الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 عندما أصبحت كوندوليزا رايس في الحادية عشرة من العمر، بدأ والدها العمل مديراً لكلية في توسكالوسا في ألباما، حيث انتقلت العائلة معه إلى هناك، ثم رافقته لاحقاً إلى دينفر، وفي الخامسة عشرة التحقت طالبة مستجدة بجامعة دينفر، حيث يعمل والدها، خلال هذه الفترة أدركت كوندوليزا انها لن تستطيع ان تصبح على الأغلب عازفة بيانو محترفة، وفي مصادفة غريبة مثل تعرفها على زوجة المستقبل لوزير خارجية أميركي مستقيل أصبحت كوندوليزا في دينفر أيضاً مدللة جوزيف كوربيل، الباحث التشيكي اللاجئ، ووالد مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة. وطبقة العلاقات الدولية التي أدخل كوربيل كوندوليزا إليها في سنتها الأولى في الجامعة كانت النقطة المحورية في حياتها ففي لقاءاتها التي أجرتها، مثلما فعلت في لقائها معي، شبهت هذا الدخول بالوقوع في الحب، وقالت لي حينما سألتها ان تكون أكثر تحديداً: من الصعب ان تفسر سبب وقعهن في الحب. اتذكر حتى الآن تلك المحاضرة التي أشعلت في نفسي تلك الشرارة. كانت المحاضرة من تلك النوعية التي يلقيها أي اختصاصي في الشئون السوفييتية حول تكتيك التأرجح السياسي الذي اتبعه جوزيف ستالين في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتقل يميناً في البداية ليعزل اليسار السياسي، ثم تحرك يساراً ليعزل اليمين قبل ان يعود لليمين، بحيث لم يعد أمامه حينها أي منافسة من أي نوع، وقد وجدت ان هذا النوع من السياسة البيزنطية ممتع جداً. دائماً ما وجدت أن ذلك الجمع بين القوة والمرجعية الاخلاقية ظاهرة مثيرة بشكل خاص». تخرجت كوندوليزا من جامعة دينفر عام 1974، ثم أمضت عاماً في نوتردام (كانت تلك هي أول مرة تبتعد عن مزنل العائلة) لتحصل على درجة الماجستير في الدراسات الحكومية والدولية، قبل ان تعود إلى دينفر من دون ان تعرف ما الذي تريد ان تفعله، وهي تقول عن ذلك: «فكرت في ان احصل على وظيفة مساعدة تنفيذية لنائب رئيس هانيويل لكن قبل ان أبدأ العمل أعيد تنظيم المعهد وفقدت الوظيفة، عملت معلمة بيانو، وتقدمت بطلب لكلية الحقوق، وذات يوم كنت في الجامعة وقال لي الدكتور كوربي: لمذا لا تأخذين بعض المناهج الدراسية؟» وهكذا أصبحت طالبة دراسات عليا في قسم الدراسات الدولية. والميدان العملي الذي اختارته رايس ميدان يستطيع فيه الاكاديمي الطموح ان يناور دوماً ليجد لنفسه موقعاً حكومياً. وضمن عالم العلاقات الدولية الذي أدخلها إليه كوربيل، أصبحت تنتمي لما تمكن تسميته جمع «الأمم الأسيرة» الذي يهمين عليه لاجئو أوروبا الشرقية الذين يرفضون الاتحاد السوفييتي بشدة أكثر مما كان يفترض الآخرون في ذروة الحديث عن الانفراج في العلاقات الدولية، وفي رسالة الدكتوراه التي تقدمت بها عن العلاقات الحزبية ـ العسكرية في تشيكوسلوفاكيا توصلت كوندوليزا إلى انه شبه الاستقلال الذي يتمتع به الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي فهو افتراض مظلل لأن البلاد لا تزال تخضع لسيطرة محكمة من قبل موسكو، عبر اليات حلف وارسو. وفي عام 1981 دخلت رايس مرحلة اكاديمية عظيمة حينما منحت زمالة مركز ستانفورد للأمن الدولي والسيطرة على التسلح، وكانت هذه الخطوة غير مألوفة بالمرة في عالم العلاقات الدولية حتى بالنسبة لخريجة جامعة من جامعات النخبة. وكان طلب الانتساب الذي تقدمت به مكتوباً بخط اليد بترتيب كبير على ورقة تحمل في أعلاها بعرض الورقة اسم «كوندوليزا رايس» باللون الذهبي