الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 تبدو وثيقة «استراتيجية الامن القومي» شأن العديد من التقارير الحكومية الاميركية شيئاً يحمل بصمات العديد من الايدي، المفاهيم الاساسية فيها كلها اخلاقية، لكن فيما بينها تظهر بصمات رايس القديمة، وهناك جزء من الوثيقة مخصص للعلاقات الاميركية مع روسيا والصين والهند ينظر اليها باعتبارها لاعبة رئيسية في خطة قوة عظمى، فيما يركز جزء آخر الانتباه على اهمية احد البرامج المفضلة لرايس وهو تقرير تحديات الالفية الجديدة الذي تزيد بموجبه المساعدات الاميركية الخارجية لكنه يشترط معايير سلوكية محددة على الحكومات التي تحصل عليها. نجد رايس دائما منجذبة لوسائل محافظة في سبيل تحقيق اهداف ليبرالية، بل ان هناك جملة تنغرس عميقا في نص الوثيقة تمتدح فكرة خلافية «من وجهة نظر المحافظين» مفادها ان الانبعاثات الغازية للآليات تسبب التسخن الارضي، ومع ذلك فإن المفاهيم الاساسية تظل هي الاهم ـ وهي اكثر من مجرد شعارات، وعلى المدى القصير تحدد هذه المفاهيم نهجاً واضحاً ودراميا للعمل: حرب ضد العراق. في مقالة «فورين افيرز» وصفت رايس الاطاحة بالرئيس العراقي بأنه نوع من الواجب لكنها تخيلت ان تنظيم معارضة داخلية للرئيس العراقي هو اقصى ما تستطيع اميركا فعله لتحقيق هذا الهدف. اما على المدى الطويل فإن ما تقترحه هذه المفاهيم طيب، الصحيح انها ليست محددة فيما تقترحه، تقول ان الولايات المتحدة يجب ان تروج للديمقراطية، لكن في اي الدول؟ وكيف؟ كما انها ستصنف بعض الدول في خانة الدول المارقة، لكن اي دول؟ وما هي عواقب ذلك؟ كما انها تريد شن حروب وقائية، لكن متى وأين؟ ان ما يوحي به هذه الضبابية هو انه بعد غزو العراق فإن اشكال الجدل المألوف حول السياسة الخارجية في صفوف الادارة بخصوص الدول الاخرى مقدر لها الاستئناف. بعد ايام من اصدار وثيقة استراتيجية الامن القومي، مضيت الى مكتب رايس لاجراء آخر مقابلة معها، طلبت منها ان تقدم لي جولة من التعريفات والتطبيقات لهذه الافكار المطروحة من ديمقراطية ودول مارقة وحروب وقائية. قالت ان الدول المارقة هي تلك التي تدعم الارهاب، ولا تكترث بالمعاهدات الدولية التي وقعت عليها والتي ليست ديمقراطية. غير انها لم تذكر لي فئة رابعة مدرجة ضمن وثيقة الامن القومي تبدو وكأنها جملة على الاغلب من اسهامات الرئيس بوش نفسه، وهي الدول التي ترفض القيم الانسانية الاساسية والتي تكره الولايات المتحدة وكل ما تمثله، تقول رايس: ليست كل دولة مارقة هي عرضة لاستخدام القوة العسكرية في التعامل معها. تقدير ذلك يعتمد على الظروف. سألتها كم دولة مارقة توجد الآن في العالم؟ اعتقد ان من الافضل ألا نذكرها بالاسم، فالدول يمكن ان تغير سلوكها، كما اعتقد، وبالتالي يمكن ان نرفع اسمها من هذه القائمة. لكن دعني اقول ان هناك العديد منها، انها اكثر من ثلاث دول هي التي تشكل محور الشر لكنها لا تعد بالعشرات ايضا، الدولة لا تصبح مارقة لمجرد انها تختلف مع الولايات المتحدة في سياساتها، لكن هل يمكن ان تكون هناك دولة تنطبق عليها المعايير الاميركية للدولة المارقة، غير ان الولايات المتحدة لن تحاول تغيير وصفها كونها لا تمثل تهديداً لها؟ الجواب: «لا اعتقد ان هناك مكاناً لن نحاول ان نفعل فيه شيئاً، فهناك مجموعة واسعة من الخيارات للتعامل. لا اعتقد اننا سنرغب ابداً في التخلي عن اناس بائسين ومحرومين يعيشون في ديكتاتورية ما وتركهم لمصيرهم. تطرقنا الى موضوع الديمقراطية والمدى الذي ستمضي له الولايات المتحدة في الترويج لها، قالت رايس: معروف ان لنا علاقات مع دول ليست ديمقراطية كما ان لنا صداقات وتحالفات قديمة مع دول غير ديمقراطية، لكننا اوضحنا بقوة هنا في اميركا ان المدى المستقبلي والطريق للحداثة هو عبر الديمقراطية ـ وهذا لا يعني اختيار نظام محدد بعينه للحكم، بل يعني الالتزام بمباديء اساسية معينة تضع شكل العلاقة بين البشر وحكومتهم. ان سماع رايس وهي تتحدث عن هذه المباديء الرئيسية الارشادية الجديدة للسياسة الخارجية الاميركية امر مقنع عاطفياً بسبب قوة شخصيتها، اكثر من ما هو مقنع فكرياً، اذ تبدو وهي تتحدث استاذة في الجدل حصلت على موضوع للجدال يصعب تحديه «بسبب عدم قابليته للتعريف» وربما موضوع لم يطرح من قبلها هي. سألتها عما اذا كان العراق قد تجاوز عتبة اللاعودة بالنسبة للحرب الوقائية، فقالت «النظام العراقي نظام وحشي طيب، صحيح ان هناك انظمة عديدة مثله، هو نظام وحش ـ عدواني ـ غزا جيرانه في منطقة من العالم للولايات المتحدة فيها مصالح حيوية وحلفاء على جانب كبير من الاهمية ليس هناك الكثير ممن ينطبق عليهم هذا الوصف، لقد دبر اعمالاً ارهابية ضد اصدقاء سقطت لنا فيها ايضا ارواح اميركية مثل دفع المال لمنفذي العمليات الانتحارية، كتلك العمليات التي نفذت في الجامعة العبرية وقتلت 5 اميركيين، كما حاول العراق اغتيال رئيس اميركي، ليس هناك كثيرون في هذه الخانة، كما استخدم الرئيس العراقي اسلحة دمار شامل ـ لا احد ابداً غيره يندرج في هذه الخانة، وهو يواصل محاولة امتلاكها بسرعة لا تصدق. لقد جربنا معه الاحتواء، غير ان الاحتواء فشل معه، كما هو واضح. وهل هو تبرير مهم للغزو ان نربط بين العراق وتنظيم القاعدة؟ تقول رايس ان الارتباط بالقاعدة والارهاب مبرر مهم للغزو وهو مهم من وجهين قبل كل شيء، لقد تعرضنا لهجوم 11 سبتمبر، وهو ما يذكرنا بأهمية ان لا نسمح للتهديدات ان تتضافر مع بعضها، ثانيا ان النظام العراقي والقاعدة كانا يدوران حول بعضهما كثيرا، اقصد انه كانت بينهما اتصالات لفترة طويلة، وهناك عناصر خطرة من القاعدة وجدت ملاذاً لها في العراق، ولا اعني هنا الجزء من العراق غير الخاضع لسيطرة الحكومة العراقية، وقد حصلنا من المحتجزين او من محتجز واحد بعينه على دليل على تدريب الحكومة العراقية لعملاء القاعدة على استخدام الاسلحة الكيماوية. سألتها عن السبب الذي يجعل هذه اللحظة هي وقت التحرك العسكري تقول: يقول الناس: طيب ربما لايزال العراق بحاجة الى خمس سنوات للحصول على سلاح نووي، لكن كدراسة لهذا الاختصاص، اعرف ان التقديرات الاستخبارية تميل غالباً للتقليل من الامكانيات الحقيقية المتوفرة، ونادراً ما تفرط المخابرات في تقدير الامكانيات، فيما يتعلق بالجدول الزمني، كنا نفترض ان الاتحاد السوفييتي قد صنع قنبلة ذرية عام 1955، لكن تبين لاحقا انه فعل ذلك عام 1949. وفي عام 1991 كنا نعتقد ان العراق لايزال بعيداً عن امتلاك المقدرة على تخصيب اليورانيوم وانتاج قنابل نووية، اي ان التقديرات الامنية دائماً ما تكون مقصرة في تقديراتها وهذا يعني اننا اذا