السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 كانت خاتمة الحدث الدرامي الذي وقع في موسكو، مؤخرا بما في ذلك استخدام غاز سام رهيب من قبل القوات الروسية، خاتمة مروعة. لكن لا يمكن لأحد يتمتع بأدنى قدر من الحساسية والشفقة إلا ان يشجب العمل الارهابي المبيت الذي قام به اولئك الذين استولوا على المسرح، ويجب ان نفكر بالمنكوبين والمصابين، لكن علينا ايضا ان نفكر في اولئك الاشخاص الذين كان عليهم ان يتخذوا قرارات منعزلة وصعبة الى درجة التعذيب حول كيفية الرد على الخاطفين وفي اولئك الذين اشتركوا فعليا في ذلك الرد. النتائج الجسدية والنفسية لتلك الخاتمة ستدوم وقتا طويلا. مع تكشف المزيد من الحقائق عن تفاصيل ما حدث بالضبط، ستكون هناك دروس بالنسبة لنا جميعا. لكن في هذه المرحلة ربما يكون اندفاع البعض للوصول الى استنتاجات محددة أمراً غير مفيد بالطبع هناك دائما موازنة بين الدفاع عن المجتمع وضمان ان الأساليب الموظفة لهذا الدفاع لا تشوه سلوكياته. فالقيم التي تشكل اساس حضارتنا توضع على المحك الحقيقي في أوقات الضغط الشديد والاستفزاز الرهيب. ومع ذلك فإن الالتزام بهذه القيم يصبح مجرد ضرب من العاطفة اذا قوض العزيمة على العمل المؤثر في وقت يتطلب تحركا فورياً. قبل ثلاثة اعوام تم تعييني في منصب مقرر لجنة المجلس الأوروبي لشئون الشيشان. وفي اجتماع جمعني ضمن وفد صغير مع الرئيس بوتين في يناير 2000 على مدار ثلاث ساعات، فهمت التحديات العقلانية البعيدة عن العاطفة. التي تواجه مساعي الاسهام في السلام في الشيشان. واصبح التحدي العاطفي واضحا في الربيع التالي، حيث كنت احد اوائل الساسة في خارج روسيا الذين يزورون العاصمة الشيشانية، بعد القصف. كانت الصورة لا تصدق.. كانت اشبه بمدينة اشباح، يكاد لا يوجد فيها مبنى واحد لم يتعرض للتدمير او الخراب. كانت العمليات العسكرية الروسية غير مناسبة وغير مميزة. منذ ذلك الحين تعمق لدي القلق من انتهاك حقوق الإنسان في غمار هذا الصراع. على الجانب الأول مئات حالات الاختفاء والمضايقة والتعذيب والقتل غير المشروع وعمليات التطهير الوحشية الى جانب معاناة الشعب من التشرد وسود التغذية وندرة تسهيلات التعليم والرعاية الصحية القاصرة. وعلى الجانب الآخر في روسيا الألغام والاغتيالات وعمليات الخطف والاعمال الوحشية، والتشدد الثقافي وأخيرا الآن الهجوم على مجموعة من الابرياء، من بينهم اطفال كانوا يستمتعون بحضور مسرحية في موسكو. لكن ما دفعني الى الشعور باحباط يقارب اليأس هو العناد والتصلب على الجانبين كليهما. للعقول والقلوب على حد سواء دور تلعبه من أجل ولادة أمل لتحقيق السلام. لكن الروس بدوا عازمين على تحاشي السياسات المعدة لتحقيق السلام، في حين ان اعمال المقاتلين الشيشان تبدو منفذة عن سبق اصرار ومحسوبة بدقة، بحيث تضمن تبني القوات الروسية لخط صلب لا يعرف اللين. ثم مأزق حقيقي يتعذر الخروج منه. فالمقاتلون الشيشان بأعمالهم غير التقليدية، التي لا يمكن التنبؤ بها، ربما يكونون قادرين على املاء تصوراتهم على الاجندة العسكرية، لكنهم في نهاية المطاف لن يقدروا على تحقيق الانتصار على القوات الهائلة المتاحة للجيش الروسي. وفي السياسة الدولية، يستطيع الروسي ان يلعبوا بورقة التحالف العالمي ضد الارهاب وحتى الآن لا يملك المقاتلون الشيشان أجندة سياسية معدة وفق تصورات عقلانية وجادة. والحقيقة الماثلة للعيان هي انه ليس هناك حل عسكري للصراع. وفي النهاية يجب ان يكون الحل سياسيا. ولانجاح الحل السياسي، يجب ان يشترك فيه شريحة عريضة من المجتمع الشيشاني. وكما ظهر في تجارب الشرق الاوسط وايرلندا، لايمكن تحقيق السلام الدائم بوجود لاعبين اساسيين خارج العملية السلمية. يجب على اولئك المقاتلين الشيشان الذين يناضلون من اجل حل معقول ان يوضحوا موقفهم من الاحداث المريعة التي وقعت في موسكو احمد زكاييف، احد مساعدي آخر رئيس شيشاني منتخب وهو اصلان مسخادوف، قال لي وجها لوجه قبل ايام ان «القيادة الشيشانية، برئاسة مسخادوف تشجب بقوة اي هجوم او عملية تستهدف المدنيين». ومعنى يقول: نحن لا نقبل بانتهاج الاساليب الارهابية كطريقة لحل اي مشكلة وبالاشارة الى ما حدث في المسرح بموسكو قال زكاييف: نحن نؤكد ان لا علاقة لاي من مؤسساتنا الرسمية بأي شكل في الاشكال بهذا العمل ووصف متحدثون رسميون آخرون موقف مسخادوف بعبارات مشابهة لكننا بحاجة لسماع هذه الاشياء في مسخادوف نفسه. بعد ما حدث في موسكو، يتوقع المرء ان يصبح الروس اكثر تصلبا في مواقفهم. وهم ربما يعيدون التأكيد على الوقفة العالمية ضد الارهاب. لكن تلك الوقفة العالمية بحد ذاتها لن تنجح ايضا إلا اذا اخذت العقول والقلوب على محمل الجد عليها ان تقدر بأثير مظاهر الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي التي يتغذى منها الارهاب. من المهم جدا جعل روسيا شريكا كاملا في ادارة الشئون العالمية. وربما يوبخنا التاريخ بقسوة لفشلنا في فعل ذلك خلال السنوات العشر الماضية. لكن تلك الشراكة يجب ان تبني على الصراحة والصدق في ابداء الرأي. وعندما نعتقد ان السياسة الروسية على خطأ، علينا ان نقول ذلك علنا. وعندما تكون السياسة الروسية لعبة في ايدي المتشددين انفسهم الذين نحاول نحن احتواءهم في انحاء العالم، فمن الاستهتار عدم جعل هذه القضية جزءا اساسيا من مشاوراتنا مع الرئيس بوتين والآخرين. يجب ان تكون الشيشان في صدر قائمة اولوياتنا جدول اعمالنا. فهو امر مهم للشيشان، ومهم للروس، بل وهو مهم للأمن العالمي ايضا. لقد عاشت موسكو كابوسا رهيبا. فليكن هذا الكابوس محفزا للتحرك من اجل ايجاد حل. بقلم: فرانك جود _ ترجمة: علي محمد عن «جارديان»