الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 تنفست اسرائيل الصعداء بعد وفاة جمال عبدالناصر وايقنت ان بوفاته لن تقوم حرب اخرى بعد الهزيمة الموجعة ثم وفاة عبدالناصر الذي خاض حرب استنزاف طويلة ارهقت العدو، وثبت خلال فترة حرب الاستنزاف ان الموساد قد بدأ يفقد صلاحيته كاسطورة صنعتها «اسرائيل» ودخل ديان ورئيس الموساد في مشادات اتفقت خلالها غولدا مائير مع رأي ديان وبدأ الصراع الداخلي على من يقود امن اسرائيل، في المرحلة السابقة بعد فشل اكثر من عملية للموساد في الوقت الذي بدأ فيه يعمل جاهداً على تجنيد اكبر عدد ممكن من البدو واهل العريش الواقعين تحت الاحتلال في سيناء. كما كانت المخابرات المصرية على الجانب الاخر تعمل بجدية في ايقاع هؤلاء الجواسيس وتجنيد جواسيس اخرين في داخل اسرائيل وذلك خلال فترة حرب الاستنزاف الى ان تمكن الموساد في سيناء المحتلة من تجنيد رجل وزوجته، وهذان بدورهما قاما بتجنيد ولديهما. واصل نبيل مهمة جمع الاخبار واخذ يدون كل ما يحصل عليه من اخبار في كراس ازرق الغلاف وكلما كان شقيقه محمد خارج البيت او نائماً تفرغ لتدوين المعلومات وكتابتها في ظل غياب شقيقه الا ان الحذر لا يمنع القدر، فذات ليلة دخل عليه شقيقه فجأة وسأله لماذا تسهر حتى هذه الساعة؟ ـ لكي ادرس ولكن اين كتبك وأوراقك؟ انا لا أرى سوى هذه الكراسة الزرقاء.. ارني ماذا تكتب، وجذب الشقيق الاصغر الدفتر من شقيقه الاكبر وبدأ يقرأ، ثم توقف فجأة.. وتساءل ما هذا يا نبيل؟ ـ هذه معلومات! ـ لماذا؟ ـ أجمعها لأبي.. واحصل على اموال مقابلها. ـ وماذا يعني هذا؟ ـ يعني ان ابانا يعمل لصالح اسرائيل! ـ يا نهار اسود.. أبي جاسوس. ـ اغلق الاخ الاكبر فم اخيه الاصغر وطلب منه خفض صوته ورجاه الا يتحدث في هذا الموضوع. ـ سابلغ المخابرات المصرية. ـ سوف تنتهمك معنا. ـ ولكني لست مشاركاً. ثلاثتنا سنقول انك مشترك.. وسوف تسجن او تعدم مثلنا. ارتعد الصغير وكان لا يزال طالباً في المرحلة الاعدادية ويوماً بعد يوم واثناء غياب والديه وتحت اغراء النقود التي كان يمنحها شقيقه له والخوف من تنفيذ تهديده باتهامه ايضاً في العمل لصالح الموساد تراجع الشقيق الاصغر وبدا في رحلة التجسس العائلية. في تل ابيب خارج مطار روما كان ثلاثة رجال غامضين في انتظار الجاسوس وزوجته، كان بينهم الضابط ابو يعقوب الذي عرفه الجاسوس على الفور بعد السلام والعناق قدم لهم زوجته انشراح التي رحب بها ابو يعقوب بحرارة وقال لها مداعباً: ـ كنا في شوق شديد لمعرفتك. ـ روت المرأة بكل جرأة: وأنا ايضاً. تحركت سيارتان من امام المطار الاولى كانت تقل الشخصين اللذين كانا بصحبة «ابو يعقوب» والخلفية كانت تضم «ابو يعقوب» والجاسوسين ابراهيم وزوجته وسارت تخترق شوارع روما حتى وصلت الى قصر السفارة الاسرائيلية في احد شوارع روما. دخل ابو يعقوب السفارة بصحبة جاسوسيه وتوجه فوراً الى ضابط الموساد الملحق بالسفارة وقدمه لضيفيه باسم «ابو جودة». كان ابو جودة احد الذين استبدلهم تسفي زامير رئيس الموساد بضباط ما قبل 1967 وكانت المنافسة بينه وبين الملحق العسكري للمخابرات العسكرية التابع لياريف على اشدها حيث الدعم المطلق يأتي من وزير الحرب الاسرائيلي موشيه ديان مباشرة.. لذا فقد رفع السماعة واتصل بزميله قائلاً له: ارجوك ان تهنئني.. ابراهيم شاهين وزوجته بمكتبي الان. ـ تهانيّ لك يا عزيزي ولكن آمل ان يفيد «اسرائيل» لا ان يضرها كما حدث سابقاً ويطير معه رئيس زامير. كتم ابو جودة غيظه وطلب من ابو يعقوب ان يحضر ما اوصاه عليه سابقاً. انتحى ابو يعقوب جانباً وسأل ابراهيم: اين جوازاتكما المصرية؟ قدم الجاسوس وزوجته جوازي سفرهما لابو يعقوب الذي اخذهما واختفى ثم التقطت صور شخصية لهما واخذت بصماتهم وبعدها قام ابو يعقوب بطلب سيارة لهما وطلب من مرافقهما ان يكون تحت امرهما طيلة المدة التي سيقضيانها في روما. بعد يومين قضاهما العميلان في التسوق واللهو في ملاهي روما الليلية ومسارحها اصطحبهما مندوب «السفارة الاسرائيلية» الى السفارة مرة اخرى حيث تسلم ابراهيم شاهين جواز سفر اسرائيلياً باسم موسى عمر وزوجته جوازاً اخر باسم دينا عمر وبعدها طلب منهما ابو يعقوب وابو جودة التوجه الى مطار روما وهناك كان في انتظارهما طيار من طياري شركة «العال، الاسرائيلية» حيث اصطحبهما الى داخل الطائرة التي كانت رحلتها هذه المرة الى مطار «اللد» عندما هبطت الطائرة مطار «اللد» كانت في انتظارهما سيارة نقلتهما على الفور الى «بئر السبع» وكانت المفاجأة ان ابو يعقوب كان في استقبالهما ايضاً في «بئر السبع» وكادت هذه المفاجأة ان تعقد لسان ابراهيم الا ان ابو يعقوب طمأنه وقال له: انها مجرد اجراءآت ولكن المهم نريدك ان تزيد نشاطك قليلاً والآن معك امرأة جميلة تعاونك فلا حجة لك. للاحتياط قضى ابراهيم وزوجته الليلة في بئر السبع في الصباح استدعاهما ابو يعقوب وقال له: ارجو منك الا تغضب فنحن الان قد دخلنا في مرحلة العمل الجاد ولذا فإنه للاحتياط سوف نعرضك وزوجتك على جهاز كشف الكذب وهو جهاز من احدث الاجهزة في العالم وقد زودتنا اميركا به مؤخراً فقررنا تجربته عليك لاننا بصراحة مندهشون من اقبالك على العمل معنا وكذلك زوجتك ونخاف ان تكون المخابرات المصرية قد دخلت معنا على الخط. نظر الجاسوس بعيونه الوقحة نحو زوجته التي نظرت له نظرة مشجعة وكأنها تطمئنه وبالفعل خضع الزوجان الجاسوسان للجهاز الذي كان هو وزوجته اول من تمت تجربته عليهما بالفعل ولكن الجاسوس الوقح وزوجته الاشد وقاحة استطاعا ان يجتازا الاختبار ونجحا بجدارة في الافلات من اختباراته لا لشيء الا انهما كانا خائنين بالفعل وليس لهما اية علاقة بالمخابرات المصرية. بعد هذه التجربة الناجحة تقدم ابو يعقوب من الجاسوسين معتذراً بشدة وقال لهما: لكنكما تقدران بالطبع خطورة عملنا وخطورة المهمة التي تقومان بها لذا فنحن لا نترك اي شيء للصدفة وارجو ان تقبلوا اعتذاري واعتذر السيد زامير نفسه. بعد هذه التجربة طلب ابو يعقوب ان يمكث الزوجان معه عدة ايام يتم خلالها تدريب الزوجة وتدريبه على وسائل اكثر حداثة واكثر تعقيداً واعطى كل منهما الفي دولار وركز في تدريباته على كيفية جمع المعلومات العسكرية والروح المعنوية للشعب المصري ونشر الاشاعات التي سترسل لهما بين أواسط العامة لهز ثقة الناس في عبدالناصر وجيشه.. ثم طلب منهما في نهاية الدورة التدريبية العودة الى روما بنفس الطريقة وعاد الزوجان الى رومان وهناك سلما الجوازين الاسرائيليين واستلما جوازيهما المصريين.. عاد الزوجان الى مصر.. الى شقتهما في المطرية، واستقبلهما الجيران بحفاوة لغيابهما وسألاهما اين كانا؟ فقالا: كنا في العريش، وانبرت زوجة ثرثارة من جيرانهم تسأل انشراح: وكيف الحال في سيناء.. صحيح الاسرائيليين يعذبون الناس هناك؟ استغلت انشراح هذه النقطة واخذت تتحدث بما يخالف الواقع وقالت: ان الاسرائيليين شعب طيب يحاول ان يتعايش مع الشعب المصري ولكن العيب فينا نحن، فنحن لا نعطيهم الفرصة لكي يثبتوا لنا انهم اصدقاؤنا، لا بل هم ابناء عمومتنا واخذت تشرح للنساء العلاقة التاريخية التي تربط بين العرب واليهود وان اليهود شعب ككل الشعوب يريد ان يحيا في سلام ولكن هيهات فعبدالناصر هذا الرجل الدكتاتور لا يمنحها الفرصة ابداً. ولم يتوان الزوج في الوقت نفسه عن التحرك في الاتجاه نفسه بين المصريين وخاصة تلك العائلات التي تضم بين افرادها مجندين او ضباطاً وبدأ الاثنان في جمع المعلومات كما سر الاب كثيراً ان ابنه نبيل استطاع اقناع شقيقه محمد بالعمل معهم وهكذا اصبحت الاسرة بكاملها غارقة في مستنقع الخيانة واستطاعت هذه الاسرة في اوائل عام 1970 ان تكون شبكة واسعة من العلاقات المتشابكة مع مختلف فئات الشعب المصري وجمعت المعلومات بكل ذكاء ومهارة ادهشت حتى اعضاء الموساد ولذا فقد رفعت الادارة المباشرة لهما تقريراً الى رئيس الموساد تطلب منه زيادة المخصصات للزوجين وولديهما تقديراً لجهودهما واخلاصهما وولديهما!! رحلة الى الخرطوم اصبح ابراهيم وزوجته في عداد الاثرياء وتضخمت ثروتهما بشكل اصبح ملفتاً للنظر وفجأة وردت على ذهن الجاسوس فكرة اسرّ بها الى زوجته الاكثر خيانة منه فوافقته على الفور وبعد يومين كانا في مطار القاهرة وحدهما ودون علم المخابرات الاسرائيلية وبحقائبهما تذكرتا سفر الى روما. هكذا ودون ان يطلب منهما احد السفر الى ايطاليا وصلا الى روما ذات صباح ومنها اتجها الى السفارة الاسرائيلية فوراً وكأنهما مواطنان من التابعين لهذا الكيان وكانا وهما يتحركان بهذه الثقة والحرية متأكدين من قوة مركزهما لدى الموساد طيلة الفترة التي خدما فيها هذا الجهاز بالمعلومات التي امدا بها اسرائيل خاصة طيلة فترة حرب الاستنزاف التي ارهقت «اسرائيل» وجيشها فعلاً. سألهما ضابط الموساد الكبير: لماذا جئتما وما الامرالملح الذي جعلكما تتحركان من تلقاء نفسيكما هكذا؟ رد الجاسوس الجريء، نخاف على اموالنا، لقد اصبح لدي الآن ثروة تقدر بخمسين الف دولار واخشى ان يشعر بها عبدالناصر ورجاله فيصادرها ويحقق معنا. انتبه ابو جودة لهذه المعلومة المهة وقال له: لديك كل الحق.. اذن يجب ان نفتح لكما حساباً في دولة اخرى فما رأيكما بايطاليا؟ ـ لا يا سيدي.. نحن نريد مساعدتنا في الذهاب الى اسمرة عن طريق الخرطوم لأن كل جيراننا وحتى اولادنا يعرفون اننا ذاهبان الى السودان لزيارة شقيقتي افراح التي تقيم بالخرطوم ومنها الى اسمرة لنفتح حساباً فيها ونودع اموالنا تحسباً لأي طارئ. وفعلاً سافر الجاسوسان الى الخرطوم ومكثا فيها بضعة ايام ومنها الى اسمرة حيث اودعا اموال الخيانة هناك في احد بنوك اريتريا وعادا الى القاهرة ليستكملا مهمة خيانة الوطن. الموساد يتساقط لم يكن موشيه ديان مبالغاً عندما بدأ يشكك في قدرة الموساد تحت قيادة تسفي زامير في القدرة على القيام بواجباته كما ينبغي ورغم ان