الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 في اغسطس 1967 كانت الأوامر قد صدرت بترحيل ما تبقى من مواطني السويس الى القاهرة والمحافظات المجاورة للسويس لحمايتهم من الخراب الذي أصاب المدينة وحول اجزاء كبيرة منها الى انقاض اثر النكسة التي اصابت الجيش المصري في هذه الحرب، واصبح بقاء المدنيين من أهل السويس يمثل خطرا على المواطنين واعاقة للجيش المصري في نفس الوقت لانهم اصبحوا هدفا سهلا في متناول العدو الاسرائيلي، فحملت الاسر ما استطاعت من متاعها وغادرت مدينتها الى القاهرة. حمل أحمد عبدالرحمن الموظف البسيط بشركة سمبل للسياحة طفليه حمادة ومها وصحب زوجته ووالدته وترك حي الغريب الذي ولد وتربى فيه ورحل عن السويس بكاملها لا يعرف كيف ستمضى به المقادير ولا ماذا سيفعل في القاهرة الغريب عنها وهو بلا مال ولا وظيفة. لم يكن أحمد يعرف أحدا في القاهرة سوى خاله الذي استقبلهم بين الفرح والدموع وفتح لهم بيته وحنى على شقيقته وولدها وطفليه وزوجته وتقاسم الجميع اللقمة البسيطة وافترشوا الارض انتظارا للمعركة الكبرى التي ستحرر مصر وتعيد كل الامور الى نصابها من جديد. مرت أيام طويلة وأحمد محرج من وجوده في دار خاله بلا عمل ولا مصروفات وخاله في حقيقة الأمر رقيق الحال إلا انه لم يتبرم منه ولا من استضافته لشقيقته وابنها وعائلته الصغيرة ولكن أحمد لم يكن يقبل باستمرار هذا الوضع خاصة وان الحرب قد يطول أمدها والانتظار على هذا الحال معناه الموت ببطء لذا فقد انتحى بخاله جانبا وقال له: اريدك ان تساعدني في ايجاد وظيفة أطعم منها أولادي وأمي. قال له خاله بلهجة غاضبة، وهل قصرت معكم في شيء؟ ولكن يا خالي الأمر قد يطول ولي ولدان أريد تربيتهما، ساعدني حتى أجد عملا. في الحقيقة دون ان تطلب مني ذلك بحثت لك عن عمل في أكثر من مكان لكن للأسف لم اجد عملا مناسباً لك ولكن لا تقلق سوف أحصل لك على وظيفة ان شاء الله. في الحقيقة يا خالي أنا قلق واعتقد ان الأمر سيطول أكثر مما نتوقع لذا فقد عزمت وقررت ان اترك مصر للبحث عن عمل بالخارج وسأترك أمي وزوجتي وطفلي أمانة في عنقك الى ان يفرج الله الحال. لم يجد الخال بدا من موافقة أحمد على موقفه وقراره بترك مصر سعيا وراء الرزق وأوصاه خيرا بنفسه ووطنه واسرته. في اثينا بعد حوالي شهرين تقريبا كان أحمد قد استطاع ان يحصل على عمل على الباخرة «آرتا» وكانت هذه الباخرة جواله تحتاج الى بحاره لاينزلون عن ظهرها الا قليلا لتعاود السفر من جديد بين موانيء أوروبا ولكن مقرها الرئيسي في اليونان بالتالي كانت السفينة ترفع العلم اليوناني، قبل أحمد بشروط العمل عليها فهو على أي حال أفضل من البقاء بلا عمل، والتحق بالباخرة التي كانت أول رحلاتها الى ميناء لانكشير بانجلترا حيث كانت تحمل بضائع توقفت في الميناء عدة أيام ريثما افرغت حمولتها ثم استأنفت رحلتها بعد ذلك الى ميناء آخر بعد ان تكون حملت ببضائع اخرى من انجلترا. بعد ان انتهى أحمد من عمله في أول ليلة له كان التعب قد بلغ منه مبلغا فاستأذن قبطان الباخرة في النزول الى المدينة ليرسل بطاقة بريدية لزوجته يطمئنها على أحواله فاذن له القبطان. وبعد ان ارسل البطاقة جلس على