الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 في 28 سبتمبر 1970 كانت كل أجهزة الاعلام في العالم تنقل خبر وفاة الزعيم جمال عبدالناصر.. ولم يكن موشي ديان وزير الحرب الاسرائيلي قد سمع بالخبر لحظة أن أذاعه أنور السادات نائب الرئيس جمال عبدالناصر، لذا فوجيء الجنرال الأعور، كما كان يطلق عليه مساعدوه، بضابط صغير يطرق عليه باب الحمام، حيث كان بالداخل. صرخ ديان من داخل الحمام.. من الغبي الذي يريد أن يكسر باب الحمام عليّ هكذا؟ ـ سيدي.. جمال عبدالناصر مات. وأطلق ديان تنهيدة حارة وبصوت متعب قال.. الآن استرحنا.. من عبدالناصر ومن حرب الاستنزاف التي استنزفتنا فعلاً.. وخرج من الحمام ليجد جولدا مائير تطلبه.. هل سمعت ياديان؟ ـ قولي لقد استرحت يا ديان.. ولكن تريدين الحقيقة يا سيدتي.. لقد خسرنا عدواً قوياً ولم يعد هناك من نستطيع أن نقول ان لديه القدرة على مواجهتنا كما كان يفعل هذا الرجل.. لذا يمكنني أن أقول انه لا حرب بعد اليوم.لم يكن كلام موشى ديان عن عدم قيام العرب بحرب جديدة بعد هزيمة 1967 أمراً جديداً أو يجهله الساسة الصهاينة، فقد كان الجميع لديهم مثل هذه القناعة، بل ان هذه القناعة تولدت لدى اليهود عموماً عندما ورد في تقييم صدر عن مخابرات الجيش الاسرائيلي بعد فترة من حرب يونيو 1967 يقول ان الجيوش العربية بحاجة الى فترة تتراوح ما بين سنة إلى سنة ونصف السنة لكي تلتقط أنفاسها وتلملم خسائرها، ولكن ما حدث انه مع بداية عام 1968 كان الجيش المصري قد استعاد بعض قواه وأعيد تنظيمه وبدأ في حرب استنزاف خاضتها مصر على الضفة الشرقية لقناة السويس، كما بدأت المخابرات العسكرية في إنشاء شبكة من محطات المراقبة والاتصالات على طول خط وقف إطلاق النار. وفي سوريا نصبت محطات المراقبة على جبل الشيخ من أقصى شمال مرتفعات الجولان المطلة على دمشق، كما انتشرت أجهزة الرصد على طول نهر الأردن وقناة السويس ونشط الفدائيون الفلسطينيون في ضرب المواقع والمعسكرات الاسرائيلية في الوقت نفسه عبر نهر الأردن، وتميزت السنوات الثلاث التي أعقبت حرب 19867 باستمرار التراشق المدفعي وغارات وهجمات للفدائيين المصريين والفلسطينيين والسوريين، كما لم تقف «اسرائيل» أمام هذا الهجوم صامتة، حيث بدأت هجوماً متقطعاً على المواقع الأمامية وبعض المناطق الاستراتيجية المقامة على نهر النيل، كالجسور والمصانع في نجع حمادي، وكذلك الأبراج الكهربائية. وفي يوليو 1969 بدأ الطيران الاسرائيلي غاراته على طول قناة السويس بعد أن عجزت القوات الاسرائيلية المدرعة والمشاة عن مجاراة قوة النيران المصرية الهائلة التي فتحها الجيش المصري على قوات الاحتلال على طول القناة وطوال هذه الفترة كانت كافة الأجهزة الاعلامية العالمية وكذلك المراقبون والمحللون السياسيون يرون ان الموساد استطاع أن يلعب أخطر دور في تحقيق نصر 1967 على العرب، وكان الموساد في هذا الوقت يعتمد اعتماداً كبيراً على عدد من