تجنيد ابراهيم شاهين وزوجته وأداتهما المتفوقة قد عزز مركز الموساد لدى القيادة الاسرائيلية الا ان حادثاً وقع دعم عدم قدرة الموساد على الاداء بتفوق كما هو معتقد وسائد بالنسبة له ونستطيع ان نقول ان هذه العملية هي بداية لسقوط الموساد كجهاز اسطوري في اذهان البعض عندما توجهت مجموعة من عناصره الى بلدة «ليل هامر» الصغيرة بالنرويج لتنفيذ مهمة غاية في الاهمية وهي قتل الفدائي علي حسن سلامة ووصل فريق القتلة المدربين من الموساد الى ليل هامر في يوليو 1973 بناء على معلومات من جواسيس الموساد تؤكد ان الفدائي الفلسطيني علي حسن سلامة موجود بهذه البلدة وكان علي حسن سلامة من الفدائيين الذين دوخوا جهاز الموساد واذلوه واصبح قتله امنية غولدا مائير نفسها قبل ان تكون امنية لموشي ديان ورئيس جهاز الموساد. وصل فريق القتلة الى المبنى الذي حدده الجواسيس واتجهوا فوراً الى الشقة المفترض انها شقة علي حسن سلامة وافرغوا كل رصاصهم في احد الاشخاص الذي تبين فيما بعد انه لم يكن علي حسن سلامة وكانت هذه الفضيحة اكبر من فضيحة عملية التعبئة للحرب الوهمية وشربها الموساد وراح ضحيتها شخص لا علاقة له بأي شيء.. واستطاعت شرطة النرويج القبض على جميع اعضاء الموساد الذين اشتركوا في قتل الرجل الخطأ.. وفي المحكمة تحدث العملاء بكل صراحة امام صحف العالم بأنهم جواسيس وعملاء للموساد مجندون للقضاء على الفدائي الفلسطيني علي حسن سلامة وفي الصباح كانت كل صحف العالم تفضح الموساد وخيبته الكبيرة وجهل اعضائه واجرام وعشوائية طريقة التنفيذ التي وصفتها صحف العالم كلها بالعملية الوحشية. حملات القتل غير المشروع التي قادها الموساد لم تتوقف عند هذا الحد واخطاؤه تزايدت حيث بعد هذه الواقعة بشهر اي في اغسطس 1973 ـ ولاحظوا معي التوقيت قامت مقاتلة اسرائيلية باختراق الاجواء اللبنانية واجبرت طائرة مدنية على تغيير مسارها الاصلي وقادتها للهبوط في احدى القواعد العسكرية الاسرائيلية وطلب الموساد من جميع الركاب النزول الى ارض المطار العسكري وسألهم احد الركاب: عما تبحثون؟ صرخ فيه احد ضباط الموساد: اخرس نحن لا نبحث عنك بل عن الارهابي الكبير جورج حبش، وكان جورج حبش وقتها زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الا انه لم يكن موجوداً على هذه الطائرة وصرخ اعضاء الكنيست في وجه غولدا مائير طالبين التحقيق في هذه الفضيحة وطالبوا بعزل تسفي زامير الا ان تسفي زامير الذي كان حاضراً الجلسة وقف يرد الصراخ بصراخ قائلاً: انها لم تكن اوامره التي جاءت بالطائرة اللبنانية الى «اسرائيل» بل كانت اوامر الجنرال موشيه ديان نفسه. هكذا وقبل اقل من شهرين من حرب اكتوبر المجيدة كان الموساد قد هبط الى ادنى مستوى له وفقدت كل اجهزة الدولة والشعب الصهيوني الثقة فيه وبدت المؤشرات تشير في غير صالح الموساد ولا اسرائيل كلها وتضخم الخلاف بين جهازي المخابرات العسكرية بقيادة اهارون ياريف والموساد بقيادة تسفي زامير. كان موشيه ديان مطمئناً اطمئناناً كاملاً الى ان الحرب بناء على تقرير جهاز مخابراته لن تقوم والدليل على ذلك ان السادات اعلن في عام 1791 ان هذه السنة ستكون سنة الحسم وظلت اسرائيل تترقب على مدار عام كامل ان تشن القوات المصرية عليهم حرباً لتحرير لكن ذلك