احد المقاهي ليستريح وطلب فنجانا من القهوة وقبل ان تقدم له القهوة جلست على المنضدة المجاورة له فتاة تبدو من هيئتها انها انجليزية. كانت صارخة الجمال لدرجة جعلته ينظر نحوها بفضول شديد ولكنه فوجيء بها بدلا من ان تغضب منه تبتسم له ثم رفعت كأسا كان بيدها واشارت له تحييه. وقع أحمد في المحظور وبدأ رحلة لا يعرف أحد نهايتها سوى الله وذلك عندما قام من مكانه وجلس بجوارها.. وفورا بادرها.. انت رائعة الجمال. وأنت مثال للشاب القوي. ولكني اعتقد انك لست انجليزيا أو أوروبيا. نعم.. أنا مصري. اهلا اهلا.. بالمصريين وابناء مصر العظيمة أي عظيمه وقد خسرت الحرب مع الاسرائيليين؟ انتم الذين اعتديتم عليها. كلا هي التي اعتدت علينا ألم يقل زعيمكم جمال عبدالناصر انه سوف يلقي بها وبمن وراءها في البحر؟ لأنها دولة احتلال ولا حق لها في الوجود في المنطقة ولكن انتم واليهود شعب واحد من قال هذا؟ انتم ساميون وهم كذلك.. أو انك تكره السامية أنا لا اكره ساميه ولا سعاد.. أنا احب بلدي والاسرائيليون يحبونكم ولكنكم انتم الذين تكرهونهم أأنت «اسرائيلية»؟ لا بل انجليزية.. ووالدي مليونير انجليزي ولديه الكثير من الاعمال في انجلترا.. اين تعمل انت؟ أعمل في البحر وما أسمك؟ اسمي أحمد وانت؟ اسمي جوجو اين تقيم يا أحمد؟ في الباخرة اذن دعني ادعوك لتبيت معي الليلة بشقتي باندفاع الشباب الشرقي المنبهر دائما بالحرية الغربية ومن قبيل التجربة اندفع أحمد وراء هذه المغامرة غير المأمونة وقبل دعوتها وذهب معها الى شقتها بأحد احياء المدينة الساحلية الانجليزية حيث قضى الليل بصحبتها وفي الصباح اتجه الى الميناء وصعد الى الباخرة التي ما ان تحركت حتى لمحها تقف على رصيف الميناء تلوح له بحرارة وتدعوه ان يعود مرة اخرى.. وهو يرسل لها قبلاته في الهواء الى ان غادرت الباخرة ميناء لانشكير. وصلت ميناء مرسيليا الفرنسي بعد عدة أيام، وما ان هبط من الباخرة الى ارض الميناء حتى وجدها أمامه وتتعلق برقبته كأنها عثرت على كنز كانت قد فقدته. بدأ أحمد يتعلق بالفتاة الجميلة وأخبرها بخط سير المركب من ميناء الى ميناء وكانت المفاجأه انها تنتظره في كل ميناء يصل اليه، وفي آخر مرة طلبت منه ان يترك البحر ويعيش معها في بريطانيا وأكدت له انه سوف تؤمن له العمل. أثار هذا العرض دهشة أحمد الذي وعدها بأن يفكر في الامر ولكنه في الصباح أكد لها انه لن يترك البحر حتى يعود الى مصر. في المانيا وصلت الباخرة «آرتا» الى ميناء «كيل كانال» الالماني مساء أحد أيام شهر نوفمبر وكالعادة نزل الى البلدة بعد تفريغ حمولة الباخرة وتوقع ان تكون «جوجو» في انتظاره كما تفعل دائما، لكنه فوجيء بها غير موجودة فمضى الى أحد المقاهي وجلس يرتشف فنجان قهوته المعتاد يفكر فيما حدث بينه وبين هذه الفتاه الغريبة، واسئلتها الأغرب وأخذ يراجع كل كلمة قالها لها وكل سؤال سألته له وفي النهاية اقتنع بأنها يهودية وان علاقته بها لم تكن وليدة الصدفة فارتعش رعشة خفيفة وهو يتصور نفسه وقد وقع في براثن المخابرات الاسرائيلية وبينما كان غارقا في أفكاره لاحظ ان الرجلين اللذين يجلسان بالقرب منه يبتسمان له ويحييانه وكأنهما يعرفانه. تجاهلهما الا انهما اقتربا منه وصافحاه ثم جلسا معه على المقهى وتحدث أولهما معه.. أكيد انت ضمن العاملين بالباخرة. نعم لقد قلت لصديقي ان هيئتك تدل على انك بحار أإلى هذا الحد ابدو كبحار؟ رد الاخر.. لا ولكن صديقي لديه فراسة غريبة، لقد ذكر لي أيضا انك ربما تكون عربيا أو تحديدا مصرياً. انتبه أحمد تماما للحوار والسيناريو الذي يحدث وحاول بسرعة ربط الاحداث ببعضها في ثوان، لقد كان متخوفا من اسئلة «جوجو» ووصل الى قناعة تامة بأنها يهودية وربما «اسرائيلية» وليست انجليزية، كما انها كانت تطارده من ميناء الى ميناء فما الذي جعلها تختفي اليوم ولماذا ظهر هذان الرجلان فجأه؟ انتبه أحمد لنفسه واعتدل في جلسته وقرر أن يكون متيقظا لكل كلمة وحرفا يقوله .. وان يزن السؤال قبل أن يجيب عليه حتى لا يسقط في الفخ، انه مصري وتراب وطنه أغلى من كنوز الدنيا.. سأله أحدهم.. أين ذهبت؟ لا لازلت تعلم فقط تذكرت أطفالي وبلدي.. ما اسمك اسمي أحمد. وأنا جاك وهذا صديقي ابراهام، وانا اعمل باحدى شركات والدي فهو رجل أعمال كبير ولكن أين تعمل أنت؟ على الباخرة اليونانية آرتا.. ما رأيك في ان تقضي السهرة معنا الليلة؟ ولم لا.. أشكركم كثيرا.. نظر جاك نحو ابراهام وتبادلا من خلال النظرات معاني لم يكن من الصعب على أحمد، الذي تأكد انه وقع في فخ الموساد، ان يفهمها لكنه كان عنيدا وقويا وصادقا مع نفسه ومخلصا لوطنه فقرر ان يمضي معهما حتى النهاية وهو متأكد انهما لن يحصلا منه على أي شيء. في السهرة تحدث معه جاك صراحة وقال له ان عمله بالباخرة شاق وان والده بعد الحاح منه وافق على تشغيله معه بشركته وعليه ان يترك الباخرة منذ الغد ليلتحق بعمله الجديد مع والده في شركته.. رد احمد بدبلوماسية.. كيف لي ان اترك عملي خاصة وان قائد الباخرة يحترمني ولم أر منه سوءا أبدا، فكيف أقابل صنيع هذا القبطان بكل هذا الجحود والجفوة؟ إذن افتعل معه مشاجرة في الباخرة.. ليس من أخلاقي افتعال المشاجرات ولا رد الخير بالاساءة. إذن سوف نعد لك خطابا وكأنه مرسل من والدتك المريضة جدا في مصر ولا تقلق فسوف يبدو الخطاب وكأنه آت من مصر. لم يكن جاك يبالغ وهو يطمئن أحمد ان الرسالة ستكون طبيعية فمن المعروف ان الموساد لديه مطابع خاصة تابعة له متخصصة في تزوير كافة جوازات السفر التابعة لأي دولة في العالم وكذلك الأختام وطوابع البريد وتوقيعات أشهر وأكبر الشخصيات العالمية، ولذا فانه في اليوم التالي قدم جاك رسالة مكتوبة بخط اليد يبدو مظروفها وكأنه مرسل من مصر وطلب من أحمد أن يقدمها للكابتن كي تكون حجة مقنعة للقبطان حتى يسمح له بترك الباخرة والعودة لمصر. وقع احمد في مأزق وقرر أن يقبل العرض فحمل الرسالة وتوجه للقبطان الذي أزعجته الحالة المرضية لوالدة أحمد ووافق بالفعل على استقالة أحمد وأعطاه مستحقاته وفوقها مئة دولار كمكافأة له على حسن أدائه وطلب منه حالما يطمئن على والدته أن يلتحق بالباخرة فورا.. اكتملت الحلقة الجهنمية التي رسمها عميلا الموساد جاك وابراهام لأحمد، الذي وجد نفسه يقبل بالأمر الواقع ويمضي معهما المشوار حتى النهاية، واحتفالا بهذا النجاح دعا العميلان أحمد إلى سهرة تضمهما ووالد جاك، المليونير المفترض، وذلك لعرض أحمد عليه وتوظيفه رسميا في الشركات التي يمتلكها والد جاك.. العودة لمصر.. خلال السهرة أبدى والد جاك انبهاره الشديد بشخصية أحمد وقال له نتمنى أن تكون من ضمن طاقم العمل.. ولكن أي عمل يمكن أن أؤديه معكم؟ اسمع يا أحمد.. لدي هنا (في ألمانيا) شركات رئيسية وأريدك أن تكون وكيلا لاحدى هذه الشركات في مصر.. وما شروطكم؟ لا شيء فقط سيقتصر عملك على معرفة عدد وحجم المراكب الغارقة في قناة السويس وكذلك طول الغاطس وطول المركب الغارق وعرضه وطبعا هذه معلومات بسيطة يمكنك الحصول عليها بسهولة ولا تنسى انك سويسي فما رأيك؟ أبدى أحمد ترددا في حركة تمثيلية ثم قال: أنا موافق. صفق الثلاثة بأيديهم تعبيرا عن سعادتهم وفرحتهم بالعميل الجديد وأخرج جاك من حقيبته 500 دولار وقال له هذه دفعة تحت الحساب حتى تسير أمورك في مصر واليك بطاقة الطائرة لتعود الى مصر.. ثم أعطاه ورقة أخرى منفصلة فسأله أحمد وما هذه؟ هذا هو العنوان الذي ستراسلنا عليه في ألمانيا. وفجأة سألهما أحمد سؤالا ذكيا.. ولكن أين «جوجو»؟ لا تقلق سوف تعود اليك ونصفي ما بينكما من خلافات!! وصحباه معا الى المطار وقد أطمأنا الى ان عميلهما أصبح جاهزا ليعمل معهم.. ظل أحمد طيلة الرحلة يتذكر مشوار حياته كلها ويتذكر رحلة الهجرة التي حملته هو وأمه وزوجته وأولاده من بلده السويس الى القاهرة غريبا لا يملك شيئا بسبب العدوان الاسرائيلي وبسبب هدم بيوتهم ومدنهم وقراهم وكاد رأسه أن ينفجر وهو في الطائرة من فرط التفكير ثم أخرج الخمسمئة دولار التي أعطاها له جاك ونظر إليها بخوف وقلق شديدين. وما ان حطت الطائرة في مطار القاهرة حتى أسرع أحمد ينزل من سلم الطائرة ويلقي بنفسه على أرض المطار ويقبل الأرض وهو يبكي، وأثار المشهد الركاب الذين اعتقد بعضهم انه مجرد مصري عائد من الغربة بعد فترة طويلة. عندما فتحت زوجته الباب له ارتمى في حضنها وأخذ يبكي وضم طفليه وأمه وأخذ الجميع يبكون، الأسرة تبكي من فرحتها بعودته وهو يبكي غير مصدق انه قد عاد لحضن وطنه وحضن أمه وأسرته.. ظل أحمد طيلة الليل ساهرا، شارد الفكر وعند الفجر استطاع أن ينام قليلا ولكن في نومه حلم بصور الدمار الذي تركته الطائرات الاسرائيلية في بلده وصور الاطفال والابطال الذين استشهدوا على ارض السويس دفاعا عنها. في العاشرة إلا ربع استيقظ من نومه وبعد ربع ساعة تماما ما كان يدلف باب مبنى المخابرات العامة المصرية بحدائق القبة طالبا مقابلة اللواء ع. ف لأمر عاجل وخطير.. وبعد دقائق كان قد القى بنفسه على مقعد مقابل لمكتب اللواء ع. ف وروى له رحلته ساعة بساعة وبأدق التفاصيل حتى تلك التي كان قد نسيها تذكرها وهو يروي لضابط جهاز المخابرات الكبير.. سأله الضابط.. وماذا تشعر الآن؟ صدقني سيادة اللواء.. أشعر كأن جبلا وحملا ثقيلين كانا يجثمان على صدري وقد انزاحا الآن وأنا رهن اشارة من سيادتكم وفي خدمة وطني الحبيب. ضغط اللواء على جرس مكتبه حيث دخل اليه مدير مكتبه فطلب منه أمرا وبعد دقائق كان اللواء يعرض على أحمد صورا لعملاء الموساد وضباطهم المنتشرين في أوروبا وبالفعل تعرف أحمد على صورتي جاك وابراهام ولكن لم تكن هناك صورة لوالده الوهمي!! اجتماع.. على الفور عقد اللواء ع. ف اجتماعا عاجلا لكبار ضباطه حيث استمع الجميع للرواية التي ذكرها أحمد مرة أخرى وبعدها طلبوا منه الانتظار قليلا خارج غرفة الاجتماع ثم استدعوه مرة اخرى وقال له اللواء: احمد لقد كنت بطلا وطنيا شريفا لم تؤثر فيك خدعهم ونشكرك كثيرا ومصر كلها تشكرك على موقفك هذا ولكن اذا أردت أن تخدم وطنك بشكل حقيقي.. فالمطلوب منك ان تستمر في أداء دورك كجاسوس لهم على مصر ونحن سنكون معك خطوة بخطوة فلا تخف ولا تهتز واتبع تعليماتنا بدقة حيث ستجني مصر من ورائك فائدة عظيمة.. أنا فداء لمصر وفي خدمتها وطالما أعمل تحت حمايتكم فلا يهمني «إسرائيل» ولا موسادها بكامله.. خرج أحمد من مكتب اللواء مع أحد الضباط الذي أعد له رسالة تم تضمينها معلومات سطحية ولكنها محسوبة بدقة متناهية بحيث لا تثير شكوك الموساد وفي نفس الوقت تثبت ان العميل الذي جندوه يعمل بكفاءة لصالحهم.. وبالفعل أرسل اليهم الرسالة في الموعد المحدد وعلى العنوان المطلوب في المانيا.. وعندما وصلت الرسالة الى جاك فرح فرحة عامرة لدرجة انه اتصل بمائير عامير رئيس جهاز الموساد وأبلغه بوصول أول رسالة من العميل وبلغت سعادة عامير بهذا الخبر ان اتصل بجولدا مائير رئيسة الوزراء وأبلغها بتجنيد عميل مهم جدا داخل مصر وانه مكلف بجمع معلومات عن قناة السويس والمناطق المتاخمة لها. طلبت منه جولدا مائير أن يتم التركيز على هذا العميل الجديد على ضرورة التوصل الى الموعد الذي يمكن أن تحارب فيه مصر وكذلك التحصينات المصرية في مدن القناة. وصدرت التعليمات للعميل جاك بضرورة استدعاء العميل الجديد الى روما للتشاور معه.. وصلت الرسالة لأحمد الذي كان يعمل في هذا الوقت من خلال المخابرات المصرية وبعلمها.. طلب منه ضابط المخابرات المصري ان يرد عليهم بأنه سيصل الى روما في الموعد المطلوب ثم سمحت له المخابرات بالسفر حيث وصل اولا الى جنوا ونزل في احد فنادقها ومن جنوا اجرى اتصالا هاتفيا لجاك ولم يلاحظ احمد ان ضابطا برتبة رائد من المخابرات المصرية كان يتبعه كظله متنكرا في زي سائح لحمايته وانقاذه في حال تعرضه للخطر لكنه ابدا لم يشعر به كما لم يظهر السائح الغريب بشكل واحد طيلة وجود أحمد عبدالرحمن في ايطاليا.. وفي المكالمة طلب جاك من احمد موافاته في ميناء نابولي في اليوم التالي.. عند الظهر كان أحمد قد التقى فعلا بجاك وسلمه الرسالة المعدة سلفا من قبل المخابرات المصرية، وعندها قال جاك: اسمع يا احمد دعنا نتحدث بصراحة.. رد عليه احمد المدرب من قبل المخابرات المصرية على كل الردود نعم.. اني أسمعك.. أود ان تعلم اننا مستعدون لمنحك ما تشاء من أموال. تقول نحن.. من أنتم.. نحن الموساد.. أنا ضابط مخابرات اسرائيلي ومكلف بالعمل على راحتك وتحقيق كل طلباتك شريطة أن تعمل معنا لمنع قيام حرب جديدة بين مصر و«اسرائيل». قال احمد.. لعن الله الحرب ومن يشعلها.. أنا مستعد ولكن كيف سيمكنني تزويدك بمثل هذه المعلومات؟ انها رسائل عادية جدا ولكنها ستتضمن معلومات اقتصادية وعسكرية واجتماعية وسوف نطلق عليك اسما جديدا غير اسمك الاصلي وليكن جورج سايكو وسوف ندربك على كيفية جمع المعلومات وكيفية ارسالها. ثم اعطاه الف دولار تحت الحساب وطلب منه العودة الى مصر.. عاد احمد الى مصر وعاد السائح المجهول الذي لم يلاحظه احمد ابدا معه على نفس الرحلة وتوجه الاثنان الى مبنى المخابرات ولكن في موعدين مختلفين وبصفتين مختلفتين حيث قدم كل منهما تقريره ليتطابق التقريران امام اللواء ع. ف الذي هنأ كل واحد منهما على حده دون ان يعرف أحمد هوية السائح الذي كان يتبعه كظله. ثقة ودهاء جمع اللواء ع. ف ضباطه للتشاور في الخطوة التالية في الصراع الذي سيدار ويكون بطله احمد عبدالرحمن وبدأ حديثه قائلا: اثبت احمد عبدالرحمن انه كان صادقا في كل ما قاله حيث تطابق تقرير الرائد (م) مع تقريره تماما ولذا علينا ان نقف تماما بجواره ونساعده على لعب دور مهم في صراعنا مع هذا الجهاز القذر وعملائهم، ولذا علينا ان ندربه تدريبا مكثفا حتى يمكن ان يكتسب ثقة الموساد الكاملة وان نتركه يتحرك تحت رقابتنا حسب ما يوجهه عملاء الموساد وان نظهر له في الوقت الذي نشعر انه قد يخاف أو يضعف فيه. ثم شرع يتحدث مع ضباطه تفاصيل التعامل مع هذه العملية. تكررت زيارات احمد لاوروبا تنفيذا لتعليمات الموساد وفي كل زيارة كان يسلمهم الرسائل المعدة من قبل المخابرات المصرية والتي تتضمن المعلومات التي يريد رجال المخابرات توصيلها لهم، ولذا فان الموساد في احدى هذه الزيارات قام بتسليمه جهاز ارسال غاية في التقدم لتسهيل مهمته، وذات مرة وبعد ان استلموا منه اكثر من رسالة مطلوبا منه الحضور إلى روما للقاء شخصية مهمة بالموساد وبالفعل سافر وسافر معه ظله، وذلك بعد ان اطلع المخابرات المصرية على فحوى اخر رسالة للموساد، وعندما وصل إلى روما عرفه جاك بالشخصية المهمة الذي لم يكن في الحقيقة سوى مدير جهاز الموساد نفسه وان كان قد قدم نفسه على انه قائد المجموعات الخارجية وسلمه هذا الضابط الكبير جواز سفر اسرائيليا باسم «يعقوب منصور» وطلب منه الاستعداد للسفر إلى تل ابيب. كاد احمد ان يشك في ان الموساد كشفه وعرف انه يعمل بتعليمات من المخابرات المصرية لكنه تماسك لان الموت على ايدي الاسرائيليين نهاية رائعة ومشرفة في خدمة وطنه، ويكفيه انه سيكون شهيدا من اجل مصر. مع الموساد وصل احمد فعلا إلى تل ابيب حيث تكفل بحمايته شخص اخر داخل اسرائيل لايزال اسمه سرا حتى اليوم ربما لانه لايزال حيا وربما انه لايزال يعمل داخل اسرائيل حتى يومنا هذا. وفي «اسرائيل» التقى بمجموعة كبيرة من ضباط الموساد الذين رحبوا واحتفلوا به احتفالا كبيرا وكانت اقامته في فيللا ضخمة واسعة تضم حمام سباحة ببئر سبع وتحتوي على كل متع الحياة وتركوا في خدمته 7 نساء من اجمل نساء «اسرائيل» المتعاونات مع الموساد من بنات أوروبا الغربية، وخلال اقامته بهذه الفيللا تم تدريبه تدريبا مكثفا على استخدام كافة ادوات التجسس المتقدمة والتصوير السري والتصوير في المناطق المظلمة وتصغير وتكبير الافلام بطريقة المايكروفيلم وظل في هذه الفيللا لمدة 22 يوما، واخيرا صرح رؤساؤه في الموساد له بالعودة على ان يكون حريصا جدا لان اسرائيل كلها تعول عليه في مهمته هذه حيث ان الدولة كلها تتوجس ضيفه ان يفاجيء عبدالناصر اسرائيل بحرب خاطفة ليرد بها على هزيمة 1967. - اطمئنوا ايها