الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 كان فؤاد يسعى للموت بقدميه، ويبحث عنه ولكن على طريقته هو فقد حدد لنفسه الموت في فراغ تتدلى منه جثته وهي معلقة في انشوطه وحبل غليظ من الكتان.. هذا الحبل في حد ذاته كان اغلى من جثته التي لم تجد احدا يرغب في مواراتها التراب او حملها من مكانها حتى تدفن في مثواها الاخير. تجمع العمال والموظفون على صراخ شخص كان كل الناس يتحاشون التعامل معه حتى اولئك العاملين معه لم يرتاحوا كثيراً لتصرفاته وان قبلوه على اعتبار انه زميل لهم وعليهم ان يتحملوه. كان فؤاد يصرخ.. واحد من زملائه يحاول تهدئته وهو يردد: هذا ظلم.. لن أقبل به.. رضينا بالهم والهم لم يرض بنا اي حياة هذه.. ألا يكفي ما ألاقيه من تعب في العمل ثم في كل شهر افاجأ براتبي ناقصا نصفه خصومات وعقوبات. ظل زميل فؤاد، في مضرب الارز الحكومي بالاسكندرية، يحاول تهدئته الا انه لم يفلح فقد كان فؤاد في ذلك الصباح كمن فقد عقله ولم يلبث ان توجه الى مدير المضرب ودفع بابه بطريقة لا احترام ولا لباقة فيها وسأله.. أليس في المضرب أحد غيري لتعاقبه؟ رد عليه المدير بهدوء ليس لدي في المضرب موظف سكير ومهمل غيرك.. هذه اموري الخاصة ولا شأن لك بها.. ولكن حيث يؤثر سلوكك الشخصي على عملك تكون هنا المصيبة. اذن انا مستقيل.. ضغط المدير على زر وطلب المدير المالي للشركة.. وحين وقف امامه قال له بلهجة حاسمة سو حسابات السيد فؤاد حسن وحدد مكافأته واعطه شهادة بانهاء خدماته في المضرب لسوء سلوكه وعدم التزامه. نظر فؤاد الى المدير نظرة ساخطة والشرر يتطاير من عينيه وخرج دون ان يتفوه بكلمة اخرى لكنه بدا للجميع كما لو كان غير نادم على ما وصل اليه الامر.. بعد ايام قليلة حصل فؤاد على مكافأة نهاية الخدمة وعاد الى بيته مكفهرا، استقبلته زوجته تسأله عما به لكنه لم يرد عليها، ودخل غرفته واخذ يجمع اشياءه الخاصة ويضعها في الحقيبة وزوجته لا تزال مصرة على معرفة ما حدث.. وفي النهاية وعندما لم يرد عليها.. قالت له بصوت ذليل: ألن تنتظر حتى ترى أولادك بعد عودتهم من المدارس؟ لا اريد أولادي ولا اريدك ولا اريد محرم بك ولا الاسكندرية كلها.. وصفق الباب خلفه بقوة بينما جلست زوجته وحيدة تبكي وتسائل نفسها: يا ترى ماذا تخبئ لنا الايام؟ ربنا يهديك يا فؤاد.. خرج فؤاد من فوره واستأجر غرفة في احد الفنادق الرخيصة والرديئة واخذ يصرف مكافأة نهاية الخدمة على الساقطات والملاهي الليلية القذرة ويعب من الخمر عبا ويلعب القمار حتى نفدت نقوده.. وذات ليلة سأله احد اصدقاء السوء وصديق السهرات الحمراء! وماذا ستفعل يا فؤاد بعد أن نفدت نقودك.. أعمل اي شيء.. أي شيء.. هل تفهم ماذا أعني؟ اذن لدي عمل لك.. أين..؟ مع تاجر مخدرات كبير هنا في الاسكندرية.. هيا بنا إليه.. جلس فؤاد مع التاجر يستمع منه تفاصيل مهمته وكانت تقتضي بأن يحمل المخدرات ليقوم بتوزيعها على اصحاب المقاهي والغرز الصغيرة المنتشرة على الطريق بين القاهرة والاسكندرية.. في اليوم الثالث ولقلة خبرته وقع في كمين لمباحث المخدرات لكنه تنبه للأمر وقبل ان يتم القبض عليه اطلق ساقيه للريح واختفى في الحقول القريبة غير انه ومن شدة خوفه بعد انتشار رجال المباحث بحثا عنه صعد الى اعلى نخلة واختبأ بين سعفها حتى الصباح وعندما هبط على الارض قرر ان يترك هذه الارض كلها ويبحث عن ارض جديدة وهو غير مصدق انه نجا.. بعد اسبوع واحد كان قد استطاع ان يحصل على عمل في مركب تجاري يتنقل بين مصر والمانيا وفي شتاء العام 1971 قرر قبطان السفينة التحرك الى ميناء كولون بألمانيا بحمولته وعماله وضمنهم العامل الجديد.. فؤاد حسن علي حموده مصري الجنسية!! بعد عدة ايام وصلت السفينة الى كولون وكان فؤاد قد اتخذ قراراً بعدم العودة مرة اخرى الى مصر مهمها كان ومهما كلفه الامر.. وما ان نزل البحارة والعمال الى الميناء حتى جمع منهم القبطان جوازات السفر واعطاهم بطاقة هوية مؤقتة لحين عودة السفينة مرة اخرى الى مصر.. لم يهتم فؤاد بجواز سفره فهو لا يريده اصلاً، طالما لا ينوي العودة.. واتجه من فوره الى بنسيون صغير تصادف وجوده بجوار ملهى ليلي صاخب وحفظ اسم البنسيون ليعود اليه بعد ان يتناول طعاماً المانياً وبالفعل بعد نصف الساعة عاد الى بنسيون «فارسبورجرر» حيث استقبلته صاحبته وعرفته بنفسها أنها مدام ريتا.. قال لها وانا اسمي فؤاد مصري؟ ليس مهما.. اين تعمل؟ على السفينة التي تعمل بين مصر والمانيا.. حصل على غرفة بموجب بطاقة البحارة التي كانت معه ونزل من فوره الى الملهى الليلي وما ان دخل من باب الملهى حتى قفر فاه مما رأى فشرب وظل يرقص حتى صرف آخر مارك الماني معه واصبح لا يملك حتى أجرة البنسيون ثم عاد الى غرفته ونام حتى عصر اليوم التالي، وبدلاً من التفكير في مصيره والمأزق الذي وضع نفسه فيه وجد نفسه يتناول لقمة سريعة وينزل فوراً مع هبوط الليل الى نفس الملهى يمني نفسه بما هو متوفر.. وظل يشرب حتى اضاع عقله وادراكه تماماً وبينما كان على هذه الحال دعا فتاة رائعة الجمال من فتيات الملهى لتجالسه وأخذ يطلب زجاجات الويسكي الى ان انتهت السهرة وجاء وقت الحساب. دفع الجرسون أمام الزبون المترنح وفتاته فاتورة الحساب نظر فؤاد للفاتورة في دهشة.. وصرخ.. كم؟ تقول كم؟.. 560 ماركاً يا سيدي..! أنتم لصوص..!! لا داعي للغلط.. انت تجالس أجمل فتيات الملهى وطلبت ثلاث زجاجات شمبانيا وزجاجتي ويسكي ولا تريد ان تدفع هذا المبلغ التافه. شعر فؤاد انه وقع في مأزق حقيقي فضبط اعصابه على أمل ان ينجح في الهروب من هذا المكان كله.. قال له: لا بأس.. ولكن نقودي في السيارة بالخارج.. اذهب معك لاحضارها.. ألا تصدقني.. هل انا حرامي؟ انا لم أقل هذا.. أنا أقول اريد الحساب وتنتهي كل هذه الضجة.. قلت لك نقودي بالمنزل.. نسيتها هناك.. منذ لحظات قلت انها بالسيارة والآن تقول بالمنزل.. انت لا تريد ان تدفع اصلاً؟ واحتدم الصراخ واصر النادل على تحصيل حسابه وقال له قبل ان يتركه في حراسة «البودي جارد»: سوف اجعلك تغسل الصحون وتنظف بلاط الملهى كله الليلة.. عربي وقح.. كان مدير الملهى قد اسرع يستطلع مصدر الاصوات الصادرة من الصالة قبل ان يصله النادل ويحكي له قصة الزبون الذي يحتال عليهم. هل تبينت جنسيته..؟ اكيد انه عربي او من دول الشرق الاوسط.. عظيم جداً.. قالها مدير الملهى بفرحة غريبة وانطلق نحو الزبون الذي كان ولا يزال محاطاً بحراس الملهى واستقبله هاشا باشا.. وقال له: لماذا انت غاضب. رد عليه فؤاد، بلكنة يفهم منها انه مصري ولم تغب هذه الملاحظة على مدير الملهى الذي كان يعرف مهمته جيداً وسأله مباشرة.. هل انت مصري؟ نعم انا مصري.. ولكني لست لصا كما قال خادم الملهى.. لا تغضب منه انه مجرد عامل بالملهى ويؤدي وظيفته. انا مدير الملهى تفضل معي في غرفتي.. في غرفة مدير الملهى الفخمة كان فؤاد لا يزال ثائراً ومدير الملهى يهدئ من غضبه. اهدأ.. طالما انت مصري لا تحمل همّا سوف اعتبر الحساب مدفوعاً.. انا احب المصريين ولي اصدقاء كثيرون منهم واستطرد: واكثر من ذلك اعتبر نفسك الليلة ضيفاً على الملهى، كل واشرب وارقص وافعل ما تشاء.. ولكن بداية طمني على مصر كيف احوالها..؟!! انتبه فؤاد للعبارة الاخيرة.. وتمالك نفسه واعتدل في جلسته ولملم ملابسه التي كانت قد تأثرت من المشادة وصراخه.. وعرف انه امام شخص انقذه من فضيحة كان سيقضي الليل بسببها يغسل الصحون ويمسح ارضية الملهى وهنا عاود المدير السؤال: كيف حال مصر؟ زي الزفت كيف؟ لقد خرجت منها مطاردا بالديون والقضايا وتركت زوجتي واطفالي الثلاثة كي اعمل في المانيا ولا اريد العودة اليها.. رائع.. وماذا يمكنك ان تعمل؟ اي شيء.. مستعد للعمل في اي شيء؟ تعمل في التهريب؟ أعمل حتى في المخدرات.. المهم ان احصل على نقود.. هنا ادرك مدير الملهى الذي كان في حقيقة الامر ضابط مخابرات «اسرائيلي» ان امامه عميلاً جاهزاً للتجنيد وهو سهل لدرجة انه وافق مباشرة. خرج مدير الملهى بصيده الثمين الى الصالة مرة اخرى وامر له بطاولة وطلب له شرابا ثم اشار الى الفتاة التي كانت تجالسه منذ بداية السهرة وطلب منها ان تحضر الى فؤاد بك!! نظر له فؤاد وقال له ماذا تعني؟ اعني انك تأخذ سهرتك هنا كاملة وحينما ترغب في العودة للبنسيون سترافقك هذه الجميلة.. لم يصدق فؤاد نفسه وافرغ الكأس في جوفه وحمل الزجاجة معه ونظر نحو الفتاة الألمانية ثم جذبها من يدها الى خارج الملهى. وفي الصباح توجه الى الملهى ليجد مدير الملهى في انتظاره ودون مقدمات قال لفؤاد: ارجو ان تكون قد سررت بالأمس.. هذا جميل لن انساه لك!! اذن انت مستعد للتعاون معي.. في اي شيء تطلبه.. انا لا اريد سوى الاجابة على سؤال بسيط.. وما هو؟ اقترب مدير الملهى بفمه من اذن فؤاد وقال له، هامساً بصوت كفحيح الافعى: نريد منك معلومات عن مصر. لم يبد فؤاد دهشة من الطلب فاستطرد المدير بسرعة قائلاً: نريد فقط ان نعرف هل ستحارب مصر أم لا؟ ولكني لا اريد أن اعود لمصر.. سنعطيك ما تطلب وستعيش ثرياً في مصر ولا تحمل هماً لأي شيء.. فقط كل ما نريده هو الاجابة على هذا السؤال.. لذا عليك ان تعود للسفينة وتحصل على جواز سفرك وترجع معهم بصورة طبيعية، نحن لا نبحث الا عن مصلحة المنطقة، فأنتم تعيشون في منطقة الشرق الاوسط وهي منطقة ملغومة ومهيأة للانفجار في اي وقت ونحن نريد التدخل لمنع هذا الانفجار.. نحن نعمل من اجل سلام المنطقة كلها ولكي يحدث هذا لابد ان نمنع وقوع الحرب.. فإذا عرفنا عن طريقك موعد انطلاق هذه الحرب استطعنا التدخل في الوقت المناسب وابلغنا اميركا لتتدخل لنزع فتيل الحرب واذا حصلت لنا على هذه المعلومة فسوف يكون نصف مليون مارك لك وحدك!! والآن هل انت مستعد للتعاون معنا؟ انتهى فؤاد من رشف فنجان قهوته وقال لمدير الملهى: انا مستعد للتعاون معك حتى النهاية وسوف انفذ كل ما تطلبه مني لأني لا أنسى لك موقفك معي الليلة الماضية وكرمك معي. اذن سوف أرسلك الى اصدقائنا المهتمين بهذا الموضوع وكلي امل انك ستتعاون معهم مثلما تعاونت معي.. رد فؤاد بصوت «دنيء وقح» وقال له: انا مستعد للتعاون مع الشيطان نفسه.. المهم الفلوس.. الحائرة ظلت زوجة فؤاد منذ اختفائه حائرة بين أقسام الشرطة واصدقائه تحاول ان تعرف عنه اي خبر الى ان عثرت على احد اصدقاء سهراته الماجنة وأكد لها انه غادر الى المانيا.. سألته: وهل تعرف عنوانه؟ أريد ان اكتب له.. نحن نبيت على الطوى.. فؤاد لن يعود لمصر.. اخذت الزوجة تبكي وعادت الى شقتها بمحرم بك وجمعت اولادها الثلاثة في حضنها وقررت مع الصباح ان تبحث عن عمل.. اي عمل حتى ولو عملت خادمة. ووسط هذه الحيرة وصلتها رسالة من فؤاد من المانيا بالفعل يقول فيها انه سيعود لمصر قريباً ومرفق بالرسالة حوالة مالية بقيمة مئة دولار!! كانت سعادة الزوجة بهذه الرسالة لا توصف وطارت الى اشقائها تبلغهم بما حدث وسعد الجميع انه بخير وانه سيعود بعد ان كانوا قد قطعوا الامل في عودته نهائياً.. اللقاء أمام باب السفارة الاسرائيلية في بون وقف رجل له ملامح عربية يطلب الدخول لمقابلة السيد «ابراهيم» وقال لموظفي الامن انه يحمل رسالة من صديق للسيد ابراهيم.. اتصل موظف الامن بالشخص المطلوب وبعد لحظات كان ابراهيم نفسه ينزل لاستقبال الضيف المهم.. دخل الخائن من باب السفارة الاسرائيلية بقدميه الى حتفه وصعد مع ابراهيم الذي كان في الواقع ضابط مخابرات تابعاً للموساد وملحقاً بالسفارة في بون لتحصيل المهام واصطياد العملاء.. دخل ابراهيم مع فؤاد الى غرفة محكمة