الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 بالنسبة لسبايكمان، وفيما بعد برنارد برودي وجورج كينان وهانز مورغنتاو وارنولد والفرز وريمون آرون وهنري كيسنجر وكنيث والتز وروبرت تاكر، فانهم لم يكتبوا او يعلموا نظرياً، وانما فعلوا ذلك في عصر الحرب الباردة وفي ظلال القنبلة النووية وعلى الاقل بالنسبة لاولئك الذين كتبوا في عقود احدث، فانهم قد شعروا بأنهم مضطرون للانخراط في نزاعات قوية مع موجات جديدة من الاختصاصيين الذين كانوا ملتزمين بالاممية الليبرالية وبأهمية الاقتصاد السياسي والتنظيم الدولي، أي مع باحثين متميزين مثل ستانلي هوفمان وارنست هاس وروبرت كيوهان وبروس روس وجوزيف ناي، وجميعهم تشبثوا بالتقليد الواقعي، ووجدوا انه غائب. وهذه المناظرات التي اصبحت مادة الكتب التعليمية في العلاقات الدولية، قد جرى التعامل معها بشكل مقنع في الفصل الاخير من كتاب هاسلام الذي يحمل عنوان «من السياسة الواقعية إلى الواقعية المحدثة» والذي يعطي فيه الكلمة الأخيرة لمايكل ماندلباوم في هجومه اللاذع الأخير على سجل إدارة كلينتون في «السياسة الخارجية كعمل اجتماعي». ان كتاب «لا فضيلة مثل الضرورة» يعتبر تمريناً اصلياً مصمماً ببراعة في التاريخ الفكري. ولكن الأمر المحبط بالنسبة لي هو الفظاظة او عدم الترابط التي يتم بها انهاء هذا التمرين. والخلاصة حول «الصلة بالواقعية» تعتبر اكثر الاستنتاجات بساطة حول الكيفية التي لا تزال بها المعتقدات الرئيسية للفكر الواقعي وثيقة الصلة بالعالم اليوم. هذا صحيح، فهو يبدأ بذكر مختصر وواعد لمدى الصدمة التي شعر بها الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وزعماء اخرون من التوحيد الفعلي لألمانيا في عام 1989، وكيف جاهدوا لكي يتأقلموا مع توازن القوى الجديد في اوروبا وبعد ان وافقوا علنا على توحيد ألمانيا منذ سنوات، فان الفرنسيين كانوا غير سعداء بهذه الاضافة الكبيرة للارض الالمانية ولسكانها وقوتها عندما لاحت الوحدة، مما يعطينا درسا جيدا حول الفروقات بين المظاهر والواقع. ولكن هاسلام لايمضي الى ماهو ابعد من ذلك المثال المحدود، وبالتالي يفوت الفرصة لاختتام عمله بنقاش اكبر لما تعنيه القوة في عالم اليوم. هل لاتزال تقاس بعناصر القوة «الصادمة» لدى هوبز مثل الجيوش ومصانع السفن؟ ام يتعين على المرء ايضا ان يفسح المجال لعناصر القوة اللينة، تلك المتعلقة بالتأثيرات الثقافية ووسائل الاتصال الحديثة، كما اقترحت من قبل جوزيف ناي في كتبه الاخيرة؟ هل يعني النهوض المصطرد للصين ان الحقائق الجيوسياسية القديمة لاتزال كما كانت من دون تغير بفعل العولمة؟ كيف يفسر المفكرون الواقعيون والمثاليون الحاليون حميمية روسيا الجديدة مع الغرب، والصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني والمأزق بين الهند وباكستان؟ ماذا تقول الادوار المحدودة للامم المتحدة والنجاحات المحدودة لافكار ماكياميللي وهوبز ومكايندر ومورغينتاو؟ هنا كانت فرصة لربط هذا العمل التخيلي بطريقة قوية ووثيقة الصلة بالموضوع، مما يجعل من الواضح اننا نتجاهل السبل الواقعية على حسابنا، ولهذا فانه لمن المؤسف ان هذه الفرصة لم يتم استغلالها. يختلف كتاب «درع أخيل» عن الكتابين الاخيرين من نواح عديدة، اولا، كان عمل مؤلفه في الحكومة بقدر ما كان خارجها. ثانيا، هنالك المسألة المتعلقة بحجم الكتاب ووزنه، فهو اطول باربع مرات تقريبا من كتاب هاسلام. واخيرا، هناك كثافته وطموحه كما يتضح بشكل مباشر من عنوانه الفرعي «الحرب والسلام ومسار التاريخ» لقد عمل فيليب بوبيت، الاستاذ حاليا في القانون الدستوري بجامعة تكساس، في البيت الابيض ومجلس الشيوخ ووزارة الخارجية ومجلس الامن القومي في ظل ادارات ديمقراطية وجمهورية، وهو حائز على البكالوريوس في الفلسفة من جامعة برنستون والماجستير من جامعة ييال والدكتوراة في التاريخ الحديث من جامعة أكسفورد، ويحاضر حول الاستراتيجيا في المملكة المتحدة وحول القانون في الولايات المتحدة، وتغطي كتبه سلسلة من القضايا، من القانونية وحتى الردع النووي. هناك بالطبع بشائر ومخاطر في مثل هذا الاعداد المتعدد الاوجه لكتابة دراسة عن الحرب والسلام والتاريخ منذ العصور القديمة وعلى نحو مثالي، فان من الواجب على مؤلف هذه الدراسة ان يكون جيد الاطلاع في ميادين القانون والدبلوماسية والحكم والفلسفة والاستراتيجيا والتاريخ وحتى الادب والثقافة، وكما يشير سير مايكل هوارد في مقدمته المتألقة فإن اشخاصاً قلائل يمكنهم ان يضاهوا مؤهلات بوبيت لهذا العمل،، ولكن الخطر ـ وهو خطر حقيقي ـ هو انه برمج كل تلك الابعاد للجهد البشري، فان الحجج الرئيسية تغرق في التفاصيل وفي الحجج الفرعية. ان قراءة كتاب «درع اخيل» الى جانب كتاب ميرزهايمر «مأساة سياسة القوة العظمى» تذكر المرء للوهلة الاولى بكتاب ايزايا برلين «الثعلب والقنفذ». لقد وضع بوبيت كتابين بين دفتي كتابه الكبير، وبصورة ما اعتقد ان هناك كتابا ثالثا، ويذهب الى القول ان ما يربط هذه الاجزاء معا هو الترابط القائم بين القانون والاستراتيجيا والتاريخ، ثالوثه من الاجزاء الذي يوحد ويشرح الدولة القومية الحديثة. الكتاب الأول ضمن الكتاب والذي يحمل عنوان «حالة حرب» ينقسم على الفور إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول عبارة عن مقال في اربعين صفحة يذهب الى القول ان العديد من الحروب والصراعات في ما بين 1914 و1990 ينبغي ان ينظر إليها ككل متكامل، باعتبارها تنافس عالمي بين الفاشية والشيوعية والليبرالية مع بروز الأخيرة منتصرة في الوقت الذي كان النظام الدولي يشهد تغيرا عميقا. ثم يعود المؤلف، وعلى نحو مفاجيء الى حد ما، الى الوراء في الزمن لكي يقدم نظرة أكثر شمولية لتاريخ الدولة الحديثة من الحروب الايطالية في التسعينيات من القرن الخامس عشر وحتى عام 1914، وذلك في رواية شيقة تشمل ثورات عسكرية وقوانين دستورية متغيرة وتعليقات معاصرة على الحرب والسلام. وعلى نحو لا يثير الدهشة، فان ماكيا فيللي يبرز في مناسبات عديدة هنا، أيضا. فيشير بوبيت ان اربع نقاط تحول تحدد العصور المختلفة لنظام الدولة الكلاسيكي وهي: عام 1494، عندما أدى الغزو الفرنسي لشمالي ايطاليا الى ازاحة نظام دويلات المدن القديم وعلاقات القوى في القرون الوسطى جانبا، عام 1648، عندما انتهت الحروب الدينية وتم ترسيخ نظام الدول القومية العلماني الحديث بموجب معاهدة وستفالبا، عام 1776، عندما بدأت «الثورات الأطلسية» التي اوجدت دولا ثائرة، وعام 1914 نفسه عندما بدأ عصر الحرب الايديولوجية الشاملة. يمكن للمتحذلقين ان يختلفوا مع تواريخه ـ وقد يتساءلون لماذا لايكون عام 1789 والثورة الفرنسية بدلا من عام 1776؟