الجواسيس الذين تم تجنيدهم بعد هزيمة 1967 واحتلال منطقة سيناء، كما كانت مصر تعتمد اعتماداً كبيراً على عدد من الجواسيس الذين تم زرعهم في داخل الأراضي المحتلة، وكان أبرزهم والذي كشف عنه النقاب بصورة صريحة رفعت الجمال الذي اشتهر فيما بعد باسم رأفت الهجان، وبرغم قناعة القادة الاسرائيليين من ان العرب لن يحاربوا قبل زمن طويل جداً وربما لن يحاربوا «اسرائيل» ثانية، وبذلك كانوا في حالة رضا تام عما وصل اليه الحال ووطنت اسرائيل نفسها على أن الأمر سيظل على ما هو عليه، ربما إلى الأبد، ولكن في حقيقة الأمر ان العرب في مصر وسوريا كانوا يعتبرون ان احتلال مرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء من قبل «اسرائيل» إهانة لا تغتفر وخاصة في وجود رجل عنيد مثل جمال عبدالناصر، ولذا لم يكن موشيه ديان مبالغاً عندما قال لجولدا مائير انه لا حرب بعد موت جمال عبدالناصر، فكل المؤشرات تعمل لصالحه. في الحقيقة فإن الموساد رغم الدور الناجح نسبياً الذي لعبه قبل حرب 67 استمر ولكن ليس بالدرجة نفسها بعد 67، لكنه على كل حال لم يتوقف، فقد كان الاسرائيليون يعتقدون داخلياً بأن عبدالناصر لن يسكت على الهزيمة وكانت خطة الموساد بعد احتلال سيناء والجولان تعتمد على تجويع سكان هاتين المنطقتين المحتلتين لتصطاد من يضعف منهم وبالتالي تضمهم لشبكة جواسيسها تحسباً لحرب مقبلة لا محالة وان كان موعدها مجهولاً. تغييرات وخسائر وظل الموساد بعد حرب يونيو راسخاً في أذهان الجميع بأنه واحد من أقوى أجهزة المخابرات في العالم إلا ان جواسيسه في أعقاب هذه الحرب أوصلوا معلومة الى مائير عاميت رئيس جهاز الموساد ان مصر بقيادة عبدالناصر تستعد لحرب، وكانت هذه المعلومة غالية الثمن، وقد سربتها المخابرات المصرية للموساد الذي أبلغها لرئيس الوزراء في ذلك الوقت ليفي اشكول فتمت تعبئة الجيش الاسرائيلي بكامله وقام بمناورات واسعة النطاق استدعى اليها آلافاً من الذين تركوا أعمالهم وطلب منهم الالتحاق بوحداتهم، ما أدى الى توقف الحياة تماماً صناعياً وزراعياً، ولكن الحرب لم تقع كما كتب الموساد في تقريره لليفي اشكول وتكلفت «اسرائيل» طبقاً لهذه المعلومة عشرة ملايين دولار، وعند هذا الحد تعرض الموساد ورئيسه مائير عاميت لنقد شديد من جراء هذه المعلومات الخاطئة. لذا صدرت التعليمات للموساد بإعادة انتقاء عملائها والتأكد من اخلاصهم والتركيز على سيناء والجولان. في صباح أحد أيام يناير عام 1968 كانت «اسرائيل» قد أصدرت تعليماتها باغلاق مديرية العمل في سيناء ومنع موظفيها من الدخول الى المبنى الذي استولت عليه القوات المحتلة الاسرائيلية. كان هذا القرار وقرارات أخرى مشابهة يعني ان عائلات كاملة ستعاني من هذا الحصار الذي فرضته قوات الاحتلال معاناة قد تصل الى حد التجويع، لذا فقد عمد معظم سكان سيناء الى ارسال أولادهم الى القاهرة أو المحافظات القريبة منها لدى أقاربهم أو أصدقائهم لاستكمال تعليمهم