كنا مخطئين وان العراق لايزال بحاجة الى سنوات لامتلاك قنبلة نووية، عندها ربما يمكن القول ان الحرب الوقائية مبكرة، لكن اذا كان اولئك الذين يقولون ان العراق بحاجة الى خمس سنوات حتى يفعل ذلك مخطئين، حينها سنكون متأخرين جدا، وفي مثل هذه الحالة من الافضل ان نكون مبكرين من ان نكون متأخرين، كذلك لا يفترض بنا ان ننتظر حتى يصبح قريباً جداً من تحقيق هدفه لنبدأ بالتحرك ضد هذا التهديد. دائما ما تفسر رايس تبنيها للاخلاقية السياسية بالقول ان 11 سبتمبر قد غير الطريقة التي يفكر بها الجميع بالشئون العالمية، انها متشددة جداً لكنها هادئة جداً اكثر مما يجعل هذا التفسير مقبولاً تماماً احدى صديقات رايس في تسانفورد وحضرت حفل غداء معها في واشنطن قبل بضعة شهور قالت لي انها سألت رايس عما اذا كانت قد اصبحت تعاني من اضطرابات في النوم، بعد 11 سبتمبر، أما جواب رايس فكان بعد الليلة الاولى نعم لكن عقب هذه الليلة وضعت خطة، واصبحت انام نوماً عميقا مثل الاطفال، غير انه من الصحيح ايضا ان صراعاً كان يدور بين الاخلاقيين والواقعيين داخل الحزب الجمهوري منذ جيل بكامله ـ تحدي رونالد ريغان لجيرالد فورد اثناء محاولة الاخير كسب الترشيح الحزبي الرسمي له للرئاسة عام 1976 كان نابعاً من الخلاف حول بند انتخابي بعنوان «الاخلاقية في السياسة الخارجية» ودائما ما كانت للاخلاقيين اليد الاعلى في هذا الصراع وكل جمهوري بارز لم يفعل ذلك إلا بعد ان اصبح اخلاقياً بشكل اكبر حتى كيسنجر فهذا هو شرط البقاء داخل اللعبة، وفي هذه الادارة الراهنة تحديداً اصبح الاخلاقيون منتصرين على طول الخط. غير ان اكثر قوى الدفع وضوحاً نحو مزيد من الاخلاقية هو التباين بين بوش الاب وبوش الابن، فبوش الاب كان نتاجاً لمفاهيم مثل السيطرة على التسلح والانفراج في العلاقات الدولية والمنظمات الدولية وتوازن القوى. اما مواقف بوش الابن في السياسة الخارجية خلال حملته الانتخابية عام 2000 فيكمن وصفها بأنها كانت تزاوجا بين المواقف المحددة التي كانت للأب «لم تكن لحاكم تكساس تجربة في السياسة الخارجية، كما كان محاطاً بالمستشارين السابقين لوالده» وبين مزاج الابن لكن حينما اصبح بوش الابن في البيت الابيض، واصبح عليه ان يتخذ قراراته بشأن السياسة الخارجية، اخذ ينجذب باستمرار نحو الاخلاقية والطموحات العظيمة ونحو منظور بسيط وواسع لرؤية العالم. سألت رايس عدة مرات عن الطريقة التي يفكر بها رئيسها وفيما يلي بعض مما قالته: ـ انه يعتمد جداً على الحدس والبصيرة، ينطلق في اعماله من هيكل رئيس، ثم نبدأ بإكساء هذا الهيكل بالتفاصيل غير ان الحدس الذي يتصف به وجدته مريحاً جداً. ـ انه شخص يتسم بطرقه لجوهر الموضوع بفعالية عالية. هو يكره مني اكثر من اي شيء آخر ان اقول له: هذا امر معقد. ـ اعرف ان اول ما سيفعله الرئيس هو ان يسأل عما هو الاجراء المبدئي لفعله او الاجراء الحق الذي يتعين القيام به. في هذا الموضوع بالذات، اكثر من اي موضوع آخر تطرقنا له، كانت رايس شديدة الحذر في كلامها، لكن المثير هو اننا اذا حاولنا استخدام هذه العبارات والتي تعرضت بها الرئيس لوصف بوش الاب او سكوكروفت او شولتز فإنها لن تكون مناسبة في تأكيدها على الحدس في مقابل الفكر، والصح والخطأ في مقابل الاعتبارات الاستراتيجية والبساطة في