الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 بدأ الاسمنت يتداعى في اساسات متاهة الابنية الكئيبة المتخصصة التي تحتضن اليوم مكاتب منظمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) المطلة على جادة ليوبولد الثالث في احدى ضواحي العاصمة البلجيكية بروكسل. ولم يعد بمقدور الدهانات الجديدة ان تخفي الشقوق في جدران الممرات المتلوية في هذه المباني. فيما يشترك الضباط على اختلاف رتبهم وفروع أسلحتهم وجنسياتهم في المكاتب الصغيرة مع الموظفين المدنيين. حينما تم بناء هذا المجمع على عجل قبل 35 عاماً، كان الهدف منه ان يكون مقر قيادة مؤقتاً لحلف دائم في مواجهة عدو متوثب وجبار. كان ليونيد بريجينيف حينها سيد الكرملين، والحرب الباردة في ذروتها، فيما قرر الرئيسس الفرنسي آنذاك شارل ديغول سحب عضوية بلاده من القيادة العسكرية الاطلسية الموحدة، في خطوة أجبرت الاعضاء الآخرين على الانسحاب من باريس والمضي إلى بروكسل. غير ان الاطلسيين قبل أن يشرعوا في بناء مجمع اكثر مهابة واطول عمرأ ليكون مقراً لهم، أخذ الاتحاد السوفييتي بالتداعي، واخذ الهاربون من حطامه بدق ابواب الاطلسي. وهكذا انضمت كل من جمهورية التشيك والمجر وبولندا لعضويته، قبل ثلاث سنوات، مما زاد عدد الحلفاء من 16 إلى 19. وقد يرتفع هذا العدد قريباً ليصل إلى 26 عضواً اذا توفرت لزعماء الحلف في قمتهم المقبلة في براغ هذا الشهر، البصيرة لقبول طلبات الانتساب التي قدمتها بلغاريا واستونيا ولاتفيا ولتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا. ومثل هذه الخطوة، ان تمت، من شأنها بضربة واحدة ان توسع الاستقرار في اوروبا من البلطيق إلى البلقان. وإلى جانب استيعابه لاعضاء جدد، نجح حلف الاطلسي في ارساء شبكة مما درج على تسميته الشراكات مع 27 دولة. وتتضمن هذه الدول سبع دول محايدة، وهي النمسا وفنلندا وايرلندا والسويد وسويسرا، إلى جانب كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة الخمس عشرة واربعة اعضاء سابقين في حلف وارسو المنحل وثلاثة من بقايا يوغسلافيا السابقة. وفي اليوم الثاني من قمة الاطلسي في براغ. سيجتمع رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء من كل هذه الدول مع الحلفاء حول طاولة مستديرة ضخمة في جلسة لمجلس الشراكة الاطلسية الاوروبية. وطوال السنوات الاحدى عشرة الماضية، قامت هذه الهيئة التي أنشأها ويديرها الاطلسي في رعاية عمليات دفاعية وحفظ سلام وطواريء مدنية. كما شجع المجلس اعضاءه على احترام حقوق الاقليات وحل النزاعات سلمياً وضمان سيطرة المدنيين على المؤسسات العسكرية. وللتكيف مع هذا التزايد الكبير في نشاطات الحلف وعلاقاته، فقد تم تخصيص جزء كبير من قاعدة القوات الجوية البلجيكية على الطريق السريع المؤدي نحو مقره الحالي ليكون موقع المقر الجديد، حيث بدأ المعماريون الكبار في تقديم عطاءاتهم لتصميم المباني الذي يفترض ان تصبح جاهزة للاشغال عام 2008. ولدى اعلان الفائز بهذه المسابقة في قمة براغ، فربما سنشهد فورة خطابية حول مغزى هذه الخطوة في اظهار تصميم الاطلسيين على ان يكون نسيجاً متيناً وواسعهاً على المشهد العالمي في القرن الواحد والعشرين. غير أن قمة براغ ستلقي الاضواء ايضاً على مفارقة: مستقبل الاطلسي على المدى الطويل غير محدود الامكانيات عملياً، وفي المقابل فإن تماسكه على