لم يحدث وبالتالي تأكد أن خطب السادات ما هي الا فرقعات اعلامية بهدف تهدئة الرأي العام المصري والعربي عموماً ولكنه غير قادر على خوض هذه الحرب وكان السادات بعيد النظر في خطبه هذه حيث كان يتلاعب بأجهزة المخابرات الاسرائيلية بكافة انواعها وهو يعلن صراحة ان مصر ستحارب ويحدد موعد الحرب هكذا في خطبه وعلى الهواء مباشرة وهو الامر الغريب الذي فات على «الادارة الاسرائيلية» كلها حيث قال في خطبته في عيد العمال عام 1972، في حربنا القادمة لن يكون هدفي تحرير الارض بل اني سأضع حداً لوقاحة «اسرائيل» واعتدادها بنفسها خلال 23 سنة وكما قلت آنفاً في نيتي ان اضحي بمليون شخص في هذه المعركة! وفي نوفمبر من العام نفسه قال امام الاتحاد الاشتراكي ان مصر لن تدخل الحرب في الاشهر الستة التالية او سنة على ابعد الاحوال وفي ديسمبر ابلغ مجلس الامن القومي المصري ان الجهود الدبلوماسية لحل الازمة قد باءت بالفشل وان الحل الوحيد «لاسترجاع الاراضي السليبة هو الحرب». كانت هذه التصريحات محسوبة ويعرف السادات تماماً ماذا يفعل والنتيجة التي سيصل اليها وهو ما حدث ان الاسرائيليين فعلاً استهتروا بالسادات وبموقفه وعرفوا او تولدت لديهم قناعة بأن كلام السادات كلام للاستهلاك العربي ومجرد عداء في الهواء وزاد استهتارهم به حتى وصل مداه في شهري اغسطس وسبتمبر.. لدرجة ان راديو القاهرة اذاع خبراً في 11 سبتمبر عام 1973 مفاده ان هدف اجتماع الرئيس السادات والعاهل الاردني الملك حسين هو بحث الاستعدادات لحرب مصيرية ضد اسرائيل.. حتى هذا الخبر لم يثر اهتمام اسرائيل. وكانت قمة الخداع التي اتبعها السادات في خطابه في ذكرى وفاة جمال عبدالناصر يوم 28 سبتمبر 1973 اي قبل الحرب بأسبوع لتضليل وخداع المستمعين اليهود الذين كان القلق قد اصابهم نتيجة الحشود العسكرية المصرية والسورية على طول الحدود ولم يقل في الخطاب اي تهديد او اشارة الى حرب او تحرير ولكن ختم خطابه قائلاً «سنحقق مبتغانا ان شاء الله». رسائل واشارات غامضة ظلت التقارير طوال هذه الفترة الممتدة من سبتمبر حتى يوم الحرب تقول ان الحرب قادمة وستقع لا محالة في ذلك ولذا فقد دأب صحفيون عسكريون اسرائيليون على زيارة سيناء ومرتفعات الجولان من تعاظم حجم القوات المسلحة والحشود العسكرية على الجانب المصري والسوري وبعد ان عادوا الى تل ابيب ارسلوا عشرات البرقيات التي تنذر بالخطر ولكن ولشدة ثقة الاسرائيليين بضعف موقف السادات واعتياده على الصراخ فقد اهمل الرقيب العسكري الاسرائيلي هذه البرقيات وفي الوقت نفسه قامت غولدا مائير بالاتصال بتسفي زامير رئيس الموساد وسألته الم يخبره عملاؤه وجواسيسه بمصر هل سيقوم السادات بالحرب ام لا؟ وعقب هذا الامر اتصل زامير بمساعديه لكي ينشطوا ويحددوا ما طلبته منه غولدا مائير. في روما ثانية فوجئ ابراهيم شاهين وزوجته بطلب استدعاء له في روما حيث نقلا من روما الى اللد في نهاية سبتمبر بعد اعطائهما جوازات سفر اسرائيلية ومن اللد الى بئر سبع من جديد وهناك اخبرهم ابو يعقوب بأن امامهما مهمة مهمة جداً وهي معرفة ما اذا كانت الحرب ستقع ام لا وتم تدريبهما على كاميرات شديدة الحساسية تصور في الظلام ودون اعداد او تجهيز وتم رفع راتبه الى 350 دولاراً له ومثلها لزوجته وسلمهما