الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 كان الجو شديد الحرارة في مطار الكويت الدولي عندما وضع شاكر قدمه على ارض المطار، توقف للحظة وأخذ يجول بعينيه في ارجاء المطار وكأنه يحاول ان يحفظ اللحظة التي وصل فيها الى مطار هذه الدولة الخليجية الغنية التي طالما حلم بالسفر اليها والعمل فيها، وهمس لنفسه الآن لا مجال للفشل، سوف احقق ثروة بالتأكيد، وأثبت له ولهم جميعا انني لست فاشلا. كان في هذه اللحظة التي وطأت فيها قدماه مطار الكويت يتذكر كلمات والده له وكيف كان يتهمه دائما بالفشل وحب السهر وحياة الليل وأنه فاقد القدرة على عمل اي شيء نافع يجعل له قيمة في مجتمعه او اي مجتمع آخر.. وفي هذه اللحظة يتذكر كلمات والده له وهو يودعه في مطار بيروت قبل صعوده الطائرة بدقائق ارجو الا تعود الاسبوع المقبل بحقائبك خالية ورأسك في الأرض كما هي عادتك... كان شاكر هو احد ابناء فاخوري الخمسة والوحيد الذي فشل بين ابنائه دراسيا ومهنيا، وأصبح لا يجيد في حياته سوى صنع المشاكل او اختلاقها فضلا عن مطاردته المستمرة لبنات الحي الذي يسكن فيه مع اسرته حتى اصبح عبئا على والده وبقية اخوانه وأصبح امنية الجميع التخلص منه سواء بسفره او باسناد عمل ذي قيمة له يجعله ينشغل قليلا عن السهر ورفقة السوء التي تصاحبه ليل نهار حتى استطاع زوج شقيقته المقيم في الكويت ان يؤمن له عملا بالكويت فقرر السفر وسط دعوات عائلته بأن لا يفشل هذه المرة ايضا.. عندما خرج من المطار لفحت حرارة الجو وجهه فكانت اول كلمة قالها لشقيقته وزوجها اللذين كانا في انتظاره في الخارج.. اعتقد انني لن استطيع ان اكمل شهر في مثل هذا الطقس، رد عليه زوج شقيقته.. يا أخي تفاءل خيرا لتجده.. توكل على الله وانشاء الله سوف يوفقك الله ونهرته شقيقته وقالت له انت كما انت لن تتغير لا تريد ان تتحمل اية مسئولية ولا تعرف سوى الانفاق والبذخ وسهرات اللهو.. كن رجلا مرة وارفع رأس ابيك. ابي هذا هو سبب مشكلتي وعقدة حياتي.. مهما عملت فأنا في نظره فاشل.. رد زوج اخته.. اذن امامك فرصة لتثبت له انك رجل على قدر المسئولية. ظل زوج شقيقته طيلة فترة اقامة شاكر فاخوري يحاول مساندته في عمله وتنظيم حياته الا انه بعد ثلاثة شهور حن الى ليالي السهر في بيروت ومرافقة اصدقائه الاكثر سوءا منه فقرر العودة الى بيروت حاملا معه لقب فاشل من جديد. ضياع ومشاكل استقبله والده بما ردعه به وظل لقب الفشل يطارده صباح مساء فانغمس في المخدرات والسهرات غير البريئة بل وكون مع زملاء الفساد عصابة للسرقة والسطو واستخدم الحصيلة في الانفاق على الساقطات والسهر في اماكن لا تتناسب ودخولهم فكانت المشاكل تتوالى بالجملة، ووالده لا يملك الا التدخل لحل هذه المشاكل الى ان جاءه شاكر ذات يوم وقال له سوف اغادر لبنان ولن اعود هذه المرة.. والى اين انشاء الله هذه المرة.. سأسافر مع مجموعة من اصدقائي للعمل في قبرص. وماذا ستعمل؟ هناك شركة يملكها لبناني سوف يقوم باستخدامنا في شركته.. رغم عدم قناعة والده بما كان يقوله الا انه وافق واشترى له تذكرة سفر الى قبرص وودعه وهو يقول له ارجو ان تفلح هذه المرة.. فرد قائلا واذا لم افلح، تأكد اني لن اعود لك.. كان شاكر يعني هذه الجملة تماما وهو يلقيها امام ابيه فقد كان مصرا على عدم العودة والعمل بأي شكل حتى لو اضطر للعمل مع الشيطان نفسه.. وكان الشيطان ينتظره بالفعل هناك في قبرص والغريب في حالة شاكر ان الشيطان لم يسع اليه بل سعى هو بنفسه للارتماء في احضان هذا الشيطان.. ففي اول ليلة وصل فيها الى نيقوسيا نزل بأحد الفنادق وبينما كان الموظف مشغول بتسجيل بياناته كان هو يطرح عليه سؤالا غريبا حتى ان الموظف نظر اليه وهو يسأله اين يقع مبنى السفارة الاسرائيلية ثم نظر الى جواز سفره.. كيف يحدث ذلك.. انه لبناني يعني عربي، كيف يجرؤ ان يسأل هكذا علانية عن موقع السفارة الاسرائيلية، قلب الموظف شفتيه وكأنه يقول لحاله وأنا مالي».. ربما جاء ليفجر هذه السفارة وآثر السلامة وقال له اعذرني يا سيدي انا لا اعرف موقعها بالضبط لكن اعرف انها قريبة من هنا.. لم يعدم الخائن وسيلة في البحث والتقصي عن مكان السفارة الاسرائيلية وفي صباح اليوم التالي لوصوله الى قبرص كان يستقل سيارة اجرة ويتجه مباشرة الى السفارة الاسرائيلية وعلى بوابة الدخول طلب من رجال الامن توصيله الى الملحق العسكري عندما دخل موظف الامن مكتب الملحق العسكري الاسرائيلي وسأله الملحق العسكري عما يريد رد عليه موظف الامن بكلمات مقتضبة وكأن كارثة ستقع. لبناني يريد مقابلتكم يا سيدي.. وأين هو.. في غرفة الاستقبال.. دعه يأتي لكن بعد تفتيشه تفتيشا دقيقا.. حاضر يا سيدي.. دخل شاكر فاخوري مكتب الملحق العسكري الذي رحب به في حذر.. أي خدمة استطيع ان اقدمها لك. اريد ان اعمل معكم.. تعمل معنا.. ماذا وكيف؟ اريد ان اتعاون معكم وامدادكم بالمعلومات التي بحوزتي عن اي مواقع عسكرية عربية او معلومات اقتصادية او سياسية ومستعد لتنفيذ ما يطلب مني حسب رغبتكم ولماذا تفعل ذلك.. اريد ان اعمل فقط.. اسهر.. وأراقص النساء ولا شيء اكثر من ذلك. تعجب الملحق العسكري من هذا الشخص الغريب واعتقد أنه مجنون ولكنه أثر ان يحيله على الفرع المسئول عن الموساد بالسفارة الاسرائيلية في قبرص. استقبله عازر يعقوب مسئول الموساد بالسفارة وسأله السؤال التقليدي.. أليس غريبا ان تتقدم بنفسك للعمل مع الموساد.. ألست عربيا.. بلى.. ولكني اريد ان اعمل.. هناك اعمال كثيرة يمكنك ان تلتحق بها.. ولكن هذا اسهل ويمنحني ما اريد.. وماذا تريد.. أموال ونساء ومخدرات!! وكيف يمكنك ان تخدمنا. سأمدكم بأية معلومات تطلبونها مني.. هز ضابط الموساد رأسه بين الشك واليقين وهو يحاول اضفاء دهشته ثم سأله.. هل تجيد بعض اللغات؟ بالطبع. عند هذه النقطة دفع عازر ببضع ورقات بيضاء بها اسئلة متعددة وطلب منه ان يملأها بخط يده، وبالفعل بدأ يكتب اجاباته بالتفصيل عن كل سؤال في هذه الاستمارات المكتوبة باللغتين العربية والانجليزية.. وبعد ان انتهى منها طلب منه عازر ان يعود للفندق الى ان يتصل به. انتظار ودعوة وسفر.. ظل شاكر في الفندق بنيقوسيا خمسة أيام متصلة يأكل ويشرب ولا يبحث عن عمل آخر فقد وطد نفسه على العمل كجاسوس وكان متأكدا من قبوله فهو عربي ومن بلد تعتبر من دول المواجهة مع اسرائيل وعمله في التجسس لصالح اسرائيل مكسب كبير لاسرائيل التي بلا شك ستقدر جهوده وتثمن المعلومات التي سيسجلها لهم عن بلاده وعن أي بلد عربي آخر. كانت العقبة الوحيدة امام الموساد بالنسبة لهذا العميل الجاهز هو انه جاء بنفسه اليهم، وفي بلد بعيد عن منطقة الصراع، وثانيها انه عاطل وليس له اي موقع عمل بمكان مهم او حساس وثالثهما انه ربما يكون مدسوسا من قبل اي جهاز مخابرات عربي وهذا هو الاحتمال الارجح والاقرب الى المنطق. كانت اجهزة الموساد في عواصم عديدة قد تلقت من المقر الرئيسي للموساد في تل أبيب طلبا بضرورة التحري والبحث عن ماضي شاكر فاخوري، وعندما جاءت النتائج مبشرة وتفيد بأنه شاب ضائع مستهتر، يعشق الانحراف والسهر وتعاطي المخدرات وأن له مجموعة من الاصدقاء على شاكلته وأنه على خلاف دائم مع اسرته وأن أحدا لا يثق به في لبنان كلها.. ذات صباح رن هاتف غرفة شاكر بالفندق وكان على الطرف الآخر احد العاملين بالسفارة الاسرائيلية الذي طلب منه سرعة الحضور الى السفارة. استقبله هذه المرة ضابطا آخر.. عرفه بنفسه.. اسمي هيدار.. ولكن اين السيد عازار.. السيد عازار مختص بعملائنا في أوروبا. وأنت.. انا المسئول عن جواسيس القاهرة.. أو الجواسيس الذين يتم ارسالهم الى جمهورية مصر العربية. تقصد انني لن اعمل في لبنان أو سوريا.. لان بالطبع.. سوف تعمل في القاهرة.. ما رأيك.. ليس لي رأي.. اعمل حتى ولو في الصين.. ضحك هيدار وقال له مداعبا لا ليس بعيدا لهذه الدرجة.. انت في القاهرة لن تكون غريبا فأنت عربي، كما ان القاهرة هي مركز المواجهة مع اسرائيل وأنت تسمع كما نسمع نحن ان السادات مصر على الحرب وفي السنة الماضية اعلن ان عام 1971 هو عام الحسم وبالتأكيد هو يفكر في الحرب ضد اسرائيل ونحن نخشى ان يفاجئنا.. لذا فإن دورك سيكون مهما اذ ربما تكون انت من يستطيع ابلاغنا بموعد هذه الحرب، لذلك عليك الاستعداد للمرحلة المقبلة. أي مرحلة؟ ستعرف كل شيء في حينه.. لكن اولا لابد ان تظهر الاستعداد والولاء للموساد. ارجو الا يكون لديك اية ذرة شك من هذه الناحية.. اذن لن اكذب عليك.. سنعطيك الآن مبلغ 300 دولار وبطاقة سفر الى القاهرة وسوف تمكث هناك شهرين وعندما ترجع الى قبرص سوف نرى ماذا استطعت ان تفعل؟ والى هناك كان طقس القاهرة حارا في هذا المساء حينما علت زغاريد بيت مصري وسط القاهرة، وتعانق والد العروس مع عريس ابنته الضابط الشاب وليكن اسمه «مدحت» الذي ارتبط بقصة حب رائعة مع فتاته الحسناء «هبة» وكان سبب الزغاريد التي ارتفعت في هذا المساء ان مدحت خطب هبة رسميا وبارك والد العروسين الزواج وتمنيا السعادة لهما.. وقبل ان يغادر العريس الضابط شقة عروسه التقى هو ووالده بوالد العروس.. حيث بدأ والد العريس الحديث قائلا.. يا حاج فتحي