والحياة بعيداً عن ضغوط الاحتلال. وكان ابراهيم وزوجته انشراح أحد الذين تضرروا كثيراً من هذا الوضع، وبعد أن مرت عليهما أيام طويلة تحت هذا الحصار قالت انشراح لزوجها (فلسطيني الأصل) والذي أصبح بعد الاحتلال من سكان العريش: انه لابد من حل حتى لا يضيع مستقبل الأولاد. رد عليها: وماذا يمكنني أن أفعل.. ها أنت ترين الاسرائيليين وقد أحكموا حصارهم على العريش ورفح، فلا أنا بقادر على دخول غزة ولا الخروج من سيناء والذهاب الى القاهرة ولذا ليس أمامنا سوى أن نرسل الولدين نبيل ومحمد الى القاهرة عند أخيك ونحاول أن نرسل لهما مصاريفهما الى أن تتحسن الأمور. ردت عليه: الأمور لن تتحسن ولن يحارب العرب اسرائيل أبداً. ـ وكيف عرفت؟ ـ ها نحن نعيش تحت الاحتلال أليس في ذلك أكبر دليل والجيوش العربية كلها مهزومة ومفككة وعبدالناصر أصبح يائساً.. والاسرائيليون يحكمون قبضتهم على الأمور وبدأوا من شدة ثقتهم بأنفسهم بناء مستوطنات لهم في سيناء. ـ وما العمل؟ ـ لا أدري.. دعنا نرسل الأولاد الى القاهرة وبعدها نبحث عن حل.. أي حل!! هذه الكلمات شجعت إبراهيم على أن يحول مجرى تفكيره باتجاه آخر ولكنه لم يكن يجرؤ على البوح به. وبعد أن مضت أشهر طويلة كانت النقود التي ادخرها إبراهيم وزوجته انشراح قد نفدت وأصبح وضع ابنيهما في القاهرة حرجاً بعد أن تكررت اتصالات الأبناء بوالديهما يطلبان منهما نقوداً لمواجهة مصروفات الحياة والدراسة. لم تكن هذه الاتصالات بعيدة عن سلاح الاشارة الاسرائيلي الذي كان يسيطر على كل الأمور في سيناء المحتلة، وتمكن جندي الاشارة المكلف بمتابعة أية اتصالات تتم بين سكان العريش والقاهرة من التقاطها وتسجيلها وتحليلها وكانت مكالمة نبيل مع أبيه تعني الكثير عند ضابط الموساد نعيم المكلف بتجنيد الجواسيس في سيناء، وذلك لتغيير الدماء الخاتنة تحسباً لموقعة قادمة مع مصر في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تشن هجمات خاطفة على طول الجبهة. الضابط نعيم كان الضابط نعيم من ضمن الضباط الجدد الذين حلوا محل ضباط رئيس الموساد السابق مائير عاميت الذي انتهى عمله بعد فضيحة معلومة الحرب الخاطئة والتي كبدت «اسرائيل» الملايين، حيث تولى تسفي زامير رئاسة الموساد من بعده، لذا فقد اختار تسفي زامير ضباطه الممتازين للعمل في المناطق المحتلة حديثاً.. وبالفعل لعب نعيم دوراً مهماً في الايقاع بعدد من الخونة وتجنيدهم لصالح المخابرات الاسرائيلية عن طريق مراقبة تحركاتهم وأحوالهم المادية الى أن جاءه إبراهيم ذات صباح في مكتبه الملحق بمكتب الحاكم العسكري الاسرائيلي في سيناء، وكان نعيم يتوقع حضوره بالفعل. دخل الحارس على ضابطه وقال له: يا سيدي هناك عربي على ما أعتقد انه فلسطيني من سكان العريش وليس بدوياً يريد مقابلتك. ـ وما اسمه؟ ـ قال ان اسمه ابراهيم سعيد شاهين. ـ وماذا يريد؟ ـ يريد عملاً. ـ إذن أدخله بسرعة. وقف إبراهيم أمام الضابط الاسرائيلي نعيم متردداً عندما بادره نعيم قائلاً: ـ طلبت مقابلتي.. ما الأمر؟ ـ أريد عملاً يا سيدي! ـ ليس لدي عمل لك الآن ولكن ربما فيما بعد. ـ ليس لدي ما أطعم به نفسي أو زوجتي.. اعطني ولو كيس دقيق. هذه بسيطة.. سأكتب لك ورقة لتصرف كيساً من الطحين ويمكنك أن تمر عليّ بعد يومين لنرى ماذا يمكن عمله من أجلك. بعد أن خرج إبراهيم من مكتب الضابط نعيم كان هذا قد أشار الى أحد مساعديه بعمل تقرير سريع على الطبيعة عن هذا الرجل واحضاره بأسرع وقت ممكن. لقد عرف الضابط نعيم انه وقع على صيد سهل في وقت صعب صحيح ان القناعة متوفرة لديهم أي الاسرائيليين بأن المصريين والسوريين ومن ورائهم بقية العرب لن يقاتلوا لكن على الأقل عليهم أن يتأكدوا، وبطبيعة الحال لن يتأكدوا من حالة اليأس العربي إلا عن طريق أمثال هذا الوضيع الذي جاء للشبكة كي تصطاده برغبته. كان التقرير الذي وضع أمام نعيم مبشراً بالعثور على جاسوس جديد له أهمية خاصة، فهو يعيش في سيناء وأبنائه في القاهرة ولا يملك وظيفة أو مالاً، كما انه دنيء النفس بدليل حضوره بنفسه لكي يشحذ من عدوه كيس طحين!! داخل اسرائيل في الوقت الذي كان نعيم وبقية عناصر الموساد تعمل على تخريب الروح الوطنية بين المصريين من بدو سيناء كان الموساد يتلقى الضربات الموجعة الواحدة تلو الأخرى إلا ان ليفي اشكول ووزير دفاعه موشيه ديان كانت لديهما قناعة تامة بالتقارير الأولية التي كتبها الموساد عن الوضع العربي واستحالة اعادة تجهيز الجيوش العربية قبل فترة طويلة، لذا فإنه بعد حرب يونيو 1967 وما جرى فيها حدث تصادم ما بين شخصيتي ديان وتسفي زامير حيث كان الاخير انطوائياً وليس بنفس قوة وقسوة ايسر هارئيل ولذا فقد طلب موشيه دايان من رئيس الوزراء ليفي اشكول ان يتولى الميجور جنرال اهارون ياريف قيادة جهاز المخابرات العسكرية لطبيعة المرحلة القادمة خاصة في ظل الاحتلال الذي بسطته اسرائيل على مناطق جديدة كغزة والضفة وسيناء والجولان، وعلى الفور بعد ان اسند ديان مهمة المخابرات الى ارديف بدأ هذا بتوسيع نفوذ المخابرات العسكرية ولم يقتصر نشاطها على جمع المعلومات العسكرية ولكنها بدأت ايضا بعملية بحث علمي ودبلوماسي وسياسي وشجعها على ذلك دايان الذي كان قد فقد ثقته في الموساد خاصة بعد تولي زامير قيادته واصبحت القاعدة التي تعمل عليها المخابرات العسكرية الاسرائيلية هي ان العرب لن يحاربوا ثانية وكان هذا هو الخطأ الفادح الذي وفع فيه ديان ومخابراته العسكرية ولم تقع فيه الموساد برغم روح العدائية التي ووجهت بها من قبل ديان والمخابرات العسكرية الاسرائيلية.. ولكن مع ذلك كان الموساد يعمل بنشاط كبير خاصة في المناطق المحتلة وكان أول دليل يقدمه تسفي زامير رئيس الموساد لرئيس وزرائه ليفي اشكول تجنيد أول العملاء في سيناء المحتلة في اوائل عام 1968. في الحقيقة ان ابراهيم شاهين كان مستعداً للخيانة بالفطرة وتبدى استعداده للخيانة في اللحظة التي ذهب فيها لضابط مخابرات دولة تحتل