جداً ومزودة بعدد من الكاميرات التي لم يلحظها الخائن الغبي واخذ يسأله عن ماضيه وحاضره وعن اقربائه واصدقائه واعمالهم والعميل يجيب وضابط الموساد يسجل كل كلمة ثم اعطاه استمارة ليسجل فيها تاريخ حياته بكل التفصيلات الدقيقة، وبعد ان انتهى احضر ابراهيم خريطة باللغة العربية لمدينة الاسكندرية وطلب من فؤاد ان يحدد له مكان منزله على الخريطة ففعل.. ثم احضر خريطة اخرى باللغة العربية ايضاً لميناء الاسكندرية وطلب منه تحديد بعض المواقع في الميناء فحددها.. وبعد انتهاء هذه المقابلة اعطاه 50 دولاراً وطلب منه الذهاب لفندق ماجيستيك في بون وهو الفندق الذي تتعامل معه السفارة الاسرائيلية.. وقال له ان الايام التالية سيقضيها في دورة تدريبية خاصة.. حضر فؤاد دورة تدريبية تعرف خلالها على كافة انواع الاسلحة بالصور والافلام المتحركة ثم اعيد عرضها عليه مرة اخرى دون ذكر اسمائها لكي يميزها بنفسه، وتم تدريبه كذلك على كيفية الحصول على مختلف المعلومات، ثم اعطي ورقة مشبعة بمواد كيماوية وطلب منه ان يكتب عليها خطابا عادياً جداً لا يحتوي على اي معلومة او موضوع مهم ثم قلب الصفحة وطلب منه ان يضع عليها ورقة الكربون المعدة خصيصاً للكتابة السرية ويكتب الرسالة المطلوبة اي الرسالة السرية التي تضم المعلومات المراد تمريرها بين اسطر الخطاب العادي، وبعد ذلك اخذ منه الرسالة ومررها على بخار ابريق شاي لمدة ثلاث دقائق فاستوت الورقة وتلاشت آثار الضغط ثم وضع الرسالة داخل كتاب سميك لمدة خمس دقائق وبعد ذلك اخرجها مرة اخرى فبدت كما لو كانت رسالة عادية جداً لا يستطيع احد ان يكتشفها ثم دربه على استعمال الشفرة بالراديو وحدد له ساعة معينة حين يفتح الراديو خلالها سيسمع اشارات معينة مؤلفة من حروب ليس عليه سوى ان يلتقطها ويطابقها على الشفرة التي معه لتخرج الرسالة التي تحتوي على طلباتهم، وبعدها تم تدريبه على استخدام طريقة التصوير بنظام الميكروفيلم حيث يتلقى المعلومات من ضابط المخابرات التي يكتبها في ورقة كبيرة عادية ويقوم بتصغيرها حتى تصبح في حجم رأس الدبوس وعندما تصل لفؤاد يقوم بتكبيرها لتصبح ورقة عادية مرة اخرى.. انتهت الدورة وثبت نجاح العميل بجدارة، خاصة وان لديه استعداداً للتحالف مع الشيطان كما قال هو لمن جنده في البداية.. ولكن قبل ان يحصل فؤاد على شهادة انه اصبح عميلاً مدرباً اخبره ابراهيم بأنه سيتقاضى راتباً شهرياً قدره 300 دولار عدا المبالغ الاخرى والمكافآت التي ستأتيه من رئاسة الموساد نفسها.. وأكد له ان الجائزة الكبرى وهي النصف مليون مارك سينالها اذا اعلمهم بموعد الهجوم المصري على اسرائيل.. اما اذا ارشدهم عن اي عميل للمخابرات المصرية داخل اسرائيل فسوف يحصل على 50 ألف دولار بعد ان يتم القاء القبض عليه فوراً. ثم اعطاه ألف دولار وطلب منه السفر فوراً الى مصر وتكوين اكبر