مقابل التفاصيل، فإن رايس تكون حقا كمن يوصل شيئاً للمستمع حول الرئيس. رايس ـ التي لم تتزوج ابداً وليس لها اخوة وفقدت والدها قبل اسابيع من تسلم منصبها ـ اصبح بوش ووظيفتها يحتلان جزءاً كبيراً في حياتها حتى بمعايير موظفي الصف الاول في البيت الابيض، ومع ان لها مجموعة ضيقة من الاصدقاء القدامى والاقارب، إلا ان معظمهم يعيشون بعيداً في الجنوب او في كاليفورنيا، كما انها لم تنخرط في الوسط الاجتماعي للعاصمة واشنطن، اما منزلها فهو شقة خفيفة الاثاث في احد المباني السكنية في وترغيت وحتى رفقتها خارج ساعات العمل فتتمثل اساساً بجورج ولورا بوش. والعادة ان يأتي مستشارو الامن القومي من مشارب مختلفة، ورايس بسبب خلفيتها الاكاديمية، تبدو اقرب الى خانة اساتذة الاستراتيجيات على شاكلة كسينجر وبريزنسفكي، كما تبدو في الصورة الكاريكاتيرية لها على الاقل، كمن يلقي تعويذة سحرية على ذهن الرئيس. ومع ذلك فإن رايس ليست استاذة استراتيجيا، مثل معظم من سبقها الى هذا المنصب الذين لم يكونوا اساتذة استراتيجيا. فعدة من هؤلاء ـ سكوكروفت وكولن باول وجون بوانديكستر، كانوا ضباطا عسكريين. اما انطوني ليك مستشار كلينتون الاول فكان ضابطا ملحقا بسلك الخارجية ومستشاره الثاني صامويل بيرغر كان محاميا. وربما كانت رايس، لخلفيتها، اكثر هؤلاء، شبها بماك جورج بوندي، مستشار كينيدي، وهو الاول الذي لم يكن مستشارا غير مرئي لشئون الامن القومي: كان الاعجوبة الشاب والفتى المدلل لمختلف رموز المؤسسة الحاكمة وفي اوساط العلاقات الدولية كما اتى الى البيت الابيض من وظيفة في جامعة هارفرد مماثلة لوظيفة رايس في جامعة ستانفورد، واحتل هذا المنصب في عمر مبكر ايضا مثل رايس. وأكثر ما يميز رايس عمن سبقوها هو وضوح دورها وموهبتها في تسويق برنامج السياسة الخارجية لادارتها وقربها من الرئيس. وبدلا من ان يقتصر دورها على توجيه تحركاته عبر العالم الخارجي غير المألوف له، يبدو ان هناك شيئا ما اكثر تعقيدا واثارة للاهتمام يحدث: الرئيس يؤثر عليها فعليا، فيما تبدو وهي وكأنها تقدم له خدمة مهمة جدا تتمثل في تحويل عناصره قاصرة ومقتضبة الى سياسة محددة متطورة. فحينما تسمع رايس وهي تتحدث، فإن حديثها هو ما كان بوش يبدو انه سيقوله لو كانت له بلاغة رايس. على الرغم من ان بوش ورايس لا يبدوان ثنائيا محتملا، فإن الارضية المشتركة بينهما تتضمن المذهب الديني وحب كرة القدم والحس الساخر، وبشكل عام، يجمعهما احساس من يرى نفسه خارج المؤسسة لكنه من داخلها الى جانب الميل لرؤية الحياة من منظور الاسود والابيض. وبكلام اكثر عمومية، يجمع الاثنين الغياب المطلق للشك في الذات. فالرئيس بوش ولد في ظروف لا تجعل من شيء ايا كان مستحيلا من الناحية العملية، فيما ولدت رايس في ظروف تضافر فيها الايمان، مهما كانت الادلة التي تثبت العكس، بأن لا شيء كان مستحيلا قد توجب ان يبدو كأفضل انتقام، تضافر مع معادلة الحذر والضعف ليكون قناعة مشتركة. وهكذا يبدو بوش ورايس كمن يعززان بعضهما بدلا من ان يتحديا بعضهما. تمتلك رايس النسخة الاولى من رواية «الحرب والسلام» وقد قرأتها مرتين، بالروسية. سألتها عن رأيها في نظرة مؤلفها ليو تولستوي للتاريخ باعتباره قوة لا يمكن السيطرة عليها وللمسئولين الكبار باعتبارهم اناساً يضللون انفسهم، قالت: «استوقفتني الفكرة واستمتعت بالكتاب. علينا ان ندرك ان ذلك ايضا انجاز يستحق التقدير، في الحقيقة قرأت الحرب والسلام بالروسية. ان الجانب الادبي الفني مني هو الذي احب الحرب والسلام اكثر مما فعله الجانب التاريخي السياسي. انها رواية جميلة جدا. لكن لا اعتقد ان تولستوي كان محللا سياسيا بارعاً على نحو خاص. انها تحديد التقاليد الروسية في القرن التاسع عشر، هذه السخرية في الحكومة ورموزها... هذا ما لا يجعلني اربط الرواية بمعايير السياسة المعاصرة». تدور احدى القصص التي ترويها رايس غالبا، والتي روتها امام مؤتمر الحزب الجمهوري الاخير، حول جدها لابيها «كان ابنا لفلاح فقير في ريف الاباما، الا انه كان يدرك اهمية التعليم. قرابة العام 1918، قرر ان الوقت قد حان ليبدأ تعليمه من الكتب، لهذا اخذ يسأل بلغة تلك الايام، اين يمكن لرجل ملون ان ينتسب لكلية. دله البعض الى كلية ستلمان وهي مدرسة تبعد عن بلدته حوالي 50 ميلا. وهكذا وفر جدي ما لديه من قطن لدفع رسوم الكلية ومضى الى توسكالوسا. لكن بعد عام نفد محصوله واحتاج لوسيلة ما يؤمن بها رسوم الدراسة. والحمد لله، فقد هداه لطريقة. سأل جدي من حوله كيف يدفع الفتية الآخرين رسومهم الدراسية. قالوا له انهم يحصلون على ما يسمى منحة دراسية، واذا ما انتسبت الى السلك الكهنوتي المشيخاني وتتعلم في الكليات حتى الآن. انها ليست حكاية جدي فحسب، بل هي قصة اميركية». على السطح، تبدو وكأنها تتحدث عن اهمية اغتنام الفرصة حالما تسنح للمرء، لكن بقدر قليل من العمق في النظرة سنرى انها تكشف عن اعتزاز عائلة رايس بتغيير اي شيء مهما كان جوهريا، حتى لو كان المذهب الديني، اذا ما كان هذا التغيير يقدم فرصة تحسين المرء لوضعه. ونظرة رايس للسياسة الخارجية تتسق مع هذا المعيار فغرائز بوش السياسية هي اخلاقية بشكل وراثي، لكن اذا ما طفت هذه الغرائز على سطح السياسة الخارجية فإنها ستكون اشبه بنائب الرئيس ديك تشيني الذي كان أخلاقيا سلفا، من رايس التي لم تكن، غير ان الاخلاقية الى جانب كونها السياسة المفضلة الناشئة للرئيس، فهي تناسب جيدا ايضا نظرة رايس التوسعية للاحتمالات الحياتية. فهي توفر تفويضا اوسع بكثير لاعادة رسم صورة العالم مما توفره عقيدة توازن القوى القديمة. انه موقف عنيد جدا اصبحت رايس وبوش معتنقين تماما له الآن. في الصيف الماضي، حينما مضينا الى ستانفورد لاقابل الناس الذين عرفوا رايس، كان المكان يضج بأصداء اشاعة تقول ان تشيني سيتقاعد عام 2004 وأن بوش سيعين رايس في مكانه. قال جيرهارد كاسبر: «أعتقد ان الامر محتمل» اما بلاكر فتقول: «انها بارعة جدا. بوش الاب سيتحدث الى ابنه ويقول له ان هذه هي فرصته ليأخذ قرارا تاريخيا» وبطبيعة الحال اذا ما انتخب رايس نائبة للرئيس مع بوش عام 2004، فستصبح مرشحة اتوماتيكية للحصول على تسمية الجمهوريين لها مرشحتهم الرئاسية الرسمية عام 2008. في نهاية يوليو الماضي نقلت مقالة على الصفحة الاولى لصحيفة «يو اس ايه توداي» اقوالا لمسئولين في الادارة الاميركية وخبراء من خارجها تتضمن ملاحظات تنافسية واستبعادية حول رايس وموظفي مجلس الامن القومي. ثم في اغسطس الماضي قال تشيني في ظهور علني له في مكان يعتبر ملعب رايس وهو نادي الكومنولت في سان فرنسسكو حيث مديرته غلوريا وافي صديقة