نريد ان نعجل بزواج العروسين فإبني سيتوجه الى الجبهة الاسبوع المقبل بعد ان انتقلت وحدته الى هناك.. ولكن ألا ترى ان العجلة لا داع لها.. وما العجلة فيما اطلبه.. العريس يحب عروسه والعروس موافقة ونحن مستعدان ونريد ان يفرح قبيل ذهابه للجبهة. نظر الضابط العريس نحو والد عروسه.. وقال له.. يا عمي اريد ان تزف الي هبة لتكون زوجتي وتكون دافعا لي على احتمال قسوة الحياة على الجبهة.. ولماذا نقلوا وحدتك الى الجبهة.. هذه اسرار عسكرية يا عمي، فلتسمح لي.. آسف يا بني انه سؤال عابر.. واعتذر وحتى لا تغضب دعنا نحدد حفل الزفاف بعد ثلاثة أيام من اليوم ولكن اسرع بحجز الفندق. حالا سوف انزل من هنا الى الفندق لأحجز موعدا لحفل الزفاف.. اسرع العريس الضابط يسابق الريح الى الفندق الكبير ليحجز قاعة الحفلات الخميس المقبل.. ووقف امام موظف الاستقبال وطلب مقابلة المسئول عن قاعات الافراح فطلب منه الموظف ان ينتظر قليلا حتى يستدعيه لمقابلة مدير الصالات. في نفس اللحظة كان شخصا يطلب بلهجة لبنانية حجز غرفة بالفندق.. سأله الموظف.. كم يوم.؟ شهرين.. دهش الموظف ونظر للزبون مليا وطلب منه جواز سفره لينهي الاجراءات المطلوبة في مثل هذه الحالة.. وطلب منه الانتظار في بهو الفندق ريثما ينادي عليه.. جلس اللبناني في مواجهة الضابط وحينما التقت عيناهما أومأ شاكر فاخوري برأسه للشخص الوحيد الجالس قبالته فحياه الآخر بنفس التحية الا ان شاكر الذي كان يعرف ماذا عليه ان يفعل بالضبط.. بدأه بالاستفسار.. هل اجر السكن في هذا الفندق مرتفعا. رد عليه الشاب الجالس امامه.. في الحقيقة لا اعرف.. ألست تقيم هنا..؟ لا للأسف.. أتنتظر أحدا؟ لا بل جئت لاحجز قاعة اعراس حيث ان عرسي الاسبوع المقبل. تهلل شاكر فرحا وكأنه يسمع خبرا كان ينتظره بلهفة.. الف مبروك انا شاكر فاخوري.. من لبنان.. اهلا بلبنان وأهل لبنان وأهلا بك يا أخ شاكر في القاهرة بلدك وأهلك.. اشكرك يا عزيزي ولعلها مصادفة سعيدة ان يكون اول يوم لي بالقاهرة ان اسمع خبرا مفرحا كهذا.. ولكن لم اتعرف يا أخي الكريم.. انا مدحت.. يبدو من مظهرك وطبيعتك وكأنك طبيب.. ضحك مدحت وقال ألهذه الدرجة ابدو وسيما.. بالتأكيد.. ألست عريسا؟! قال له مدحت لا لست طبيبا. اذن دعني احزر.. مهندس.. ولا هذه.. وحتى لا تتعب نفسك انا ضابط..،.. توقف مدحت وشعر انه لم يكن من الضروري ان يعلن عن هويته.. ولكن شاكر ابدى اهتمامه.. ضابط شرطة.. اذن لن اخاف من شيء طيلة اقامتي في القاهرة.. ليس هناك ما يدعوك للخوف في القاهرة حتى ولو لم اكن ضابط شرطة.. فأنا ضابط جيش.. بأي سلاح.. نظر له مدحت باستغراب وقال له انا ضابط حديث لم يتم تخصصي بعد.. استأذنك فيبدو ان موظف الاستقبال يطلبني. اذن دعني اذهب معك لأعرف الغرفة التي سأقيم بنها لكي تزورني.. اريد ان نصبح اصدقاء.. يسعدني ذلك.. اخبر موظف الاستقبال الضابط الشاب ان عليه ان يذهب لغرفة مدير الصالات ليحدد معه الموعد ويعطيه مقدم الحجز، وفي الوقت نفسه سلم شاكر فاخوري جواز سفره وحدد