الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 امام هول مشاهد الرعب التي بثها التلفزيون من احد مسارح موسكو الشهر الماضي، لابد ان بعض الروس تساءلوا عما كان يفعله رئيسهم فلاديمير بوتين خلال الايام الثلاثة التي احتجز فيها المتمردون الشيشان اكثر من 800 رهينة في المسرح،.. لم يصدر عن الكريملين سوى بضع صور تلفزيونية صامتة للرئيس بوتين وهو يتحدث الى مساعديه ـ ما دفع مذيع اخباري غاضب للاستعانة بخبير في لغة الشفاه لمحاولة استنباط ما كان يقوله بوتين. ذكر الموقع الرسمي للرئيس على الانترنت ان بوتين ابلغ «على الفور» بحادثة احتجاز الرهائن في الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق من مساء يوم الـ 23 من اكتوبر مع ان الارهابيين كانوا قد استولوا على المسرح قبل ذلك بساعتين. وخطاب بوتين للأمة بعد قيام قوات الكوماندوز الروسية (سبيتسناز) بتنفيذ عملية الانقاذ، اصدر الزعيم الروسي بيانا اعتذاريا مقتضبا قال فيه «ولم نتمكن من انقاذ الجميع سامحونا» لكن بالرغم من محاولته الاحتفاظ بمظهر الزعيم الهاديء رابط الجأش امام الجماهير فإنه ابتهج ابتهاجا شديدا في السر. ويقول معاونو الرئيس إنه دعا رجال الكومنادوس الى الكريملين لاقامة احتفال خاص مغلق بعد انتهاء الازمة. لكن طعم النصر بدأ يتبدد بسرعة بالنسبة لبوتين وكذلك بالنسبة لأولئك الذين نسقوا لتنفيذ العملية باستخدام غاز مخدر قتل 117 رهينة. ارتفعت معدلات استحسان الجماهير لبوتين الى 85% مباشرة بعد انتهاء الازمة فيما راح الروس الحزينون يهللون للعهود التي قطعها بوتين على نفسه باصطياد الارهابيين اينما وجدوا لكن حكومة بوتين وجدت نفسها الاسبوع الماضي مجبرة على مواجهة اسئلة حول تعتيم الكريملين بأسلوب سوفييتي على طبيعة الغاز الذي استخدم في العملية وفشل السلطات الروسية في تحضير الاطباء لعلاج الرهائن المسممين. فبعد اربعة ايام من الصمت اعترف وزير الصحة الروسي يوري شيفشينكو بأن الغاز يقوم على مشتقات الفيناتيل، وهو مخدر طبي شائع، لكنه اصر على انه لم يكن معروفا من قبل ان هذا الغاز قاتل. ولا تزال هناك حالة من الغموض حول دور بوتين في اتخاذ قرار استخدام الغاز. وعندما سئل احد كبار مساعديه عن مكان تواجد بوتين خلال ازمة الرهائن، اكتفى بالقول: «ان الرئيس لم يبرح موسكو» ويقول مسئولون حكوميون ان فلاديمير برونيشيف نائب رئيس وكالة الاستخبارات الروسية، ورئيس فريق الطواريء المكلف بالتعامل مع الازمة اصدر الأوامر الى الوحدات الخاصة (السبيتسناز) بضخ الغاز عبر فتحات تهوية المسرح والاستيلاء على القاعة الرئيسية التي احتجز فيها الرهائن. وفقا لاقوال اعضاء من فريق الطواريء فإن بوتين بقي على اتصال مع برونيشيف من خلال مساعد رفيع المستوى في الشئون الشيشانية هو سيرجي ياستررزيمبسكي، واطلع على الاطار العريض لخطة الانقاذ لكن مصادر حكومية تقول انه من غير المرجح ان يكون رؤساء الاجهزة الامنية قد حصلوا على موافقة بوتين لاستخدام الغاز في المسرح فهم ببساطة لم يكونوا بحاجة لهذه الموافقة. ويقول مسئول مقرب من بوتين: «لو قال القادة الامنيون انهم سيستخدمون رسائل معينة» في اشارة لاستخدام الغاز «فإن بوتين كان سيعطي موافقته لانه يفكر مثلهم ويثق بهم كليا». لكن خارج اوساط الكريملين جاء التكهن الثاني سريعا فالسفير الاميركي الكساندر فيرشبو قال في حديث مع المراسلين الصحفيين في الـ 29 من اكتوبر: «ان توفر معلومات قليلة اضافية ربما كان سينقذ المزيد من الارواح» وقال طبيب يعمل في موسكو ان الحكومة رفضت الاعتراف بأن عشرات الضحايا الذين اسعفوا الى المستشفى لا يزالون في حالة فقدان وعي وأنه لا يرجح شفاء معظمهم بدون التعرض لتلف دماغي كبير. ربما يتحجج البعض بأنه لم يكن امام بوتين خيار غير استخدام القوة الكاسحة ضد الارهابيين الذين زرعوا عبوات متفجرة في انحاء المسرح وهددوا بنسفه عن بكرة أبيه. لكن مهمة الانقاذ الوحشية، وتعامل الحكومة العشوائي مع الازمة كانا من نواح عديدة نتاج شخصية بوتين واسلوبه في القيادة واظهر بعض نقاط الضعف المزمنة في رئاسته وحين يعرف عن بوتين هوسة في ضبط الامن واحكام سيطرته على الامور، فإنه لا يزال يفتقر للثقة في سلطته على البيروقراطية الروسية فهو يحيل مهمة صنع القرارات العملياتية الى مساعديه الكبار، خصوصا في القضايا الامنية. ومع ان بوتين بطبيعته سياسي براغماتي متحرر من الدوافع الايديولوجية، فإنه مهووس بالدفاع عن قوة وهيبة الدولة الروسية وهو هاجس مرضي يرجح الآن ان يجر روسيا الى مستنقعات أعمق في حربها المكلفة ضد الانفصاليين الشيشان. ويقول اندريه رايبون وهو محلل يعمل لصالح مركز «موسكو كارنجي» لقد خرج بوتين منتصرا من الازمة لكنه علق ايضا في شرك عسير. ان يتعين عليه ان يواصل تحقيق الانتصارات في المستقبل، وان تعرضه لهزيمة نكراء بدل النصر في المرة المقبلة ربما يقضي على شخصيته الزعامية الى الابد. ترجمة : علي محمد عن «تايم»