ـ أو حتى يشككوا في مصداقية تثبيت التواريخ من أصله، ولكن الخيارات تبدو بالنسبة لي معقولة وغير استثنائية، والنص مكتوب بحيوية ويحرك القاريء بسرعة من عصر لآخر. الجزء الثالث يعود بنا، بصورة مفاجئة، إلى عام 1990، حيث حمل انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي معنى مفاده ان نظام الدول قد اجتاز خطاً فاصلا آخر. ولكن هذه المرحلة الجديدة ـ ورأي بوبيت يعتبر مركزياً بالنسبة للكتاب كله ـ هي مرحلة أكثر تعقيداً بشكل لا محدود من جميع التحولات السابقة، وذلك لأن نظام الدول الذي مضى عليه خمسمائة عام في طريقة إلى الزوال، بحسب بوبيت. وبعبارة اخرى، فان معظم ما تعلمناه حول السياسة الدولية والدبلوماسية وفن الحكم منذ عهد ماكيا فيللي أصبح لاغيا في فترة وجيزة، وهذا يحدث على مستوى عميق وبسرعة كبيرة حتى ان الكثيرين منا يقولون ان وزير الدفاع رامسفيلد والبروفيسور ميرزهايمر والسيناتور جيسي هيلمز مازالوا غير مدركين لحقيقة اننا نمتطي نقطة التحول التاريخية هذه. إن بوبيت ليس ساذجا لهذه الدرجة بحيث يقول إن الدولة القومية لم يعد لها وجود، وذلك لا يعود فقط الى كونه لا يؤمن بذلك، وانما ايضا لان ذلك سيكون مثيرا للسخرية حقا ان يصدر هذا القول عن مسئول خدم الدولة لفترة طويلة في بلاد تبدو، بسياساتها ومواقفها الخارجية الراهنة، وكأنها تفترض ان الولايات المتحدة هي عامل حر هذه الايام كما كانت في عام 1783. غير ان ما يذهب اليه هو أن عناصر القوة التقليدية للدولة ـ الجيوش والضرائب والحكومات والسلطة والدساتير ـ لم تعد ضمان أمان في وجه مجموعة من القوى الحديثة التيي يعتبر التعامل معها أسهل بكثير. وهذه القوى تتضمن انفجار المعرفة الفوضوي وتدفق رؤوس الأموال عبر الحدود القومية والشبكات الاجرامية بالاضافة الى التهديدات البيئية والامراض كالايدز. وهذا التعقيد الاكبر سيجبر الحكومات، في المقابل، على الاتيان بردود اكثر تعقيداً واختلافاً. فعلى سبيل المثال، ربما لم يعد بامكان الولايات المتحدة بعد توقيع اتفاقية «النافتا» ان تعامل المكسيك وكندا على انهما دولتان اجنبيتان بالكامل. ولم يعد يجوز للدول الاوروبية، بعد توقيع معاهدة شنجن حول الهجرة في اوروبا، من بين قرارات اخرى، ان تنتهج سياسات فردية للهجرة، ولكنها تستطيع جميعها ان تحتفظ بأنظمة تعليمية عامة مختلفة بعض الشيء. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومات نفسها ستتغير ايضاً، وذلك لأن موجهي التحولات العالمية يدفعون بالمجتمعات نحو ترتيبات محلية تحولية ـ بالاسلوب الذي، كما اظهر ماكس فيبر، اثر في التغيرات السابقة في الحروب والسياسة الدولية على هياكل الدولة والدساتير والمجتمعات. وما على المرء الا ان ينظر الى الطرق التي يحاول بها توني بلير جاداً ان «يعيد تنظيم» بريطانيا من خلال لامركزية السلطة واصلاح مجلس اللوردات ـ او، على النقيض من ذلك ـ الى العجز الراهن لدى اليابانيين في معالجة التغيرات الهيكلية ـ لكي يفهم ما يحاول بوينت ايصاله من افكار. وكل هذا يتيح للمؤلف ان ينتقل بسلاسة الى الكتاب الثاني ـ «دول السلام» ـ حيث يدرس «مجتمع الدول» المتغيّر خلال الفترة نفسها الممتدة لخمسمئة عام ويقدّم احكاماً حول الجهود المتعاقبة لاعادة تعريف النظام، سواء كان ذلك في ويستفاليا في عام 1648 او فرساي في عام 1919 او في اتفاقيات باريس لعام 1995. فالتركيز هنا لم يعد منصباً على القادة السياسيين والعسكريين، وانما على القانونيين الدوليين والباحثين الاخرين الذين سعوا الى تفسير وتبرير وتصنيف النظام الدولي المتطور في عصر الى التالي. وفي الحالة هذه، فانه يقترب من مشروع هاسلام الذاتي ويذكر ايضاً بالكتاب الكلاسيكي ل. إف. إتش. هنسلي الذي يحمل عنوان «القوة والسعي الى