ارضه وطلب منه مساعدته في الحصول على وظيفة، وربما لم يكن ابراهيم شاهين يفعل ذلك بهذه الدرجة من الحماس لولا انه رأى الضوء الاخضر في كلام زوجته. سعد ليفي اشكول بالعميل الجديد وسأل زامير هل تم تجنيده فعلا.. قال له: مسألة ساعات وبالفعل في الموعد المحدد كان ابراهيم قد عاد لضابط المخابرات نعيم الذي عرف ان عودته ثانية هي بمثابة موافقته على العمل في اي شيء حتى ولو كان ضد بلاده.. حصل ابراهيم على كيس طحين هذه المرة.. وبدأ يشعر بالفارق بين ما كان عليه قبل معرفة نعيم وما اصبح عليه بعد معرفته وتكررت زيارات ابراهيم للضابط الاسرائيلي في مقر الحاكم العسكري في سيناء المحتلة، وعندما ادرك نعيم بخبرته ان ابراهيم اصبح جاهزاً لأي عرض بعد ان قاس مدى دناءته وحقارته قال له في احدى الزيارات ما رأيك يا ابراهيم لو اعطيناك تصريحاً للسفر الى القاهرة؟ ـ أكون شاكراً لكم سيادة الضابط وسيكون جميلا لن انساه لك. نتمنى ذلك.. وتحديداً نتمنى ألا تنسى اننا ساعدناك لترى أولادك وتطمئن عليهم، وقبل ان يتفوه ابراهيم بأي كلمة قال له نعيم، نحن نعرف ان لك شقيقاً يملك مكتباً للاستيراد والتصدير في لندن، نحن مستعدون لفتح مكتب لك في القاهرة وكل المطلوب منك فقط هو ان ترسل من القاهرة لشقيقك اسعار الخضراوات والفواكه وبعض الاشياء التجارية الاخرى التي يتعامل فيها له في لندن فما رأيك..؟ ـ وهل هذه تحتاج الى رأى.. ولكن هل سيكون لي الحرية في السفر بين القاهرة وسيناء..؟ ـ بالتأكيد.. فأنت الآن رجلنا.. ـ هل صحيح انني اصبحت رجلكم فعلا؟ ـ تريد ان تتأكد.. اذن جهز نفسك لنذهب غدا الى بئر السبع. ـ سأكون جاهزاً تماماً للسفر معك غدا.. التجنيد في اليوم التالي كان ابراهيم قد ودع زوجته واخبرها انه ذاهب في رحلة عمل مثمرة مع نعيم الى بئر السبع.. كانت بئر السبع هي نقطة تجميع الجواسيس الذي اصبح تجنيدهم مسألة اجراءات ووقت فقط.. ولذا عندما وصل ابراهيم الى بئر السبع قدمه نعيم الى ضابط اعلى منه رتبة اسمه ابو يعقوب. لم يفاجأ ابو يعقوب بالوافد الجديد.. فقد كانت كل المؤشرات تقول انه في الطريق وكان ابو يعقوب هو المسئول المباشر عن تدريب الجواسيس الجدد لذا عندما قدمه نعيم له قال أبو يعقوب مباشرة لضيفه.. ما رأيك يا ابراهيم تشتغل معنا؟ ـ وكم ستعطونني..؟ ـ تهلل ابو يعقوب فالجاسوس الجديد يعرف دوره تماماً ولا يحتاج لتمهيد.. لذا سأله وهل ستعرف ماذا ستعمل؟ ـ اعرف.. جاسوساً على مصر..!! ـ رائع.. لقد قطعنا اصعب المسافات للوصول الى بعضنا بعضاً. ـ ولكنك لم تجب عليّ كم ستعطونني..؟ ـ ما تريد..! ـ عند هذه الجملة بدأ نعيم الذي سلم الجاسوس الجديد لمدربه في التهيؤ للانصراف وقبل ان يمضي مد يده بمظروف فيه الف دولار واعطاه للخائن الجديد.. ومع الدولارات عناوين متعددة في أوروبا كان نجاح الموساد في تجنيد عميل من داخل سيناء ضربه موفقة للموساد في مواجهة ديان وجهاز المخابرات العسكرية الذي كان قد بدأ يعتمد عليه وتقوية مركز اهارون ياريف مقابل تسفي زامير. وصلت اخبار الجاسوس الجديد لديان الذي قال انه ليس بالاهمية التي تصورها لسبب بسيط وهو انه مدني وعاطل عن العمل وسيناء كلها تحت الاحتلال ولا حاجة لاجهزة المخابرات به، ولكن تسفي الذي كان حاضراً بمجلس الحرب الاسرائيلي راهن على الجاسوس الجديد وقال له: لو قام العرب بحرب ضدنا مرة اخرى فسيكون توقيت واستعدادات العرب لهذه الحرب عندنا قبل حدوثها بواسطة ابراهيم نحن نعرف اي جاسوس جندنا.. دورة جاسوسية ظل ابراهيم في بئر السبع اكثر من شهر خضع خلالها لتدريبات الجاسوس الاساسية واهتم أبو يعقوب بأول عميل له في سيناء بعد الحرب لذا دربه على احدث انواع الكتابة بالحبر السري وكيفية اظهارها وكيفية جمع المعلومات وكتابتها والتمييز بين مختلف الاسلحة عندما تعرض عليه وكذلك الطائرات وعرض عليه انواعاً جديدة من الطائرات والصواريخ السوفييتية الصنع وركز ابو يعقوب على صواريخ سام 3 وقال له ان عبدالناصر يسعى حالياً للحصول على هذه الصواريخ من الاتحاد السوفييتي وهي لم تصل بعد ولكن تذكر شكلها جيدا وعندما تصل وتعطينا المعلومة الأكيدة بانضمامها للقوات المصرية لك مكافأة خاصة.. بعد انتهاء مدة التدريب الشاقة التي خضع لها ابراهيم عاد الى سيناء وسألته زوجته انشراح: ماذا جرى خلال كل هذه المدة؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها وبصوت هامس قال: لا أريد ان اتحدث معك الآن بكل صراحة وارجو أن اسمع رأيك، فإن وافقت على ما فعلته مضينا حتى النهاية وان لم توافقي فنحن لازلنا في بداية الطريق ويمكن التراجع.. ـ أهدأ وإحك لي بالتفصيل ما حدث معك.. ـ بداية امسكي هذه النقود.. ـ ما هذه..؟ ـ الف دولار اعطاني اياها نعيم قبل عودتي للعريش.. ـ لقاء ماذا..؟ ـ لقاء ان اعمل معهم.. ـ تعمل ماذا؟ ـ أجمع لهم بعض المعلومات وارسلها لهم في عناوين زودني بها نعيم في أوروبا وغيرها ولكن بطريقة مختلفة، بمعنى ان اكتب الرسائل بالحبر السري وتكون هذه المعلومات اقتصادية وسياسية وعسكرية.. ـ يعني تشتغل معهم ولصالحهم.. ـ نعم.. جاسوس لاسرائيل على مصر.. ـ لم تضطرب الخائنة ولم يرف لها جفن وهي تسمع زوجها يبلغها بوصوله ادنى درجة يمكن ان يصل اليها الانسان في حياته، بل في مماته ايضا حيث يترك ميراث العار لاصقا به وبأحفاده الى يوم الدين.. ـ وافقت الزوجة على خيانة زوجها لوطنه وارضه وكان سؤالها الأهم بالنسبة لها في هذا الأمر: وكم سيدفعون لك يا ابراهيم؟ ـ سيدفعون كثيرا، وسنقيم بالقاهرة واؤسس شركة للاستيراد والتصدير كفرع لشركة أخي هنا في القاهرة. في صباح اليوم التالي استدعى نعيم جاسوسه الجديد الى مكتبه وطلب منه مغادرة سيناء والتوجه الى القاهرة وبدء عمله مع الموساد.. فلم يضع وقتا واصطحب زوجته فوراً وتوجها الى القاهرة.. كان هذا الجاسوس من البجاحة لدرجة جعلته يتوجه في اليوم التالي الى مكتب محافظة سيناء المؤقت بالقاهرة ويقدم طلبا يفيد بأنه