شبكة من الاصدقاء مع الاشخاص الذين لهم علاقة بالاماكن الحساسة للحصول منهم على المعلومات في جلسات السهر.. وقبل ان ينصرف الخائن من أمامه استوقفه ضابط المخابرات مرة اخرى وقال له، وكأنه يؤكد عليه: لابد ان تتردد كثيراً على ميناء الاسكندرية وتراقب سفن الأسلحة السوفييتية التي ترد الى مصر ولابد من التركيز في معلوماتك على الاتفاقيات التي تبرمها مصر مع الدول العربية ودول الخليج بصفة خاصة! العودة في ديسمبر 1971 فوجئت أسرة فؤاد به يقف أمام باب الشقة المتواضعة بشارع محرم بك.. لم يصدق الاطفال انفسهم وهم يرون والدهم وقد عاد بهيئة افضل كثيراً مما كان عندما سافر وظهرت عليه علامات الثراء وكان محملاً بالهدايا وجيوبه منتفخة بالأموال.. سألته زوجته من اين كل هذا..؟ لقد نجحت في عملي بألمانيا واصبحت تاجر سيارات وفتحت مكتباً للترجمة يدر دخلاً كبيراً علي. وبعد ساعات من وصوله بدأ فوراً في الالتقاء بأصدقائه وتنفيذ ما درب عليه وجمع قدراً كبيراً من المعلومات وبعد اسبوع واحد كان يكتب اولى رسائله الى العنوان الذي زوده به الموساد.. لندن ـ ص.ب 329 مستر طومسون. دعوة لم يكد الجاسوس يستقر في عمله بالاسكندرية حتى جاءته رسالة في اول يناير العام 1972 تطلب منه سرعة السفر الى لندن. لم يستغرب فؤاد الامر فهو لا يزال على موقفه، التعاون مع الشيطان من اجل المال. في المطار كان ابراهيم، ضابط الموساد الملحق بسفارة «اسرائيل» في بون، في انتظاره ومعه شخص آخر.. بعد التحية والسلامات سأله فؤاد من يكون الشخص الآخر.. قال له: «الضابط بوب» المسئول عن فرع الموساد هنا في بريطانيا وفي الطريق الى السفارة الاسرائيلية في لندن بدأ بوب يتكلم مرحباً بعميله النشط.. ثم قال: ولكن.. سأله: ولكن ماذا..؟ اسمع يا فؤاد.. لندن تختلف عن بون، فالعرب والمصريون هنا اكثر، لذا المطلوب منك تجنيد اي عدد منهم سواء أكانوا مصريين ام عرباً.. قاطعه ابراهيم: ولكن في هذه الحالة يا مستر بوب لابد من تدريبه على ذلك. ليكن ذلك. ومنذ اليوم التالي بدأ بوب في تدريب فؤاد على كيفية تجنيد المصريين والعرب الموجودين في لندن، وكيفية العيش في لندن والتعرف على أماكن تواجدهم في العاصمة الرمادية ثم اعطاه اسم فندق في لندن وطلب منه السكن فيه وقال له ان هذا الفندق هو ملتقى العرب من كل مكان وستجد فيه كل الجنسيات العربية. بعد أيام قليلة شعر فؤاد انه يكاد يختنق من جو لندن الضبابي فطلب ابراهيم في بون وقال له: انا لن استطيع الاستمرار في هذه المدينة الكئيبة.. انها تخنقني.. اريد العودة الى مصر.. هناك سوف أفيدكم أكثر.. بعد يومين وصل ابراهيم من بون الى لندن واذن لفؤاد بالعودة الى مصر واعطاه ألف دولار وكل مستحقاته من رواتبه المتأخرة وبعد ان تسلم نقوده نظر لها وبدا كمن يريد ان يقول شيئاً ما.. سأله ابراهيم، المدرب تماماً على كيفية التعامل مع هذه النوعية من العملاء؟ هناك شيء تود ان تقوله.. نعم.. اريد زيادة المكافآت والراتب.. ولماذا؟ لقد كبر ابنائي واصبحوا يسألونني عن كل صغيرة وكبيرة، لذا أتمنى زيادة مخصصاتي المالية لاستأجر شقة بعيداً عن منزلي ازاول فيها عملي بحرية اكبر.. وافق ابراهيم واعطاه مبلغاً اضافيا لاستئجار شقة اخرى وتأثيثها بالأثاث المعقول.. وهو يعلم ان هذا العميل سيرد لهم قيمة ما يدفعونه اضعافاً مضاعفة من معلومات مهمة خاصة وان هذه الفترة تشهد مطالبات من الشعب المصري بضرورة الحرب وتحرير سيناء والجولان وغيرها من الاراضي التي احتلتها «اسرائيل» بعد حرب يونيو 1967. بنفس الفرحة استقبلته الزوجة الطيبة، الغافلة عما يفعله زوجها الخائن، وكذلك اولاده وابنه الاكبر الذي كان يستعد لامتحانات الثانوية العامة ذلك العام وسألوه: اين كنت هذه المرة؟ كانت لدي اعمال مهمة في لندن.. لقد اتسعت اعمالي ولذا لا تقلقوا علي كثيراً.. فأنا أعمل من اجلكم..! في نفس اليوم استأجر فؤاد شقة في شارع خالد بن الوليد بميامي بالاسكندرية ونقل اليها ادوات التجسس وبدأ يمارس اعماله من هذه الشقة التي تحولت الى وكر للخيانة والقمار والسكر والمخدرات والتف حوله اصدقاء السوء من كل صنف ونوع وكان دور فؤاد هو ادارة هذه السهرات وتسجيل الاجابات التي كان يطرح اسئلتها بشكل دقيق ولكن وسط جو الصخب والدخان وحالة عدم الاتزان التي كان الاصدقاء عليها دائماً.. المخابرات المصرية اثارت هذه الشقة اهتمام رجال المخابرات في الاسكندرية، حيث كانت السهرات يومية وصاحب الشقة بلا عمل واضح له يتوازن مع حجم الانفاق وطريقة السهرات فانضم الى جموع الساهرين ضابط من مخابرات الاسكندرية وحضر الجلسات والسهرات وعرف نفسه بأنه احد العاملين بشركة للملاحة البحرية بميناء الاسكندرية وتتولى شركته القيام ببعض الاضافات للميناء وهنا تقرب اليه فؤاد وبدأ يسأله عن احوال الميناء وعن السفن السوفييتية المحملة التي تصل الميناء وطبيعة حمولاتها اهي أسلحة أم أغذية. كان ممدوح، ضابط المخابرات مدركاً وهو يتلق هذه الاسئلة ويجيب عليها اجابات عائمة وعادية لا تضر ولا تنفع ومع ذلك اعجب به فؤاد وبدأ يغدق عليه الهدايا بمناسبة ودون مناسبة، وهنا توقف الضابط الذي تأكد ان فؤاد شخص مشبوه وحمل نفسه ذات يوم وذهب لمقابلة قائده العميد حسن واصف بمركز مخابرات الاسكندرية وشرح له موضوع فؤاد والشقة وما يحدث فيها وطبيعة ونوعية الاسئلة التي يطرحها على ضيوفه وهو منهم.. طلب العميد حسن من الضابط ممدوح مجاراة فؤاد واصدر تعليماته بوضع تحركات واتصالات فؤاد تحت المراقبة الدقيقة ومنذ تلك اللحظة اصبح فؤاد تحت السيطرة.. روما انهى ابن فؤاد دراسته الثانوية ونظراً لثراء والده طلب منه ان يكمل دراسته في ايطاليا فلم يمانع الأب وسافر الابن الى روما يبحث عن مكان له باحدى جامعاتها