له رقم الغرفة وطلب من احد الفراشين مساعدة الضيف للصعود الى غرفته الا ان شاكر اعطى الحقائب للفراش وقال له سأنتظرك هنا في البهو لتعطيني المفاتيح. مرت حوالي نصف الساعة قبل ان يظهر العريس الشاب متهللا فقد نجح بالفعل في حجز صالة الاعراس لعرسه الخميس المقبل وكان ذلك بعد اسبوع من تاريخ الحجز.. وعندما خرج من غرفة المدير الى البهو كان شاكر في انتظاره.. وبصوت فرح قال له.. ها يا أخي بشر.. هل سنحضر عرسك هنا الاسبوع المقبل. نعم.. لقد حجزت القاعة.. الخميس المقبل.. اخرج شاكر ساعة يد قيمة من جيبه واعطاها للعريس قائلا هذه هدية المحبة والتعارف بيننا.. ارجو ان تصبح صديقي طيلة الشهرين اللذين سأقضيهما هنا في هذا البلد الرائع.. ولكن هذا كثير.. ليس كثيرا على اخي إلا اذا كنت لا تريد ان نصبح اصدقاء. يشرفني ذلك. اذن انت مدو غدا للغذاء معي هنا في مطعم الفندق وبعدها نخرج للنزهة.. تردد الضابط الشاب لكنه خجل من رفض الدعوة ووافق وفي ظهر اليوم التالي كان يجلس على منضدة الغداء في مقابل الصديق اللبناني الذي فرض نفسه عليه، وبعد ان انتهيا من الغداء سأله لماذا انت متعجل هكذا على الزواج.. في الحقيقة بسبب ظروف علمي.. لا شك ان عملك شاق.. لكني أحبه.. هل تعتقد ان السادات سيحارب فعلا.. هذا قرار سياسي لا يمكن التكهن به.. بالتأكيد، لكن انتم كضباط يمكنكم ان تستشعروا الحالة. ماذا تريد بالضبط. لا شيء.. مجرد حديث.. واذا اغضبك فلا داع له، انا اعرف ان العسكريين لا يحبون الحديث عن عملهم خاصة مع الاغراب مثلي لكني وأقسم لك اشعر وكأني اعرفك منذ زمن طويل وانا تسعدني هذه المعرفة، ولكن هل انت في زيارة للسياحة أم العمل؟ تستطيع ان تقول الاثنين معا.. أتريد الاقامة في مصر..؟ اتمنى ولكن حتى الآن لا اعرف ما الذي يمكن ان اعمل به كمستثمر في مصر، هل لديك اية فكرة.. في الحقيقة ليس لدي اية علاقة بالأعمال التجارية، انت تعرف طبيعة عملي ليس مهما.. مازلت اجمع المعلومات عن طبيعة الاستثمار والاعمال في مصر ولكني اخشى من قيام الحرب فجأة فتضيع علي اموالي.. ولماذا لا تقول ان الحرب يمكن ان تنمي اموالك بدلا من العكس.. اذن هناك حرب.. اعتقد ان الرئيس السادات اعلن ذلك اكثر من مرة كما انه من البديهي ان تحاول البلاد المحتلة من تحرير ارضها.. ومتى تعتقد قيام مثل هذه الحرب.. يمكنك ان تسأل انور السادات!! استأذن مدحت من مضيقه وشكره على دعوته واعتذر له عن عدم قدرته على الخروج معه للنزهة متعللا بضرورة شراء بعض المستلزمات لعروسه.. وقبل ان يمضي اهداه شاكر هدية اخرى.. وقال له هذه لزوجتك.. اخذ مدحت الهدية بيد متشككة في طبيعة الهدف من وراء هذه الهدايا التي ليس لها اية مناسبة. استمرت علاقة شاكر بمدحت حذرة حيث ظل شاكر يغدق الهدايا عليه ولكنه لم يعد يسأله عن شيء.. وتوطدت صلته به الى ان اخبره ذات يوم وكان قد مر شهران انه ينوي السفر الى لبنان لفترة لزيارة اهله ثم العودة مرة اخرى للقاهرة. الى اسرائيل وبالفعل سافر شاكر الى بيروت ولكن ليتخذها محطة