قديمة لرايس ـ قال: «اذا ما اراد الرئيس واذا ما وافقت زوجتي ولم يمنعني الاطباء، فسأكون سعيدا في امضاء اربع سنوات اخرى نائبا للرئيس» يحس المرء من هذا ان رايس بخلاف سابقيها من مستشاري الامن القومي الذين كانوا ينافسون علنا في المرحلة التالية على منصب وزير الخارجية، تواجه منافسة داخلية اقل علنية على موقع اكبر. وحينما سألتها عن احتمال ان تصبح نائبة للرئيس، وضعت حدا للموضوع بكل حزم وبدون تردد: «لدينا واحد» وفي غضون ذلك، ليس هناك جدل اكيد بين بوش وتشيني ورايس حول رغبة اميركا في ان تتخذ لها اقوى دور في العالم وأكثره طموحا بقدر ما يمكن. في احد لقاءاتي مع رايس سألتها عما اذا كان هناك مفكر مختص بالسياسة الخارجية الاميركية قد اعجبت به على نحو خاص خلال دراستها العلاقات الدولية، قالت انها معجبة جدا بهانز مورغنتو. ففي عام 1951 نشر مورغانتو كتيبا بعنوان: «دفاعا عن المصلحة القومية: دراسة نقدية للسياسة الخارجية الاميركية» في ذلك الكتاب قدم المؤلف دحضا غير عاطفي ضد الاخلاقية في السياسة الخارجية ـ وهو ما قد يبدو تناقضا لانسان معاصر. فقد كان موغنتو يكتب في وقت يمكن فيه الاستنتاج ان الاخلاقية ادت لمذبحة عظمى للبشرية: النازيون كانوا اخلاقيين في سياستهم، وكذلك كان الاوروبيون والاميركيون في ايمانهم بالسلام ونزع التسلح وفشلوا في الوقوف بوجه النازية،. ويعطي مورغنتو الانطباع عن نفسه بأنه رجل يعمل بجد كبير لتحويل خوفه وغضبه الى نظام فكري حول الاستخدام الامثل للقوة، والذي يرفض قطعا الخضوع للاستجابة العاطفية المعيارية للشمولية وللحرب، لانهما لن تحلا المشكلة. واتساق هذا مع رايس واضح تماما. مورغنتو ينهي كتابه بشبه قصيدة غريبة عنوانها انس وتذكر، وأجزاء منها مازال قابلة للتطبيق تماما بعد 50 عاما جاء فيها: « انس» الفكرة العاطفية القائلة ان السياسة الخارجية صراع بين الفضيلة والرذيلة، محتوم بانتصار الفضيلة! «انس» الفكرة الطوباوية بأن عالما شجاعا جديدا بدون سياسة القوة سيظهر بعد استسلام الدول الشريرة. « انس» الفكرة الصليبية بأن اي دولة مهما كانت خيرة وقوية تستطيع ان تقوم بمهمة رسم العالم حسب صورتها. «تذكر» ان الدبلوماسية بدون قوة خرافة وأن القوة بدون دبلوماسية هدامة وعمياء. «تذكر» انه لا قوة بدون حدود لاي دولة ولهذا يجب على سياستها ان تحترم قوة ومصالح الآخرين. انهيت حواري الاخير مع رايس بسؤالها عما ترى انه الدور الامثل للحذر في عمل السياسيين. الجواب الذي اعطتني اياه بهدوئها وحتميتها المطلقين، كان اشارة الى المدى الذي خلفت اليه وراءها ايام مورغنتو كممارسة للقوة «من المهم للسياسي دوما ان يكون مدركا للجوانب السلبية لأي عمل، وأن يحاول التخفيف من اي سلبيات تظهر له في عمله هذا. كل انسان يدرك ان هناك دوما عواقب غير متوقعة. لكني اعتقد اننا لو نظرنا جيدا في التاريخ، لاستطعنا ان نجادل بقوة ان الاحجام عن العمل او التأخر جدا به، كان لهما دوما العواقب الاسوأ على السياسة الدولية ـ وليس العكس، كلنا نعيش اليوم في ظلال الحرب العالمية الثانية وكلنا نعيش مع حقيقة ان الديمقراطيات الكبيرة لم تكن قادرة على بناء الارادة للتحرك، حتى بعد ان اصبحت الحقيقة واضحة لمن يريد ان يرى بأن ادولف هتلر لم يعد بالامكان وقفه الا بالقوة». عن «نيويوركر»