السلام». ينهي بوبيت الكتاب الثاني، كما فعل مع الاول، عن طريق محاولة وصف عصرنا الحالي بصفته عصراً لـ «دول السوق». غير ان هذا ليس هو ما يبدو عليه الكتاب او يعنيه بوجه عام، ويجدر بنا ان نسأل ما اذا كان اختيار هذا المصطلح هنا موفق ام لا، حيث ان انصار السوق الحرة في العالم سيكيلون المديح لكتابه على الارجح بدون قراءته بشكل مناسب. واعتقد ان بوبيت قد اختار هذا المصطلح لأنه يريد مجدداً ان يؤكد على عنصر الاختيار واهمية قيام الدول بالاختيار في سبل ممارستها للقوة. بالاضافة الى الحث على حاجة القادة السياسيين لأن يكونوا اذكياء وعمليين في تعاملهم مع التحديات المستجدة. والدول نفسها، على سبيل المثال، لديها حرية الاختيار في تعديل دساتيرها وقوانينها وممارساتها، ويفترض المؤلف ان هذا الامر سيتم بصورة مختلفة في فرنسا عن سنغافورة والولايات المتحدة مثلاً. وتملك الحكومات الخيار في توظيف التحالفات والمعاهدات الدولية القائمة او ابتكار تحالفات ومعاهدات جديدة للتعامل مع التهديدات، او المعنى في العمل منفردة، كما يفضل الكثير من المحافظين الاميركيين، وكما ورد في الشهر الماضي في وثيقة ادارة بوش التي تحمل عنوان «استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة». ويتعين ان يتم الاختيار ايضاً بشأن الاشكال المختلفة للتعاون ـ فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخبارية السرية والقضايا الصحية والبيئة والارهاب ـ من اجل مواجهة الاخطار. والعالم القابع امامنا ليس عالم الوفرة والخصب، وفي مسارات العمل العديدة والمعقدة جداً التي استطلعها بوبيت من اجل القاريء ليس فيها مخارج سهلة. كل هذا يعتبر جيداً وعلى خير ما يرام نظرياً، ولكنه يبدو بالنسبة لي معذباً جداً، ويفترض الكثير من الاسئلة العملية. وتقول الجملة الاولى في مقدمة بوبيت: «اننا نمر بلحظة في الشئون الدولية يتعين فيها ان يتم تغيير الافكار الاساسية التي تحكم في ادارة الحكم». احقاً يجب ان تتغير؟ وحتى ان كان ذلك صحيحاً، فهل يمكن ان تتغير؟ ان معظم القيادات السياسية في العالم اليوم لا تتمتع بالصلاحيات المعتبرة الممنوحة لرئيس الوزراء البريطاني باغلبية كبيرة في مجلس العموم او لديها قائد ذكي وواسع الخيال كتوني بلير، ومع ذلك، فإنه يواجه صعوبات عندما يحاول أن يغير الكثير وبسرعة كبيرة، كما يحدث الآن مع المقارنة الراهنة من قبل الكثيرين في المملكة المتحدة لليورو. ولكن هل تملك الحكومة الجديدة في افغانستان أو سيراليون ـ أو، بقدر ما يتعلق الامر بالقضية، هل تملك الحكومتان الحاليتان في الصين والارجنتين ـ أي حرية ذات اهمية في المناورة من اجل التأقلم مع نظام عالمي جديد؟ وانطباعي الشخصي هو ان معظم القادة السياسيين في العالم اليوم يرهقون انفسهم فقط من اجل النجاة من المشكلات الراهنة، وان عدداً قليلاً منهم لديه القدرة والطاقة اللازمتين لاعادة التفكير في طبيعة الدولة استراتيجياً. وعلى الارجح ان معظمهم لا يعرف اننا الآن في مرحلة بوبيت التاريخية المعدلة او انه يفترض في دولهم ان تصبح «دول السوق». وهذا لا يعني التشكيك في رأيه المرعب بحق، الذي يقول ان الامور قد تتغير بسرعة اكبر هذه السنوات من اي فترة اخرى في التاريخ أو اننا غير مستعدين بشكل جيد للتعامل مع الاضطرابات الجديدة غير الطبقية، وانما المقصود هو ان نلاحظ ان التغير واسع النطاق في العادات والافتراضات القديمة سيكون صعباً بدون ضغوط كبيرة، وربما يكون في بعض