الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 شغل الجنرال ويسلي كلارك العديد من المناصب الحساسة في مسيرته المهنية الممتدة، بما في ذلك منصب القائد الاعلى لقوات الحلفاء في اوروبا وقائد القيادة الاميركية الاوروبية المشتركة ما بين عامي 1997 و2000 حيث تمت في عهده الحملة الجوية ضد الصرب وكان مدير الخطط والسياسات الاستراتيجية لدى قيادة الاركان الاميركية في عام 1994 حتى 1996 عندما تولى رئاسة المفاوضات الخاصة باتفاقيات السلام البوسنية في دايتون وقد اجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» الحوار التالي معه مؤخراً. ـ ما هو تقييمك لعدد القوات اللازمة للاطاحة بالرئيس العراقي؟ كم ستستغرق الحرب؟ وما توقعاتك فيما يخص الخسائر في الارواح من صفوف الجنود الاميركيين والمدنيين العراقيين؟ ـ بتقديري ـ وانا هنا أخمن فقط ـ ان القتال كله سينتهي خلال اسبوعين ربما نحتاج لتجهيز 250 ألف جندي، لكن اعتماداً على سرعة انهيار الجيش العراقي فإن معظم جنودنا قد لا يشاركون في القتال ابداً وربما يتراوح تعداد الوحدات المقاتلة الفعلية بين 75 و100 ألف جندي. سوف نبدأ الحرب ربما بحوالي 1000 ضربة جوية وصاروخية في الليلة الاولى. 1 بالمئة فقط من هذه الضربات ربما تخطئ هدفها وتصيب مدنيين عراقيين وربما تكون هناك ضرورة لضرب بعض الاهداف العسكرية القريبة جداً من مناطق سكنية مما يعني ان الضربات ستطال بعض المدنيين العراقيين في اطار ما يعرف بالضرر المصاحب. ومع ذلك فمن غير المرجح سقوط العديد من الضحايا المدنيين في بادئ الأمر. ولا اتوقع اي خسائر بشرية أميركية في الضربات الاولية، وربما لا تتجاوز الخسائر الاجمالية بضعة عشرات، بحسب كثافة القتال. هذه هي توقعاتي لأفضل سيناريو محتمل ومن المفترض ان العراقيين لن يكونوا الطرف البادئ بالقتال، وعندما يختبرون اول ليلة من الضربات، ويرون قوة الهجمات المقبلة، ستتلاشى مقاومتهم وسترفع الاعلام البيضاء وسيدرك الجميع انهم مهزومون لا محالة امام القوة الأميركية الجبارة وحالما يشعر الجنود العراقيون بأن الخطر الذي يواجهونه من الأمام يتجاوز الخطر الذي يتهددهم من الخلف فسوف ينتهزون اي فرضة للاستسلام وسوف تتقطع اوصال جهاز الحكومة العراقية من اسفل الهرم الى اعلاه ومن خارجه الى داخله ويرجح ان تكون اعظم مشكلة تواجهنا في القتال هي كيفية التعامل مع مئات الألوف من الجنود العراقيين المستسلمين الذين يحملون السلاح وهم جياع. لكن تلك ستكون بداية المتاعب، حتى حسب اكثر السيناريوهات تفاؤلاً حيث سينهار نظام توزيع الغذاء وسينهار نظام الرعاية الصحية وستسود اعمال العنف والانتقام الشوارع مع انهيار اجهزة الامن العراقية السرية. وعلى الرغم من جهودنا للحفاظ على النظام، يرجح نشوب انتفاضات، كما حدث في البصرة في نهاية حرب الخليج وسينتشر العنف الجماعي على نطاق واسع مستهدفاً الاشخاص المرتبطين بالنظام الحالي ويقدم هذا السيناريو الحد الادنى من اي تقدير للخسائر البشرية. اما سيناريو الحد الاعلى في الخسائر المتوقعة فهو ان ينظر الرئيس العراقي الى قواتنا المتمركزة في الكويت ويصب عليها كل مخزون اسلحته الكيماوية والبيولوجية، مثل عصيات الجمرة الخبيثة وعندما يشق الجنود الاميركيون طريقهم الى بغداد سوف يستنشقون الغبار الملوث الذي سيشكل خطراً كبيراً على صحتهم. وربما يحاول الرئيس العراقي ايضاً استخدام