المحك. وهذه المفارقة هي بدورها نتاج لمفارقة اخرى. فالقوة الاطلسية كانت دائماً قائمة على القوة الاميركية وهي القوة التي لم يسبق لها ان كانت بهذه الكثافة، وعلى القيادة الاميركية التي لم يسبق لها ان كانت بهذا الوضوح. لكن العديد من الحلفاء اليوم لا يرون انهم يتبعون قيادة اميركية بقدر ما يخضعون لسيادة أميركية. فبالنسبة لهؤلاء اصبحت ممارسة الاميركيين لقوتهم مصدراً للاستياء ومشكلة يصعب التعامل معها اكثر منها مصدراً للحماية. صحيح ان الولايات المتحدة قد واجهت الاتهام بالتعالي والانفرادية من قبل، لكن هذه الشكاوى زادت في حدتها ونطاقها خلال السنتين اللتين قضاهما جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة. فقد دأب بوش دائماً على اتخاذ الموقف القائل ان اميركا تعرف اكثر من غيرها أين تكمن مصالح بقية العالم وبدت ادارته في بعض الاحيان غير راغبة في العمل لوحدها فحسب بل تواقة لفعل ذلك سواء دفاعاً عن المعاهدات او في مواجهة اعتراضات الدول الاخرى. والنتيجة هي ان الولايات المتحدة لم تصبح على هذا القدر من التعارض مع العديد من اصدقائها التفليديين مقارنة بأي وقت مضى وبخصوص العديد من القضايا من التجارة إلى السيطرة على التسلح والتغير المناخي والمحكمة الجنائية الدولية. وهذا النزاع الشامل كان من الطبيعي ان يكون له اثره السلبي على الاطلسي وهي المنظمة نفسها القائمة على معاهدة دولية تعتمد على فكرة ان تكون أميركا العضو الاول بين اعضاء متساوين وعلى مباديء المصالح المشتركة والمسئوليات المتبادلة والارادة المنسقة والعمل الجماعي والقرار الجماعي. قمة براغ ستحول قضية العراق إلى قضية درامية باعتبارها ساعة الحقيقة للاطلسيين. في البداية سيجد بوش أن عليه القيام ببعض العمل لاصلاح الوضع الراهن. فنجاح الادارة الاميركية بعد 11 سبتمبر في سحق حكومة طالبان، قد ضخم ثقة الرئيس الاميركي في المقدرات العسكرية الاميركية، التي عملت إلى حد كبير جداً اعتماداً على نفسها، وامكانياتها على اسقاط الانظمة المعادية لها.وفي تخطيطها وتنفيذها لحملتها في افغانستان، اعطت الادارة الاميركية عذراً قصير الامد لحلفائها الاطلس في التخلف عنها، غير ان العديد في كندا واوروبا وحتى في الولايات المتحدة قلقون من ان ادارة بوش اذا ما غيبت الاطلسي حينما تقرر التحرك ضد العراق، فإن الحلف قد لا يتعافى بعدها أبداً، باعتبار ان الاطلسي يؤخذ على مأخذ الجد من قبل أهم اعضائه، اذا ما اريد له ان يؤخذ على محمل الجد من قبل أي كان. خلال الصيف الماضي، كان القلق قد تزايد من الاحساس بأن الحرب التي يتشوق بوش لخوضها ضد العراق، هي حرب سيشنها سريعاً ولوحده. ولهذا حظي خطابه في نيويورك يوم 12 سبتمبر الماضي باستقبال واسع طيب فقد استغل منصة الامم المتحدة ليؤكد تفضيله للعمل من خلال هذه المنظمة. هذا مع انه لم يغير في خطابه الهدف الذي اعلن التزامه بتحقيقه (تغيير الحكومة العراقية) ولا الجدول الزمني الذي في ذهنه (اقرب وقت ممكن). كما انه لم يتراجع عن استعداده الصريح الذي اعلنه مراراً للعمل خارج مظلة الامم المتحدة اذا رأى ذلك ضرورياً. واخيراً، لم يستبعد بوش في خطابه احتمال قيامه بضربة استباقية، وهو الخيار الذي صعد هو ورموز ادارته درجة احتماله من مجرد خيار أخير إلى ما يقترب من أن يكون عقيدة عسكرية جديدة لأميركا. وبتوضيح عزمه «أو عزم غيره» إلى