قراراً من المخابرات الاسرائيلية بتقليدهما رتبة مقدم لابراهيم شاهين ورتبة ملازم اول لزوجته وهكذا اصبح الجاسوسان رسمياً ضابطين في الجيش الاسرائيلي وعاد الزوجان الضابطان الاسرائيليات الى مصر بعد ان طلب منهما ابو يعقوب التحرك بسرعة ونشاط اكبر في اوساط المجتمع المصري وخاصة المجتمع العسكري وارسال اكبر قدر ممكن من الرسائل والصور والتقارير واعطاهما اضافة الى ذلك راديو وجرسري حديث التركيب ووصل الزوج وزوجته في 31 سبتمبر الى القاهرة ولكن لم تمض عدة ساعات حيث لم يكد يوم الاول من اكتوبر ينتصف حتى حزمت انشراح او الملازم اول دينا حقائبها وسافرت الى روما دون ان يعلم زوجها وهناك التقت بعدد من ضباط الموساد وقضت معهم اياماً.. بينما بقي زوجها في مصر يمارس مهمته القذرة وولديه. الحرب ستقع في مقر قيادة الجيش الاسرائيلي في صحراء سيناء كان هناك ضابط برتبة ملازم اول مكلفاً بدراسة الموقف المصري ـ الاسرائيلي ودراسة معطيات هذا الموقف وتقييمه نقطة نقطة على اساس رياضي، وكان يأخذ في الاعتبار جميع العوامل التي قد تدل على تجدد صراع شامل مع «اسرائيل» وينقل يومياً المعلومات على ضوء المعطيات التي تتوفر امامه وفي بداية شهر اكتوبر انتفض عن مقعده صارخاً: ستنشب الحرب قريباً اني واثق من ذلك ومستعد لاثباته. الا ان رؤساءه لم يهتموا بكلامه.. في الوقت الذي عقد فيه في القاهرة مؤتمر صحفي للمراسلين الاجانب بالقاهرة حيث تم تسريب اخبار لهؤلاء الصحفيين المراسلين ان الجيش المصري عاجز عن القتال وكان هذا الكلام يصدر في ذلك الوقت من شخصية مهمة وموثوق منها ولذا ففي اليوم التالي خرجت معظم صحف العالم تقول ان جنود السادات الصغار ليسوا قادرين على استعمال الاسلحة السوفييتية المعقدة او حتى التحكم فيها.. ورغم ذلك فإن الوحيد الذي لم يكن مطمئناً هو تسفي زامير رئيس الموساد الذي وصلته من عملائه اخبار تشير الى ان الحرب على الجبهتين المصرية والسورية مؤكدة لكن كل العملاء المنتشرين في اوروبا والشرق الاوسط لم يستطيعوا ان يحددوا متى ستقع هذه الحرب او متى سيضرب المصريون والسوريون ضربتهم وكانت معظم هذه التقارير تقول ان الحرب ربما بعد شهر واخرى تقول ربما بعد اسبوعين. احتار تسفي زامير.. هل يبلغ قياداته وتتم تعبئة الجيش وتكون الفضيحة ام يسكت ويراقب حتى يتأكد بنفسه. ورغم استمرار تدفق تقارير العملاء الى قيادة الموساد طلب العسكريون من الصحفيين عدم اثارة قلق الشعب اليهودي وظل الصحفيون ملتزمين بما طلبه منهم العسكريون ولكن القلق كان قد بدأ يتزايد وتأكد القلق حينما ارسلت وكالة المخابرات المركزية الاميركية تحذيراً للموساد يقول «نعتقد ان العرب على وشك مهاجمتكم».. والغريب ان ديان قال لحظة تلقيه هذا التحذير ولكني اعتقد انهم لن يحاربونا.. وعند هذا الحد سافر تسفي زامير في الثالث من اكتوبر الى روما ومنها الى بقية دول اوروبا ليبحث تطورات الموقف بنفسه. كانت انشراح او الملازم الاسرائيلي دينا عمر» لاتزال في هذا الوقت في روما مستمتعة بأموال الخيانة بعيدا عن زوجها الذي كان يعلم تماماً ما تفعل، ولكن لا بأس طالما ان الاموال تتدفق عليه واصبح له رصيد ثم ماذا يهمه بعد ان خان الوطن نفسه وخان تراثه وتاريخه وارضه وامه واجداده جميعاً وخان قبل ذلك كله نفسه هل مهم عند جاسوس بكل هذه الحقارة ان يترك زوجته مع اعداء امته وقاتلي اطفالها ونسائها.. المهم في كل ما يحدث هو ما يصله من اموال.. وما يحصل عليه من شيكات. وعندما دخل ضابط مخابرات اسرائيلي غرفة انشراح في فندقها في روما سألها.. ألم تسمعي أي شيء عن احتمال وقوع حرب بيننا وبين المصريين؟ ـ اطلاقاً.. هل هناك جديد. ـ هناك قلق في المنطقة وانباء عن حشود عسكرية. ـ هل تريدني ان اعود لمصر؟ ـ ما الفائدة.. فابراهيم هناك والنتائج كما هي فهو ايضاً لا يعلم. وصل تسفي زامير الى روما.. التقى بكل العملاء ومن ضمنهم انشراح وحاول الوصول الى اية معلومة تفيده في رومان لكنه لم يصل الى شيء فانتقل الى عاصمة اخرى وثالثة واجرى من هذه العواصم اتصالات بضباطه في كل منطقة الشرق الاوسط حتى وصلت التعليمات الى ابراهيم ان يتحرك بسرعة ويصف الحالة على الجبهة المصرية وفي اليوم التالي ارسل ابراهيم يقول لهم ان التحركات العسكرية لاتزال مستمرة من قبل الجيش المصري في القطاع الاوسط من قناة السويس. وتطابقت هذه المعلومة مع ما عند تسفي زامير من معلومات لذا فقد ارسل صباح يوم 6 اكتوبر رسالة عاجلة قلقة الى غولدا مائير يقول فيها.. ان الحرب ستقع اليوم..! نظرت مائير الى الرسالة.. وصرخت اذن باغتنا المصريون كيف يحدث هذا؟ اين الموساد واين امان اين ديان؟ امسكت غولدا مائير بهاتفها واتصلت بوزير الحرب الاسرائيلي موشيه ديان وقالت له في حدة اين انت والمصريون يستعدون اليوم للحرب؟ ـ اليوم هو السبت يا سيدتي.. يومنا المقدس وهو يوم اجازة للجيمع. ـ ولكنه ليس اجازة للعرب. ـ سيدتي، لا تعتمدي على تقارير زامير انه رجل واهم هل تعلمين انه تلقى رسالة منذ ثلاثة يام من اهم عملائه وكان ذلك الثانية والنصف صباحاً تقول له «تسنون» وهي تعني الفجل في لغتنا وفي الشفرة التي تستخدمها الموساد تعني ان الحرب على وشك الوقوع ومع ذلك لم يخبرك ولم يخبرني لأنه ليس متأكداً من عملائه. ـ وماذا عن عملائك انت؟ ـ لا تنزعجي يا سيدتي.. اطمئني لا حرب مع السادات او الاسد انهما لا يملكان المقدرة عليها. ـ لم ييأس زامير وظل يحاول التأكد وقطع زائيرا مدير جهاز المخابرات آمان الطريق عليه عندما اتصل به وقال له: زامير لدي معلومات من مصدر رفيع المستوى!! ان الحرب وشيكة الوقوع. ـ هذه المعلومة وصلتني ايضاً لكن بدون وقت محدد او تاريخ قام زائيرا بابلاغ ديان بأن الحرب فعلاً على وشك الوقوع طبقاً للمصدر رفيع المستوى الذي ابلغهم ان المصريين والسوريين ينوون الهجوم بعد مغرب 6 اكتوبر على اسرائيل.. صرخ ديان ولكن هذا المصدر رفيع الشأن صديقك واعطانا ولعدة مرات تواريخ لاندلاع الحرب ولكنها جميعاً كانت خاطئة ومن الممكن ان المصريين لم يبدأوا الحرب وقتها لأننا وضعنا قواتنا في حالة تأهب في تلك الايام ومن الممكن ان يكون هذا الصديق مشاركاً العرب في عملية التضليل ولكنه لأول مرة يقول ان الحرب اليوم. حتى يومنا هذا لايزال اسم هذا الصديق او العميل المخلص لاسرائيل، سراً حتى اليوم ولكن ترى من يكون هذا الرجل الذي يمكن ان يعرف من السادات او حافظ الاسد او الملك فيصل ملك السعودية الراحل وثلاثتهم فقط الذين كانوا يعرفون بالموعد الحقيقي وتاريخ اندلاع الحرب لا شك انه سؤال مهم والمفزع هو اجابته بكل تأكيد.