السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 في كنيسة سانتا كروتشة الرائعة المبنية على الطراز القوطي وفي قلب مدينة فلورنسا الايطالية يحدق السياح فيما قد يعتبر أشهر مجموعة من المعالم الاثرية في أي مبنى في العالم، فقبر غاليليو يقع قبالة قبر مايكل انجلو وتقع اللوحات الجدارية الجصية التي أبدعها غيوتو بالقرب من لوحة دينية شهيرة لبرونيلسكي كما يبدو النصب التذكاري المخصص لدانتي بارزاً في المكان، ومع ذلك فإن عدداً ضئيلاً من الزوار الجادين من اليابان واسكندنافيا وأماكن أخرى، نادراً ما يمكثون طويلاً أمام الضريح المجاور لشخص كان له أعظم الاثر في عالم السياسة القومية والدولية، من أي مفكر آخر في التاريخ، هو نيقولو ماكيافيللي. فكتاباته وبخاصة دراسته الكلاسيكية التي تحمل عنوان «الأمير» تبدو على صلة وثيقة بالظروف المضطربة لبداية القرن الحادي والعشرين، كما بدت لانداد ميكافيللي السياسيين في الصراعات العنيفة القاسية بين دويلات المدن الايطالية قبل خمسمئة عام هذا هو على الأقل الرأي المقدم في عملين من الأعمال البارزة التي صدرت مؤخراً وهما لجون ميرزهايمر وجوناثان هاسلام والمتصارع معه من قبل الكتاب الثالث لفيليب بوبيت، والشيء المشترك بين الكتب الثلاثة، كما كان لدى ماكيافيللي قبلهم، هو اهتمام شديد بالقوة وقد ذهب المفكر الفلورنسي إلى القول انه بدون القوة لا وجود للأمن، وبدون الأمن، فإن جميع الانجازات الأخرى للبشرية ـ الفنون والعلوم والأدب والتقدم الاقتصادي والمجتمع المدني تكون في خطر دائم. لم يسبق لأحد أن شكك في هذه الوصفة قبل الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي عندما وقعت الهجمات الارهابية على نيويورك وواشنطن، والرد الاميركي على تلك الهجمات في أفغانستان وعلى امتداد العالم التي أوضحت من جديد مركزية النفوذ والقوة في الشئون الدولية، وربما يكون فريق ابن لادن قد استخدم وسائل مدنية لمهاجمة أهداف مدنية، ولكن الهدف من تلك العمليات كان ارسال رسالة للادارة الاميركية والشعب الاميركي، مفادها انهم بدورهم عرضة ايضا للقوة المادية، وانهم لديهم اعداء يسعون الى القضاء عليهم وان اي وسيلة ممكنة، مهما كانت عنيفة او لا متوازية سيتم استخدامها لتحقيق ذلك الهدف. وبالمقابل، كان الرد الاميركي يستهدف التأكيد على ان القوة ضرورية للعمل السياسي وان الولايات المتحدة تملك الكثير من اسبابها فقد تم استخدام الضغوط الاقتصادية بتجميد اصول الارهابيين في البنوك،وطلب من الحلفاء القيام بالعمل الشرطي وتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي بل والمشاركة العملية في الميدان، ولكن في المقام الاول اعتمدت الولايات المتحدة على قوتها العسكرية الهائلة للاطاحة بنظام طالبان، الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة. وكان هذا امرا متوقعا فادارة بوش الجديدة نسبيا كان يقودها اشخاص آمنوا بالدفاع القوي عن المصالح القومية وكان معروفا انهم لم يسلموا بضربات 11 سبتمبر بسهولة، وعلاوة على ذلك، فان الجيش الذي لجأت اليه الادارة من اجل النصيحة تعلم مرارا وتكرارا في دروس الكليات الحربية ـ وبالتحديد من خلال قراءات مفصلة لماكيافيللي وكذلك صن تزو وتوسيديدس وكلاوزفتز وتشرشل