السادة سوف أوافيكم بمعلومات لا يمكن أن تتصوروا مدى خطورتها أو اهميتها، ولكن كونوا على ثقة بانني اعمل من اجلكم بكل اخلاص. ظل احمد ينفذ كل التعليمات التي كانت تزوده بها المخابرات المصرية بل انه كان يكلف من المخابرات المصرية بمهام لصالح مصر فيقوم بها موهما الاسرائيليين بانه يقوم بهذه المهام من اجلهم ومن اجل اسرائيل. في عام 1972 كان السادات قد حل محل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رئيسا لمصر واعلن في اكثر من مناسبة انه سوف يحارب هذه السنة، وقد اثارت خطب السادات رعب اسرائيل فاستدعت كل عملائها من كافة انحاء العالم وكان من ضمنهم احمد الذي سافر مزودا بتدريبات عالية هذه المرة من المخابرات المصرية حيث كانت اسرائيل قد بدأت تضطرب بعد ان وصلتها معلومات عن استعداد مصر الجدي لشن حرب على الجبهات كلها. وصل احمد عبدالرحمن إلى روما ومنها حصل على جواز سفر اسرائيلي مرة اخرى وسافر إلى تل ابيب حيث فوجيء بعدد من كبار ضباط الموساد في انتظاره وتم حجزه في مكان منفرد ومراقبة تصرفاته وهو وحيد من مكان لا يمكنه منه ان يرى من يراقبه، وبعد ذلك تم تحويله إلى غرفة اخرى حيث عرض على جهاز كشف الكذب وكان قد تدرب عليه طويلا مع المخابرات المصرية ونجح في هذا الاختبار ثم تعرض لاختبارات نفسية متعددة وفي النهاية اعتذروا له وقالوا ان هذا اجراء روتيني لاعادة تأهيل المتعاملين معهم، وعرف احمد وقتها كم ساعدته المخابرات المصرية التي توقعت ان يحدث معه كل هذا وبالتالي كانت قد دربته على كل هذه الوسائل واحاطته بحجم الضغوط التي يمكن ان يتعرض لها وفي النهاية اقاموا له حفلا وخلال الحفل تقدم منه ضابط برتبة مقدم وقال له: احمد.. تعلم ان الحالة على الجبهات مشتعلة والسادات اصبح يطنطن كثيرا هذه الايام عن موضوع الحرب لذا فقد دخل عملك الآن وقت الجد وبما انك من اهل السويس فالمطلوب منك الوصول إلى مقار هذه المعسكرات أو التقرب إلى الكبار من ضباطها لنقل حركتهم لنا أولا بأول، وهذه المعلومات ستكون مكافآتها سخية جدا لان موعد الحرب الان هو شغلنا الشاغل، واكد عليه قائلا: احمد لا نريد ان يفاجئنا السادات بالحرب.. اسرائيل كلها لن تنسى لك هذا الجميل. ابتلع احمد ريقه وكاد ان يصرخ: ويقول انه مصري ولا يخون وطنه لكنه تمالك نفسه وعاد إلى مصر ليخبر قادة المخابرات المصرية بمدى الهلع الذي يعيشه الاسرائيليون من تصريحات السادات بالحرب وخضوعه للرأى العام المطالب بمعركة لرد الشرف والكرامة المصرية. اعدت له المخابرات المصرية الرسالة المناسبة لهذه الاسئلة وارسلها على الفور وظل على هذا الحال يرسل الرسائل التي تكتبها المخابرات المصرية إلى ان وصلته رسالة في سبتمبر 1973، أي قبل قيام حرب اكتوبر المجيدة بأيام، وكانت الرسالة موقعة من نائب رئيس الموساد ويطلب فيها معلومات دقيقة ومحددة عن الموقف العسكري المصري على جبهة القتال وهل يستعد الجيش المصري فعلا للحرب ام انها مناورة من السادات. حمل احمد الرسالة وسلمها للمخابرات المصرية التي كتبت الرد بنفسها، وكان الرد المصري قمة في الخداع الاستراتيجي، حيث جاء في الرسالة التي ارسلها احمد عبدالرحمن: ان ما يجري على الجبهة