وعندما عاد استقبله والده بفرحة وتمنى ان يكون قد وجد مكاناً له.. وظل الابن يروي لأبيه ذكرياته خلال الايام التي قضاها في روما ولكنه ذكر عبارة شدت انتباه الاب عندما قال: تصور يا أبي لاحظت ان وسط الطلبة الذين قابلتهم هناك طالباً يسافر كل فترة ويعود ومعه أموال كثيرة وكل ما اخشاه ان يكون هذا الطالب قد تورط مع المخابرات الاسرائيلية.. أليس من الواجب يا أبي ان اخبر المخابرات المصرية؟ نهره الأب الجاسوس وقال له: لا شأن لنا بهذا وحذره من ابلاغ المخابرات المصرية.. وانتهز اول فرصة وسافر الى روما وهناك ابلغ ضابط المخابرات الاسرائيلي بالسفارة في روما بما رواه له ابنه وحذرهم من التعاون مع هذا الطالب فما كان من ضابط المخابرات الا ان شكره وفتح خزينته واعطاه 1500 دولار ودفع له كل مصاريف الرحلة الى روما..! السقوط خلال المراقبة الدقيقة لهذا العميل النشط وحجم المعلومات التي اصبح يحصل عليها وكثرة سفراته الى اوروبا وغيرها توصلت المخابرات المصرية الى ضرورة التحرك بجدية لانهائه قبل ان يستفحل خطره فجمعت كل المعلومات عنه والتسجيلات في ملف ضخم وقدمته للنيابة العسكرية التي امرت بالقبض عليه.. كانت الساعة السابعة صباحاً عندما توجهت قوة من المخابرات المصرية الى شقة ميامي بشارع خالد بن الوليد ودخلت الشقة لتجده مستغرقاً في نومه وبجواره مسودة ورقية كتب فيها كل ما جمعه من معلومات من سهرة الليلة السابقة والتي كان من المفترض، عندما يصحو، ان يعيد كتابتها بالطريقة التي درب عليها وارسالها الى لندن. أوقظ من النوم واقتيد الى مبنى المخابرات ووجهت له تهمة الخيانة العظمى وذلك باخراج أسرار الدفاع عن البلاد وتسليمها لدولة معادية والحصول على مقابل مادي لذلك. رفض المحامون تولي قضية الخائن الا ان المحكمة انتدبت له محامياً لم يجد شيئاً يقوله امام المحكمة سوى ان يطلب الرأفة له عند الحكم.. الشنق اصدرت المحكمة حكمها باعدام الجاسوس شنقاً وصدق رئيس الجمهورية على الحكم وأحيل للتنفيذ في سجن القاهرة العمومي وتقرر تنفيذ الحكم صباح 17 يناير 1973 اي قبل قيام حرب 6 اكتوبر المجيدة بعشرة شهور الا ان محامي المتهم وقبيل تنفيذ الحكم بثوان جاء مسرعاً وبيده ورقة تقول ان المتهم مجنون وهو غير مسئول عما ارتكبه من افعال فكيف يمكن اعدام مجنون؟ اطلع مأمور التنفيذ ومدير السجن العميد بدر الدين الماص على الورقة حيث ثبت انها صحيحة بالفعل وكانت تطلب تأجيل تنفيذ الحكم حتى الانتهاء من دراسة عريضة مقدمة من المحامي ومرفقة بتقرير طبي يثبت انه مختل القوى العقلية ويقول التقرير ان المتهم ادخل للعلاج في مستشفى الامراض العقلية عدة مرات. نظرت المحكمة في الاستشكال القانوني الذي قدمه المحامي وكانت المفاجأة ان المحكمة رفضته وأمرت بتنفيذ الحكم وفي صباح يوم 30 يناير كانت جثة الخائن تتدلى من حبل المشنقة..!