وكيسنجر ـ ان التطبيق المناسب للقوة العسكرية الكاسحة كان ولايزال الملاذ النهائي لجميع القوى العظمى، كما جرى تعليمهم ايضا انه اذا قدر لهذه القوة ان تتضاءل او لا يتم استخدامها عند الضرورة فان اميركا سيصبح مصيرها ان عاجلا ام آجلا مصير اثينا وروما وفلورنسا واسبانيا والامبراطورية البريطانية. وفي الاوساط العلمية المعاصرة، قد لا يكون هناك مناصر لهذه المدرسة الفكرية اكثر قوة وعنفوانا من جون ميرزهايمر، وهو استاذ في العلوم السياسية ومساعد مدير برنامج سياسة الامن الدولي في جامعة شيكاغو، ولقد قضى ميرزهايمر، المتأثر بعمق كباحث شاب بمفكرين اثنين من «الواقعيين» هما هانز مورغنتاو وكنيث والتز قضى اكثر من 20 عاما يعتمد على نطاق واسع على حالات تاريخية تستحق الدراسة وذلك لتدعيم اعتقاده بأن القوة المادية ـ وهي توليفة من الفاعلية العسكرية والقوة الاقتصادية وعدد السكان والامتداد الجغرافي ـ هي الاساس في تفسير ما يجري في السياسة الدولية وفي فهم كيفية تكشف الاحداث بالصورة التي تتبدى بها. والادهى من ذلك، هو ان ميرزهايمر يعتقد انه لا شيء من التطورات الاخيرة ـ سواء اكان نظام الامم المتحدة او العولمة او انتشار الديمقراطية او نهاية التاريخ ـ يمكنه ان يغير حقا من تلك الحقائق القديمة، وفي الواقع انه يقدم في الفقرة الثانية من كتاب «مأساة سياسة القوة العظمى» (وبعد الاتيان على ذكر حروب القرن الماضي وخسائرها البشرية سفي الفقرة الاولى) ـ يقدم لقرائه التكهنات الفظة التالية: ان دائرة العنف هذه ستستمر في الالفية الجديدة. وعلى الارجح ان الآمال بالسلام لن تتحقق، لأن القوى العظمى التي تشكل النظام الدولي تخاف من بعضها البعض وتتنافس على السلطة نتيجة لذلك. وبالتأكيد فإن هدفها النهائي هو الحصول على موقع القوة المهيمنة على الآخرين، وذلك لأن اكتساب موقع القوة المهيمنة هو افضل وسيلة لضمان بقاء المرء. فالقوة تضمن الامان، والقوة الاعظم تعتبر اعظم ضمان للامان. والدول التي تواجه هذا الدافع مقدر لها ان تتصادم مع سعي كل منها للحصول على مزايا تتفوق فيها على الآخريات. انه وضع مأساوي، ولكن لا مفر منه مالم تتفق الدول التي تشكل النظام على تشكيل حكومة دولية غير ان مثل هذا التحول الهائل يعتبر بالكاد احتمالاً واقعياً، ولهذا فإن الصراع والحرب مقدر لهما ان يستمرا كميزتين كبيرتين ودائمتين للسياسة الدولية. القراء الشجعان هم وحدهم الذين سيواصلون المسيرة بعد ذلك. غير انهم اذا ما فعلوا ذلك، فسيجدون هذا الرأي الفظ يتعمق من خلال فصول عديدة لنقاش نظري حول كيفية عمل النظام الدولي ويزداد اتساعاً من خلال فصول تاريخية اضافية، حول نشأة قوى عظمى معينة خلال المئتي عام الماضية وأفولها، كالامبراطورية البريطانية، التي نفذت استراتيجية كبرى ناجحة لفترة طويلة، ولكنها خضعت في النهاية إلى تغير موازين القوى. ويشك المرء في ان المؤرخين الاقحاح الذين يتخصصون في فترات معينة من التاريخ (مثل الحروب المكسيكية في القرن التاسع عشر) قد يشعرون ان ما يقوله ميرزها يمر يحشر تعقيدات العصور في حيز ملائم من اجل دعم النقاش برمته. وذلك هو دائما الخطر الكامن في تقديم فرضية عامة. وبصورة اكثر ايجابية، فإن كتابة ميرزهايمر تخلو بشكل لافت من الكلام المبهم (وهذا