للانطلاق منها الى نيقوسيا مرة اخرى حيث اتصل فور وصوله نيقوسيا بضابط الموساد في السفارة الاسرائيلية وأفرغ امامه ما لديه من معلومات سطحية جمعها خلال فترة اقامته في القاهرة وكان اهمها انه تعرف على ضابط بالجيش المصري.. وعندما علم منه ضابط الموساد انه استطاع مصادقة ضابط مصري طلب منه كل المعلومات التي تتعلق بهذا الضابط وعلى الفور قام ضابط الموساد بابلاغ هذه المعلومة الى رؤسائه وقام باعطاء شاكر 30 جنيها استرلينيا وطلب منه ان يقيم بالفندق حتى يتصل به مرة اخرى. ظل الجاسوس الجديد اربعة ايام بالفندق قبل ان يطلب منه ضابط الموساد الحضور اليه في السفارة مرة اخرى، وعندما التقاه هنأه على جهوده في القاهرة وقال له ان مهمته دخلت منعطفا اكثر اهمية اذ انه مطلوب التعرف اليه عن كثب من قبل الموساد في اسرائيل. اتعني انه يجب ان اذهب الى اسرائيل. نعم.. حتى يتم تدريبك ومنحك الأموال والادوات اللازمة لعملك في المرحلة المقبلة.. والآن اين جواز سفرك اللبناني؟ سلم شاكر جواز سفره لهيدار ضابط الموساد الاسرائيلي فاعطاه هيدار جواز سفر اسرائيليا مختوم عليه اختام الدخول الى قبرص بصورته واسم موشي ابراهيم كما سلمه تذكرة سفر على طيران العال ذهابا وايابا الى اللد واحتفظ لديه بجواز سفره الاصلي.. سافر شاكر في الموعد المحدد له الى اسرائيل وهبط بمطار اللد ليجد هيدار في انتظاره بسيارته خارج المطار حيث اقله الى تل أبيب ليقيم بشقة مستأجرة تابعة للموساد ومخصصة لمثل هذه الحالات الطارئة او الجواسيس الجدد وفي اليوم التالي استقبله زامير رئيس الموساد بنفسه وحضر اللقاء ضابط مخابرات كبير اسمه ابو يوسف بالاضافة الى الضابط المسئول عنه اصلا هيدار والمختص بشئون التجسس على مصر وضابط ثالث مسئول عن الجواسيس الذين يعملون في لبنان. ناقش الجميع شاكر وفي النهاية اثنى عليه زامير وطلب من هيدار وزملائه اخضاع العميل الجديد الى دورة تدريبية على أعمال التجسس.. على الفور اتم اسناد هذه المهمة الى ضابط يسمى نعيم هارون مصري المولد من يهود الاسكندرية الذين فروا الى اسرائيل مع بداية حكم جمال عبدالناصر لمصر هربا من ما قد يحدث لهم واستقر وعائلته في الكيان الجديد وكان يتحدث العربية باللهجة المصرية وهو ما ساعد شاكر على استيعاب كل الدورة التي كانت باللغة العربية.. وركز الضابط اليهودي على تدريب شاكر على تصوير المستندات التي قد تعرض عليه او حتى التي يمكن ان يشاهدها بآلة تصوير دقيقة ثم درب على تصوير المواقع من بعيد ومن قريب ومن زوايا مختلفة اضافة الى التدريب على كافة انواع الكتابة واستخدام السلاح ورغم ذلك كله لم ينس الموساد ان يعرض شاكر على جهاز كشف الكذب الاميركي الحديث ولكنه نجح في اجتياز هذا الاختبار وأصبح عميلا حقيقيا للموساد في مصر.. جلس اليه ابو يوسف وقال له.. نحن نريد منك بالتحديد جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات عن القوات الجوية المصرية ونشاط السوفييت في مصر وكذلك الروح المعنوية للشعب المصري بعد الغارات