ما تبقى في جعبته من صواريخ سكود لضرب اسرائيل وسوف يرد الاسرائيليون بدفاعاتهم المضادة للصواريخ وسوف نقوم نحن ايضاً بمهاجمة العراقيين لتحييد خطر صواريخ سكود لكن مع ذلك هناك احتمال لوصول صاروخ محمل بعصيات الجمرة الخبيثة مخترقاً منظومة الدفاع ليضرب في عمق اسرائيل ويقول الاسرائيليون انهم في هذه الحالة سوف يردون بضرب العراق وهكذا سيسقط عشرات الألوف من المدنيين. وما بين السيناريو الاكثر تفاؤلاً والسيناريو الأكثر تشاؤما يتوقف الامر على مدى جلد العراقيين وحماسهم في القتال ولا يمكن التنبؤ بهذا العامل في الوقت الحالي. ـ يحذر العديد من الزعماء العرب من حالة الاضطراب السياسي التي ستعم منطقتهم المتفجرة في اعقاب الضربة الاميركية ضد العراق هل يقلقكم هذا؟ ـ هناك بعض المخاطر لنشوب اضطرابات قصيرة الأمد قد تكون هناك اعمال شغب جماعية في بداية الحملة لكن اذا انتهت الحرب بسرعة، ربما تكون هذه التأثيرات محدودة جداً. لكن هناك تأثيراً بعيد الأمد وشديد الخطورة من تسديد ضربة قاضية تمحق الرئيس العراقي وهو عميق الاحساس بالاذلال بين الجماهير العربية في انحاء المنطقة وذلك الاحساس يزداد تأزماً بتصريحات اولئك الذين يقولون ان بامكاننا تغطية تكاليف حربنا ضد العراق بأخذ مليار برميل من نفطهم كل يوم فهذا النمط من الحديث يؤكد الفكرة المغلوطة بأن أميركا تقوم بكل هذه الحملة من اجل النفط. وثمة خطر آخر يتمثل في ان يصبح العراق ساحة قتال بين العناصر المتشددة ففي عهد الرئيس العراقي اعتبر المتشددون عناصر معادية في العراق واذا ازيح الرئيس العراقي فقد يصبح العراق هدفاً للمتشددين المتدفقين عليه من مناطق مختلفة وليس بوسع الجنود الاميركيين القيام بشيء لمنع هذا، وسيعتمد الامر على الاسراع لتأسيس حكومة عراقية فعالة. ـ لقد انحرفت رؤية ادارة بوش الاستراتيجية بشكل جذري عن رؤية كلينتون التي تتلخص في «جعل العالم مكاناً آماناً للاعتماد المتبادل بين الدول» كيف ترى الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها واشنطن هذه الايام؟ ـ الاحساس العام على ما يبدو يقول: «نحن اقوياء جداً، ولا ينبغي ان نسمح لاحد بتهديدنا مجدداً» وكأننا اصبحنا روما جديدة. قد يرى في ذلك نوعاً من الغرور والغطرسة بالقوة الاميركية لكن ربما تنبع هذه الرؤية من تجاربنا العسكرية ففي حرب الخليج وفي بنما وفي كوسوفو، اظهرنا فعالية لا تصدق في التعامل مع تلك البلدان. ويبدو ان البعض يعتقد اننا بقوتنا التي لا تضاهى وبتقدمنا التقني المثير نستطيع ان نتعامل مع العراق ومع اي طرف آخر لا يفهم رسالتنا. انه استعراض جديد للقوة الأميركية ومع انه قد يبدو للبعض غروراً فإن الدافع الحقيقي وراءه هو الخوف، فهجمات 11 سبتمبر تركت اثراً عميقاً فينا. انني بكل تأكيد افهم هواجس الأمن الاميركي لكننا لا نريد ان نكون عدوانيين جداً لكي لا نستثير ضدنا كراهية وعدائية بقية العالم واذا كنا عدوانيين فسنجلب لانفسنا المزيد من الاعداء. لكن هناك شيئاً آخر يجب ان يفهم في واشنطن وهو انه مهما كان افراد القوات المسلحة الاميركية جيدين اليوم فإنهم في جوهرهم قوة تشكلت في زمن السلم وعدد كبير منهم متزوج وله عائلات وجميعهم متطوعون ولا يتوقع منهم القبول بالبقاء في الخارج للقتال في حرب تقليدية طويلة متلازمة مع معدلات خسائر بشرية عالية. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»