قد بات في العلاقات الدولية حقلاً اصبح فيه الكلام المبهم هو الشائع) والادلة فيه ـ ومن بينها الكثير من المقاييس الاحصائية المقارنة للقوى العسكرية والاقتصادية ـ مجمعة بشكل رائع. واذا قدر لقضية «الواقعية الهجومية» (أي رأي ميرزهايمر بأن جميع الدول تريد القدر الممكن من الامن، وبالتالي تصارع طوال الوقت لزيادة قوتها) ـ اذا قدر لها ان تصمد، فإنها تصمد هنا بقوة. ويعتبر الفصل الاخير اكثرها تشويقاً، مع ان ذلك قد يكون راجعاً فقط إلى الموضوع الذي يتناوله، لأنه يتعلق بالعلاقة الحساسة بين الولايات المتحدة والصين. وكان كتاب يمرزهايمر قد اكتمل وطبع قبل 11 سبتمبر من العام الماضي، وعلى الرغم من أن ناشره أسرع في طباعة مقدمة تعريفية بالكتاب تقول ان الهجمات الارهابية تؤكد على ان حقبة ما بعد الحرب الباردة هي «فترة مضطربة ومحفوفة بالمخاطر في التاريخ العالمي»، الا ان ذلك يعتبر على الأرجح أمراً ثانويا بالنسبة للمؤلف. فبالنسبة له، فان الارهابيين، وحمامات الدم الفلسطينية ـ الاسرائيلية ومجازر الابادة بحق البوسنيين هي موضوعات من الدرجة الثانية في عالم ذي النزعات الأطول أجلا وسياسات القوة العظمى. فهذه يمكن ان تغرقك في صراع إقليمي معين ـ وهكذا كان ميرزهايمر حذراً العام الماضي ازاء التورط الأميركي في عمل عسكري واسع النطاق في افغانستان ـ وستحرفك بالتأكيد عن الحلبة الرئيسية للشئون الدولية. وفي المقابل، فان ما يهم هو المكانة السلطوية الحالية للولايات المتحدة واحتمال ان تنافسها الصين على موقعها الريادي في العقود المقبلة. وفي الواقع انه ووفقا لمنطق «المأساة» نظرية ميرزهايمر حول سياسة القوة العظمى، فان هذا النزاع المستقبلي ليس ممكناً فحسب وانما هو أمر محتوم. واذا ما سلمت من بعض الكوارث الداخلية، فان النمو الاقتصادي للصين سيدفعها إلى الأمام لكي تكون الدولة المسيطرة إقليميا، وسيميل توازن القوى وسيكون على الولايات المتحدة أن تقاوم. قد يكون كتاب «مأساة سياسة القوة العظمى» هو العمل الحالي الوحيد الجريء بما فيها الكفاية لأن يقول إن التشجيع الأميركي للتطور الاقتصادي والسياسي طويل الأجل في الصين هو خطأ جسيم. وهكذا، فان سياسة كلينتون ومن بعده بوش ازاء بكين والتي تحمل عنوان «الانخراط البناء»، والتي تقضي بمساعدة النمو الاقتصادي الصيني ولكنها تقود كما ستفعل الى التراجع النسبي المحتمل في نفوذ الولايات المتحدة في آسيا، غير موصى بها من قبل ميكافيللي الحديث ـ مع ان المرء يشك في أن المفكر الفلورنسي نفسه ما كان في هذه الحالة ليقدم النصيحة بهذه الصورة من العلنية والتحديد. ومع ذلك، فانه على الرغم من ان ميرزهايمر يذهب الى القول بحزم انه «لم يفت الأوان بالنسبة للولايات المتحدة كي تغير مسارها وتفعل ما بوسعها لابطاء نهوض الصين»، إلا انه من الصعب رؤية ما يعنيه ذلك عمليا، حيث ان الابتعاد عن الصين يسمح لأوروبا واليابان التقدم في تلك السوق الضخمة، كما ان وقف نهوض الصين بالقوة ـ كما حصل في حروب الانجليز التجارية ضد الهولنديين في منتصف القرن السابع عشر هو امر غير قابل للتطبيق. وبحسب مبادئ ميرزهايمر في التحليل، فإن الولايات المتحدة ستواجه عاجلاً ام آجلاً احتمال بروز تحد صيني خطير على السيادة في آسيا. ويشغل