هذا الحد، بدا الرئيس الاميركي في البداية وكأنه قد زاد من احتمال حدوث ان يكون افضل فصل اخير ممكن للحالة العراقية التي استمرت 12 عاماً: عمل عسكري بتفويض من الامم المتحدة للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، فباقناعه الاعضاء الآخرين في مجلس الامن بأنه لن يقر له قرار مادام الرئيس العراقي في سدة الحكم، ويكون بوش قد قدم لهم حافزاً لرأب الصدع بين مواقفهم وموقفه، اذا ما ارادوا ان يبقوا ما أسماه بدون أي مواربة «معنى بقاء» الامم المتحدة. وبنى بوش جداله بخصوص القضية على سجل الرئيس العراقي في تكرار اعتداءاته على جيرانه واستخدامه اسلحة الدمار الشامل واجهاضه للمحاولة السابقة للتفتيش عن الاسلحة ولفرض قرارات الامم المتحدة.بعد ذلك حاول الرئيس العراقي ان يقوم هو بضربة استباقية باعلانه، قبل ان يتوصل مجلس الامن الدولي لقرار جديد اكثر تشدداً، انه يوافق على عودة المفتشين. وقد امل الرئيس العراقي بأن هذا التكتيك المراوغ سينجح مرة اخرى في تقسيم مجلس الامن وتخلي الولايات المتحدة عن عزمها على الاطاحة به. حينما يصل بوش إلى براغ سيكون عليه أن يرعى تحالفاً على المحك. وربما سيقدم جدلاً شبيهاً بذلك الذي تقدم به في نيويورك: الطريقة الوحيدة لتفادي الخطر الذي يمثله الرئيس العراقي على السلم الدولي هو التخلص من صدام حسين نفسه. وسيعتمد مدى تقبل الحلفاء لهذه الرسالة على المدى الذي سينجح بوش اليه في تسويق جدله مقابل جدل اولئك المقتنعين في الامم المتحدة بأن صدام حسين لا يزال من الممكن ردعه واحتواؤه ونزع اسلحته دون اسقاطه. وبشكل اكثر عمومية، ينتظر المؤتمرون في براغ ان يريهم بوش دليلاً على التزامه بالاستخدام الكامل والمناسب للمنظمات الدولية التي ساهمت الولايات المتحدة في تأسيسها قبل نصف قرن. ومثلما يجب أن تكون الامم المتحدة هي الآلية المختارة ـ بالتحديد المختارة أميركياً ـ لفرض الشروط على صدام حسين والتفويض باستخدام القوة ضده اذا رفض تطبيقها، فإن الاطلسي هو الآلية الافضل لممارسة هذه القوة. والاهم من ذلك هو ان مشاركة الحلفاء والشركاء ضرورية لاسباب عسكرية، فكلما كان المشاركون اكبر كانت فرص النصر السريع أوفر، وهو الشرط الجوهري اذا ما اريد تجنب اثارة عنف واضطرابات خطرة في المنطقة. لكن هناك مجازفة سياسية أكبر ماثلة أيضاً: فإذا اريد شن حرب ضد العراق في الشهور القليلة المقبلة، فإن مبررها وسلوكها ونتيجتها يجب أن تكون كلها دلائل لا على معنى وجود الامم المتحدة وحدها فحسب، بل والحلف المقاد أميركياً الذي يزعم لنفسه انه اكثر حلف شهده تاريخ العالم نجاحاً. والا، فإن الاطلسي ربما لن يبقى طويلاً ليكون صاحب العطاء لمشروع احياء أوروآسيوي متمثل في الخطط الموضوعة لبناء مقر مهيب جديد له في بروكسل. كانت الوظيفتان العسكرية والسياسية للاطلسي متداخلتين دائماً، فحين وقع الرئيس الاميركي هاري ترومان معاهدة شمال الاطلسي في ابريل 1949، قال إن الحلفاء مصممون على تحقيق الوحدة على المباديء العظيمة للحرية والعدالة الانسانيتين، وفي الوقت نفسه، السماح بوجود اكبر قدر ممكن من التباين، في الاوجه الاخرى، والتباين الذي يكتسب فيه العقل البشري امكانيته. «باختصار» كان الاطلسي، حتى في لحظة ولادته، اكثر من مجرد استجماع للقوى في وجه عدو مشترك. بل كان يمثل ايضاً ايجاد وتعزيز وتوسيع منطقة آمنة يمكن داخلها