الحالات انهيار اجتماعي وسياسي. وفي الوقت الذي كان يجري اتمام كتاب بوبيت الضخم، وقعت احداث 11 سبتمبر، التي تعتبر من نواح عدة تأكيداً مفزعاً للفرضية التي تقول ان نظام الدول الكلاسيكي كان غير مستعد بشكل جيد للتعامل مع الوضع العالمي الممزق الجديد. وقد كشفت الهجمات الارهابية عن كعب اخيل اميركا القوية، لانه ليس هناك من درع واق لا يمكن اختراقه ـ التلميح الكلاسيكي في عنوان بوبيت حول الحرب والسلام والمأساة ـ يمكنه ان يمنع مثل هذه الضربة المفاجئة كالتي وجهتها القاعدة. وقد دفعت هجمات سبتمبر بالمؤلف إلى اضافة بعض التحذيرات الاخيرة حول مدى جدية حاجتنا لأن ننظم انفسنا من اجل تجنب «زلزال يدمر العالم»، والامر الذي يساعد في اعطاء رسالته المزيد من الجدية، حيث يقول في كتابه: «اننا ندخل زمنا مرعباً».. ومن المؤكد ان تلك التحذيرات ستولي الكتاب اهتماماً اكبر مما لو كان قد نشر قبل عام او اثنين. هل يعتبر كتاب «درع أخيل» عملاً عظيماً يمهد طريقاً خاصاً به، كما توحي بذلك الاشادات الكثيرة على غلافه؟ اعترف بأنني وجدت ان من الصعب قول ذلك. فتركيبة الكتابين والكتب الثلاثة في كتاب واحد تشكل عبئاً كبيراً على القاريء الذي يشق طريقه عبر الكتاب وسيحتار الشخص الذي سينغمس من مكان لآخر بينما يتحدث بوبيت عن مدرسة الواقعية القانونية في ييل وعن النزعات السكانية العالمية وحول كيفية تنبؤ «دراسات سيناريو» اجرتها شركة شيل النفطية بصورة صحيحة تطورات من قبيل تشكيل اوبك وتفكك الاتحاد السوفييتي. وهناك اقتباسات من الشعر والنثر متناثرة في اجزاء الكتاب، الامر الذي قد يمنحه رزانة اكبر في اعين بعض القراء، ولكنه يبطيء في الكثير من الاماكن استيعاب المرء لنص دسم ومطول. اما الملحق الخاص بما بعد 11 سبتمبر والمؤلف من خمس صفحات، فإنه وان كان ضروريا، يعتبر مختصرا جدا وينتهي، كما ينتهي كتاب توينبي «دراسة للتاريخ» على متن طائرة دينية متعالية، وذلك من خلال اقتباس نصوص من الدين المسيحي. ان هذا لا يبدو لي الطريق الصحيح لانهاء بحث مهم حول الطبيعة المتغيرة للنظام الدولي وهي تعكس بصورة اكبر الصدمة التي شعرنا بها جميعا في اعقاب الهجمات الارهابية العام الماضي. وربما ستسهم طبعة منقحة في توسيع وتعميق تأملات بومبيت. وأخيرا، فإن كتابه يعتبر ايضا متمحورا حول اوروبا في تركيزه كما يعترف بوبيت نفسه، ولهذا فإن القاريء في دلهي او سنغافورة قد يكون اقل اهتماما وتأثرا بمجال بحثه من معظمنا في الغرب. ولكنني احيي المؤلف على الجرأة في التناول وعلى ثقافته وقدرته على حمل القاريء على التفكير وفقا لخطوط جديدة. وانشغاله الاساسي في الكتاب برمته هو بالقوة، فهو ايضا يعترف بالوقوف في ظل ميكافيللي. ولكن بوبيت استطاع ان يستوعب حقيقة ان نظام الدول الذي برز قبل وقت قصير من بروز كتابات ميكافيللي وظل يعتبر القوة الرئيسية في الشئون الدولية لمدة خمسة قرون ربما يكون قد عبر خطا فاصلا في تاريخ العالم، وان الاضطرابات المنتظرة لن تتطابق بسهولة مع الوصفات الراسخة لدرء الاخطار التي تتهدد الامن القومي. لقد وصلنا التحذير حسب الاصول ودرع اخيل قد يصبح عملا كلاسيكيا بالنسبة للأجيال اللاحقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: هل ستتم قراءته وتأمله من قبل اولئك الذين يمارسون السلطة في مطلع قرننا الحالي المحفوف بالمخاطر؟ هذا امر لا يجد المرء بداً من التشكيك فيه. بقلم: بول كيندي ـ ترجمة: ضرار عمير عن «نيويورك ريفيو اوف بوكس»