ماكيافيللي جانباً كبيراً من الاجزاء الاولى لكتاب جوناثان هاسلام الجديد «لا فضيلة مثل الضرورة» وبالتأكيد، فإن اسمه مزروع في عنوانه الفرعي. يعتبر هاسلام باحثاً مميزاً في جامعة كامبردج، وهو مؤلف الكثير من الكتب حول السياسات الخارجية لستالين وكاتب السيرة الذاتية لـ «إي. اتش كار» مؤخراً، والذي يعتبر بوضوح «حلقة الوصل» بين الدراسات السابقة الاضيق والعمل الحالي. ذلك لأن كار الذي قام قبل اكثر من نصف قرن بتعديل عمله الكلاسيكي «ازمة العشرين عاماً من 1919 ـ 1939: مقدّمة الى دراسة العلاقات الدولية»، وذلك من اجل مواجهة «العيب الفاضح والخطير لجميع الافكار تقريباً، الاكاديمية والشعبية منها، حول السياسة الدولية في الدول الناطقة بالانجليزية من عام 1919 ـ 1939، والتجاهل شبه التام لعامل القوة». وكتب كار في بداية الثلاثينيات موافقاً على ان ماكيافيللي هو الذي شكلت كتاباته «ثورة ضد الطوباوية في التفكير السياسي الحالي». وبالتالي، فإنه ليس من الغريب ان نرى هاسلام يكمل هذا الهجوم بالاصالة عن جيل جديد من الباحثين الواقعيين. وبينما يعتبر كتاب «لا فضيلة مثل الضرورة» مختلفاً تماماً من حيث التركيب واللهجة عن كتاب ميرزهايمر، فإنه ينتهي الى نفس النتائج تقريباً، وذلك راجع تحديداً الى كونه يبدأ بتحديد الهدف نفسه. وبالنسبة لخصوم هاسلام، فانهم من انصار المبدأ الاممي المشوش التفكير، وان كانوا ليسوا من صناع القرار السياسي الليبراليين، وانما الاصوات التقدّمية في قاعات الدرس بالجامعات الاميركية. ان هجوم هاسلام هنا يعتبر ثنائي النقاط. فهو يعتقد، في المقام الاول، ان الكتّاب الاكاديميين حول السياسة الخارجية والشئون السياسية العالية نادراً ما يكون لديهم، هذا ان كان لديهم اصلاً، أي خبرة عملية حول تحمل المهام في منصب معين، اي بمعنى، ما الذي سيحدث عندما يتم تنحية نظرياتهم المحببة جانباً بفعل الضغوط والتعقيدات الخاصة بعملية صنع القرار اليومية خلال اوقات الازمات. وباستمتاع، يقتبس المؤلف بصورة متكررة من سياسيين ودبلوماسيين ومستشارين حول افتراضات المعلقين الاجانب، التي قد يكون اوضحها ما ذكره الايطالي لودفيكو زوكولو في عام 1621 عندما قال: ان الشخص الذي لم يمخر عباب البحر لا يفترض انه يعرف فن الملاحة، والذي لم يبذل جهداً لتعلم الموسيقى لا يزعم انه يفهم النوتة والانغام الموسيقية. ولكن هناك قلة من الرجال، الذين، وعلى الرغم من انهم لم يحكموا ابداً، إلا انهم لا يزعمون بأنهم يعرفون كيفية الحكم على ادارة الدول والامبراطوريات. ونقطة هاسلام الثانية وثيقة الصلة بالموضوع هي انه في حين كانت هناك فترات عديدة في التاريخ اكد فيها المراقبون ان فجر «نظام عالمي جديد» بدأ يطل ـ عالم تعلم درساً من الصراعات الدموية السابقة واخذ يتبنى السلام والتعاون الدولي والتقدم التجاري والتقنيات الجديدة المذهلة ـ فإنهم قد تجاهلوا الطبيعة التنافسية لنظام الدول القومية على مسئوليتهم وعانوا بشكل محتم من خيبة امل عميقة مع ظهور بوادر الصراع التالي. فاتقاقيات فرساي العديدة على سبيل المثال، لم تدم اكثر من عقد قبل ان يتم تمزيقها. وبحسب هاسلام، فإن النسق الطبيعي للامور هو ان الواقعية والمثالية تعيشان حالة مد وجزر مع مرور الوقت، في علاقة مباشرة