للقيم المشتركة والمؤسسات التعاونية ان تزدهر. غير ان النية لم تكن تفويض الاطلسي وحده فقط معالجة هذا الامر. بل رأى فيه مؤسسوه جزءاً من شبكة من المنظمات لكل منها تاريخها وقوامها ومهمتها فيما تخدم كلها هدفاً متمثلاً بالديمقراطية والتعددية. والمثال الابرز على هذه الرؤية هو التكامل بين الاطلسي والاتحاد الاوروبي. فرغم كل الجدل والنقد الذي يعكر صفو العمل الجاري، يظل الاتحاد الاوروبي هو المشروع الاكثر طموحاً واملاً في الحكم العابر للقوميات على وجه الارض. ومع ذلك فإن هذا المشروع يدين بوجوده للاطلسي. فهذا الحلف هو الذي جعل بالامكان تحقيق المصالحة التاريخية بين المانيا وفرنسا وهي المصالحة التي فتحت الباب امام الاتحاد الاوروبي. وتحت مظلة الاطلسي، ترسخت الديمقراطية في البرتغال واسبانيا واليونان. وبفتح ابوابه امام التوسعة، ساعد الاطلسي باقناع الاتحاد الاوروبي على فتح ابوابه امام وسط اوروبا. وقد شهدت السنوات الاخيرة تكاثر المنظمات التي تجمع اوروبا والقوقاز ووسط آسيا وسيبيريا معا، والمقصود من هذا هو مساعدة الدول الشيوعية السابقة في تحولها ـ مساعدتها في الانضمام للغرب. فمثلما ساهم الاطلسي في ارساء الاتحاد الاوروبي، فقد عمل الاتحاد الاوروبي بدوره على تأسيس 15 منظمة دولية. واهم منظمتين منهما على الطاولة في قمة براغ هما مجلس الشراكة الاطلسية الاوروبية ومنظمة الشراكة من اجل السلام ـ وكلاهما فرع من الحلف. كما ان معاهدة القوات التقليدية في اوروبا، والتي لا تزال تنظم توازن العتاد العسكري في القارة، وقعت بين الدول الاوروبية الاعضاء في الاطلسي وحلف وارسو في الايام الاخيرة من الحرب الباردة. كذلك اعتمد تحقيق معاهدة مجلس دول البلطيق ومعاهدة مجلس بحر بارنتس الاوروبي القطبي في الشمال ومعاهدة مبادرة التعاون جنوب شرق اوروبا ومعاهدة الاستقرار في البلقان في الجنوب ـ اعتمد إلى حد كبير على الاطلسي. كما يشجع الاطلسي المؤسسات العسكرية للدول المشاركة في هذه المعاهدات على التعاون في عمليات البحث والانقاذ وغيرها من المهمات الانسانية ويوفر لها التدريب والدعم الفني. وبكلام عام، فإن الاحساس بالأمن الذي تأتي به العلاقات مع الاطلسي، يجعل الدول المشاركة اكثر ثقة بالنفس لتسمح بتدفق الناس والبضائع والافكار عبر ما كان سابقاً الستار الحديدي. بهذه الهيكلية تصبح بنية هذه الشبكة اشبه بنظام شمسي فيه شمسان اثنتان، هما الاطلسي والاتحاد الاوروبي، باعتبار ان هاتين الكتلتين تمارسان قوة جاذبية على البوسنة والهرسك في اقصى الغرب وطاجيكستان في اقصى الشرق. وبهذا النظام تكون طاجيكستان المعادل الموضوعي لكوكب بلوتو. اذ ان هذه الدولة التي يعيش معظم اهلها مجاعة وفقراً وتشهد معدل وفيات اطفال اعلى من نظيرتها في دولة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وتتكون من مجمع اقطاعي وسيط تقوده حكومة سلطوية ويعيش على اقتصاد تهيمن عليه تجارة المخدرات وتعاني من حرب اهلية مزمنة، تكون هذه الدولة بذلك اكثر بعداً عن عواصم اوروبا الغربيات من بعدها الجغرافي عنها. ومع ذلك، فإن طاجيكستان وغيرها من الدول المتأزمة مثل مقدونيا وجورجيا، تصبح اقدر على جسر هذه الهوة السياسية اذا ما بقيت اجزاء من نظام يعمل الاطلسي والاتحاد الاوروبي على ارسائه عبر توسعهما شرقاً. بقلم: ستروب تالبوت _ ترجمة: جلال الخليل عن «فورين أفيرز»