أحد المهجرين من سيناء ويحتاج الى سكن فما كان من المسئولين عن هجرة سكان العريش وسيناء وبقية المدن التي تقع على خط المواجهة مع العدو الاسرائيلي إلا أن اعطوه ما طلب وخصصوا له شقه بحي المطرية الشعبي الواقع في شمال شرق القاهرة ثم صرفوا له مبلغا لكي يبدأ حياته في القاهرة كريما معززا كأي مواطن تعرض للتهجير القسرى نتيجة الحرب.. ابناه في المهمة الحقيرة.. شرع ابراهيم فور استقراره بالقاهرة او بحي المطرية في العمل فورا وجمع المعلومات بجدية ونشاط يحسد عليهما وعرضت عليه زوجته مساعدته حيث يمكنها جمع المعلومات من زوجات الضباط او ضباط الصف او حتى المجندين والاستفادة كثيرا من ثرثرة النسوة اللاتي يثرثرن بما يعرفن وبما لا يعرفن وكل واحدة منهن تنسب ما تتفوه به الى زوجها مفتخرة به كونه احد العسكريين المهمين. وكان ابراهيم شاهين في هذا الوقت مواظباً بجدية على ارسال المعلومات التي كان يجمعها ويكتبها بالحبر السري الى العناوين المناسبة في كل مدن اوروبا وغيرها من تلك التي زود بها ايام تدريبه مع ابي يعقوب ونعيم.. وبعد مضي عدة شهور وقبيل بداية عام 1969 رن هاتف المنزل في بيته فرفع ابنه نبيل السماعة ولاحظ الابن ان المتحدث صوته غريب ولهجته غريبة لكنه لم يتحدث مع ابيه واعطاه السماعة وانتظر ردة فعل ابيه ووقف يستمع للمكالمة.. حيث جاءت اجابات ابيه مغلفة بالدهشة مع محدثه على الطرف الاخر. روما.. متى؟ زوجتي.. لا مانع انها سترحب.. اطمئن سوف نكون هناك في الموعد.. وضع ابراهيم سماعة الهاتف والتفت ليجد ابنه متحفزاً بعشرات الاسئلة. من هذا..؟ هذا عميل.. انه يتحدث من خارج مصر! نعم.. من روما..! وماذا تعمل معه..؟ في الاستيراد والتصدير..! اشم رائحة كريهة في الامر..! نحن نجمع الاموال لك ولشقيقك ولذا فاننا نعمل في أي شيء.. واين هي هذه الاموال؟ ندخرها لكما. اريد ان اراها .. ان اشعر بها. من يريد ان يرى المال او يشعر به عليه ان يعمل. اذن دعني اعمل معك. كان رد ابنه نبيل عليه وهو طالب الثانوي مفاجأة بالنسبة له لذا فإنه بدأ تدريجياً يكلفه ببعض الاعمال البسيطة في جمع المعلومات ويعطيه بسخاء، ما شجع الابن الذي انخرط بشكل سييء في العمل التجسسي من خلال والده. وبعد عدة ايام من المكالمة التي تلقاها ابراهيم وبعد ان اسند الى ابنه بعض المهام ليقوم بها طلب منه ان يهتم وان يكون حريصاً وهو يجمع هذه المعلومات حتى لا ينتبه احد. ولماذا توصيني هكذا.. واين ستكون انت؟ سنسافر الى روما انا وأمك لتخليص بعض الامور هناك فكن حريصاً. غادر الاب وزوجته الى روما وتركا ابنهما يواصل خيانة الوطن في غيابهما وحينما وصل ابراهيم الى روما استقبل بحرارة في المطار وتم اصطحابه فوراً الى السفارة الاسرائيلية في روما حيث تعرف ضباط الموساد على العميلة الجديدة انشراح علي موسى التي كانت منبهرة بهذه الاجواء وبدأت تتقمص دور المرأة المتحررة المنطلقة التي تريد ان ترى كل شيء وتعرف كل شيء وتجرب كل شيء!!