ليس إلا تدريبا عاديا للجيش المصري وان احتمالات الحرب غير قائمة على الاطلاق. وعندما وصلت البرقية إلى عميت مائير قائد الموساد حملها للمرة الثانية بنفسه إلى جولدا مائير رئيسة الوزراء الاسرائيلية وقال لها ان هذه البرقية من واحد من اكبر المخلصين لاسرائيل، وصدقت عجوز «اسرائيل» ما قاله رئيس مخابراتها واطمأنت وبلعت المخابرات الاسرائيلية الطعم وبعد ايام فاجأت القوات المصرية والقوات السورية الجيش الاسرائيلي بهجوم مباغت وتحقق النصر في حرب رمضان اكتوبر عام 1973 وكان للبرقية التي ارسلها احمد عبدالرحمن دور كبير في تثبيط همم الاسرائيليين وعدم اخذهم للتحركات على الجبهتين المصرية والسورية بجدية تامة. زيارة بعد الهزيمة بعد هزيمة «اسرائيل» في معركة اكتوبر تم استدعاء احمد عبدالرحمن إلى «اسرائيل» ولكن هذه المرة عن طريق زيورخ حيث قابله هناك اشخاص اخرون غير اولئك الذين اضاعتهم الحرب والهزيمة وتم الترحيب به فلايزال احتمال نشوب حرب اخرى قائم وكانت الوجوه هذه المرة اشد كآبة والحزن يغلف كل شوارع تل ابيب وخرج من مبنى الموساد إلى شقة فاخرة استأجرتها له المخابرات الاسرائيلية بشارع ديزنفوت بتل ابيب وهو من اكبر وافخم الشوارع في هذه المدينة وتركته المخابرات الاسرائيلية يستريح لبضع ساعات في هذه الشقة ثم ارسلوا له فتاة شديدة الجمال برتبة ملازم أول في الموساد لتسهر على خدمته اثناء اقامته بتل ابيب وفي المساء اخبرته هذه الحسناء انه مطلوب لمقابلة رئيس جهاز الموساد الجديد. وما اسمه؟ نحن نطلق عليه اسم داني.. التقاه داني وجلس معه نصف ساعة ثم طلب منه الانتقال مع الضابطة الحسناء إلى حيث ينتظره اصدقاء آخرون. في الغرفة الاخرى كان هناك 18 ضابطا من ضباط الموساد يحمل كل منهم قائمة باسئلة مختلفة عن الاخر وخضع احمد لاسئلة في كل صغيرة وكبيرة عن مصر سواء كانت تلك التي درب عليها ام غيرها، ولكنه استطاع ان يفلت منهم باعجوبة وبذكاء اضافة إلى انه كان مدرباً فعلا عن هذه النوعية من الاسئلة الهجومية والتي توقعتها المخابرات المصرية فعلا. وبعد ان اطمأنوا اليه تم تزويده بجهاز حساس وشديد التقنية وكان من احدث الاجهزة التي زودت بها الولايات المتحدة الاميركية جهاز الموساد وعندما سلمه له داني قال اعلم ان سعر هذا الجهاز 200 الف دولار ولذا كان حريصا جدا عليه ولابد ان تتحلى باليقظة الشديدة وابلاغنا أولا بأول عن كل التحركات العسكرية في مصر، ثم لابد ان تستأجر شقة بالقاهرة لعملك معنا فقط. عندما وصل احمد إلى مصر قدم الجهاز هدية إلى المخابرات المصرية التي قبلت الهدية لكنها طلبت منه استخدامه مؤقتا لارسال برقيات كانت المخابرات المصرية تهدف إلى وصولها لاسرائيل في هذا التوقيت بالذات. واستمر احمد عبدالرحمن في خدمة المخابرات المصرية وخداع المخابرات الاسرائيلية ثمانية اعوام إلى أن قررت المخابرات المصرية انهاء هذه العملية لذا طلبت من احمد ان يرسل البرقية التالية لاسرائيل.. من المخابرات المصرية إلى المخابرات الاسرائيلية نشكركم على امدادنا بأخطر وادق اسراركم التي كشفت لنا الكثير من عملائكم بالداخل والخارج على مدار ثماني سنوات وإلى لقاء في معركة مخابراتية جديدة!!