مع بعضهما البعض واعتماداً على الظروف التاريخية المحددة، وانه وفي حين يعتبر من الجهل التام ان بعض العلماء السياسيين المعاصرين يبدو أنهم يفترضون ان الكتابة حول السياسة الواقعية لم تبدأ سوى بـ «إي ـ أتش» كار وهانز مورغنتاو، فإنه يعتقد ان من الافظع حتى ان يزعم الاكاديميون الحاليون ان عصر الدولة القومية قد ولى وان دوافع تعاونية وعابرة للقومية احدث هي التي تصيغ سياسات العالم الآن وفي المستقبل. ان اسلوب هاسلام في تقديم حجة تقلد بشكل صريح الاسلوب المستخدم من قبل زميله في جامعة كامبريدج كونثين سكينر قبل ربع قرن في العمل المثير للاعجاب «أسس التفكير السياسي الحديث» وكان الهدف من ذلك، هو الابتعاد عن دراسة النصوص السياسية العظيمة نظرياً وكأنها قد جرى تناقلها من المراتب العليا، ووضع الافكار التي يجري بحثها بدلا من ذلك، ضمن تيار الافكار الأكبر، والكتابات الاخرى في ذلك الزمن بالاضافة الى الوضعية السياسية الفعلية التي تقدم فيها تلك الافكار. وقد تم هذا بشكل رائع في الفصل الاول من كتاب هاسلام والذي يحمل عنوان «مبررات الدولة» وهو بحث ذو لهجة واثقة للغاية حول التطورات الرئيسية في التفكير الدولي من القدماء ومروراً بعصر النهضة والمفكرين الاوائل في العصر الحديث وحتى بيرك وروسو وكانت. فمجرد القراءة على سبيل المثال من تجربة هوبس الشخصية المتعلقة بالاضطراب السياسي والحرب الاهلية والمنفى تكفي لكي تفهم بصورة اكثر وضوحا السبب الذي حداه الى الحث على تركيز السلطة السياسية في ايدي «الدولة» وطبيعة التيارات المعاكسة التي شعر بأنه يصارعها. ولكن ما يجري التعامل معهم هنا هم ليسوا فقط المؤلفون العاديون لكتاب مباديء الفكر السياسي التعليمي الذي يدرس في الجامعات، فربما يكون هاسلام في اوضح حالاته لدى تحليله لكتاب اقل شهرة مثل توماسو كامبانيلا وتوماس مور وجين بودين وريتشارد كامبرلاند وصامويل بوفندورف وهنري سانت جون بولنغبروك وآدم فيرغوسن في قصته. ولد فيرغوسن (1723 ـ 1816)، وهو استاذ في الفلسفة الاخلاقية في ادنبرة، بعد سنوات قليلة فقط على انتهاء الحرب الملحمية الاسبانية على خلافة العرش ومات قبل عام من نهاية الحروب النابليونية الاكثر «تسلطا» ولهذا فإنه ليس من المفاجيء ان نراه يكتب قائلا ان «السلام الاطول ما هو إلا... هدنة طويلة وفترة للاعداد للحرب» حيث ان ذلك يصف بدرجة من المثالية الشئون الاوروبية في القرن الثامن عشر. والاسلوب نفسه في مناقشة كل فيلسوف دنيوي في السياق جرى استخدامه في الفصول الثلاثة التالية: «توازن القوى»، و«الميزان التجاري» و«السياسة الطبيعية» وان كان ذلك بتضاؤل في الطول والعمق، فالبحث في «الجيوسياسية» على سبيل المثال، يعتبر جريا سريعا على امتداد واحد وعشرين صفحة من فرانسيس بيكون الى الفريد شاير ماهان وهالفورد مكايندر وكارل هوشوفر وانتهاء بنيقولاس سبايكمان، مؤلف كتاب «استراتيجية اميركا في السياسة الدولية» المنشور في عام 1942. ويبدو ان من المناسب الاختتام بكاتب اميركي، في الوقت الذي اصبحت الولايات المتحدة القوة الرائدة في العالم وأخذت تكتشف الحقائق العديدة القاسية حول توازن القوى والجيوسياسية الامر الذي من شأنه بالطبع ان يؤكد نهج هاسلام ـ سكينر القائل بأن السياق هو المهم.