الاسرائيلية المتكررة على بعض مدن ومناطق القاهرة المختلفة!! بلاغ للمخابرات المصرية كان الضابط المصري مدحت يقظا في علاقته بشاكر وأثارت الهدايا التي كان يغدق بها هذا الجاسوس وأسئلته المتلاحقة الشك في نفسه. ففي الفترة الاخيرة قبل سفره من القاهرة كان يكثر من الكلام عن الحرب والاستعدادات المصرية فقرر الضابط الابلاغ عن شكوكه في هذا الشخص المريب، وتوجه بعد سفره الى المخابرات الحربية المصرية وقدم كل المعلومات وشرح اسباب شكه في هذا الشخص لضباط المخابرات الحربية المصرية باعتباره عسكريا.. طلب منه ضابط المخابرات استقباله استقبالا طيبا ومسايرته فيما يطلب منه الى ان تتضح الصورة.. بعد ان انهى شاكر دورة التجسس واطمأن اليه رجال الموساد بما فيهم رئيس الموساد نفسه عاد شاكر الى نيقوسيا من تل ابيب حيث استلم جواز سفره اللبناني وودع هيدار وتوجه الى القاهرة لينفذ تعليمات الموساد وفور وصوله اتصل بالضابط مدحت الذي رحب به بحرارة وهو ما اسعد شاكر الذي منحه حقيبة مليئة بالهدايا احضرها معه من قبرص فقبلها الضابط المصري متظاهرا بالسعادة.. وسأله شاكر هل تزوجت..؟! نعم وربما يكون المولود الأول في الطريق. رائع.. هذه اذن هدية لزوجتك وللمولود.. شكرا كثيرا يا شاكر هذا كرم لم اعهده من قبل. نحن اخوة وليدم الله المحبة.. ان شاء الله سنكون اصدقاء.. وبعد ايام طلب شاكر من الضابط معلومات عن وحدته ومكانها فأخبره الضابط حسب تعليمات جهاز المخابرات الحربية بما يريد وسايره في كل ما طلب تحت سيطرة المخابرات، وكان شاكر كلما حصل على معلومات يعتقد انها مهمة يسافر الى قبرص ليبلغ بها هيدار بشكل شخصي ليقبض ثمن خيانته ثم يعود للقاهرة بحثا عن مدحت الذي امده بوثائق مزورة ومعلومات كانت المخابرات تهدف الى توصيلها الى اسرائيل بحسابات مدروسة وذات يوم سأله شاكر.. لماذا تأتي معي الى قبرص..؟! سيحدث ان شاء الله.. ولماذا لا نحدد ذلك الآن. انت تعرف اني متزوج ولابد للترتيب لذلك. كانت اجابات مدحت وفقا لما تطلبه منه المخابرات الحربية الا ان تحركات شاكر زادت عن الحد بدرجة اصبحت تقلق المخابرات الحربية التي استأذنت النيابة العامة لضبط العميل. وعندما سافر شاكر هذه المرة الى قبرص ليخبر رؤسائه بأن مدحت من الممكن ان يأتي معه الى قبرص زوده بكمية من المال لرشوة مدحت وتسهيل سفره وطلبوا منه ان يسأله عن النشاط السوفييتي في مصر وان يطلعه على طبيعة عمله بصراحة.. زودت المخابرات المصرية مدحت بما طلبه الجاسوس واعطته الصور والوثائق المطلوبة وذهب معه الى شقته لكي يتصل معه بالموساد من شقته التي كان قد استأجرها لهذا الغرض وفي اللحظة المحددة للاتصال بالموساد وحسب الاتفاق بين مدحت والمخابرات المصرية كانت قوة من المخابرات قد دخلت الشقة وامسكت بالجاسوس والشاهد الأمين عليه وفي المحكمة وقف الجاسوس وهو يستمع للحكم بسجنه مع الاشغال الشاقة وهو ينظر بحنق شديد نحو مدحت الذي وقف في المحكمة يقول ان ولائي لبلادي لا يمكن شراؤه ولا بأموال الدنيا كلها..