية البرية في مهمات بناء دولة وهي المهمات التي لا غنى عنها لتبلور رؤى هؤلاء والنتيجة الاكثر احتمالا ستكون تكرارا لافغانستان اي خطابة رنانة حول التزام اميركا بارساء مجتمع حر ومنفتح من دون ان يوازيها توظيف ما يكفي من الوسائل لتحقيقها على الارض. غير ان فجوة بين القوى والعمل هذه المرة قد تكون قصورا كارثيا اذ ان رفع مستوى التوقعات بأن الولايات المتحدة «سترسي توازن قوة لصالح الحرية الانسانية» ثم التقصير عن فعل ذلك سيغذي السخرية والتهكم من الدوافع الاميركية التي تعمل وفقهما في الشرق الاوسط وباقي العالم، والأسوأ من ذلك ان تنصيب قيادة عراقية تحقق الاستقرار دون العدل لن يفلح الا في تعميق الاستياء او السخط الذي جذب الكثير من الشباب لدعوة اسامة بن لادن. وبالنظر لهذه المخاطر فإن من الافضل للرئيس بوش ان يقرر ما هي اهدافه في العراق قبل ان يبدأ في شن الحرب عليه. بقلم: جيمس لندساي _ ترجمة: جلال الخليل عن «جارديان ويكلي»