لم يكن المركز قد منح زمالة لامرأة من قبل قط، دعك عن كونها امرأة سوداء، كما انه لم يقبل سابقاً أبداً خريجاً من جامعة دينفر، كما ان أفراداً «جمع الأمم الأسيرة» كانوا شيئاً نادراً في المركز أيضاً، فمركز الأمن الدولي والسيطرة على التسلح قد انشئ أصلاً كما يشير اسمه على قاعدة ان اتفاقيات السيطرة على التسلح مع السوفييت كانت تعتبر شيئاً عظيماً، ومجيداً. (غير ان هذا تغير: اسم المركز لم يعد يتضمن كلمات «السيطرة على التسلح»). بخلاف معظم خريجي جامعة ستانفورد في العلوم الاجتماعية، لم تكن رايس ساخرة أو منتقصة من قدر الذات، بل اندفعت مباشرة في عملها الاكاديمي بدلاً من التأرجح والتخبط لسنوات وأعطت عن نفسها الانطباع بأنها «دودة كتب» وشخصاً يستحق الرعاية دوماً، وقال لي احد مدراء ستانفورد ان من حولها اخذوا يرون فيها شخصا يتمتع بامكانيات حقيقية لتصبح ربما بعد بعض التلميع، بالو آلتو، رئيس جامعة تاريخية سوداء. يقول جان نولان الذي كان زميلا لها في ستانفورد ولايزال صديقا لها حتى الآن: «لقد راقبت ما يجري مرة تلو الاخرى التقليل المتواصل من شأن كوندوليزا، بل ان الامر كان يصبح اسوأ فأسوأ، كان الآخرون يظنونها دوما قليلة التأهيل العلمي، وانها متغطرسة، وانها هجومية «لكن بعد سنة واحدة من وصولها ستانفورد اصبحت محاضرة مساعدة في قسم العلوم السياسية، وفي عام 1987 اصبحت محاضرة مثبتة وفي ذلك الوقت اصبحت ايضا معروفة في اوساط السياسة في مقابل الجانب الاكاديمي الصرف في العلاقات الدولية، بفضل رعاية برنت سكوكروفت لها على الرغم من ان شهرتها كانت قد تحققت باعتبارها خبيرة فنية في العسكرية السوفييتية وكان من حسن حظ كوندوليزا ان عينها سكوكروفت في مجلس الامن القومي عام 1989 في وقت اخذ حلف ارسو يتداعى وجدار برلين يتهاوى وكانت رايس منخرطة عن قرب في السياسة الاميركية تجاه هذين الحدثين وهذا ما كان له اثره في مكانتها العملية. في اواسط الثلاثينيات من عمرها نجحت رايس في المضي قدما في حياتها الاكاديمية وحياتها السياسية اكثر مما استطاع اي احد اخر فعله في اوساط العلاقات الدولية ومع ذلك فان انجازاتها في عالمي السياسة والاكاديميا، لم يصل كل ابعاد «ظاهرة رايس» وفي عام 1990 نجح عضو مجلس الشيوخ الاميركية بيت ولسون في الانتخابات، ليصبح حاكم كاليفورنيا وهو ما كان يعني ان عليه تعيين بديل عنه فيما تبقى له من فترة في مجلس الشيوخ وقد اقترح الرئيس الاسبق بوش الاب على ولسون اعطاء مقعده لرايس التي كانت حينها موظفة من الطبقة الثانية في البيت الابيض، ولها من العمر 35 عاما وبلا اي تجربة سياسية وقد اخبرني ولسون بأنه لايتذكر ان بوش طلب منه هذا الامر، لكنه يتذكر ان رايس كانت من بين نخبة المرشحين لذلك، وانه قد تحدث اليها في ذلك. وبعد عودتها من واشنطن الى ستانفورد، وصلت رايس على راع مهم آخر في شخص جورج شولتز، وهذا ما اعطاها الفرصة لتصبح عضوا في مجلس ادارة شركة شيفرون للنفط (وهو ما ادى بدوره ايضا لتعيينها في مجلس ادارتي مؤسستي تشارلز سكواب وترانس اميركا كما ان شولتر شجع كوندوليزا على المشاركة في بعثات سياسية مهمة وشرفية الى الشرق الاوسط وغيره من انحاء العالم، التي لم تتعرف عليها في دراساتها واصبحت كوندوليزا شخصا يتحدد برنامج عمله لاسابيع مقدما بكسور العشرين دقيقة وفي عام 1993، عين جيرهارد كاسبر كوندوليزا وهي في سن الثامنة والثلاثين في الموقع رقم 2 في جامعة ستانفورد. حين وصلت رايس لجامعة ستانفورو كانت ديمقراطية من الناحية الحزبية اسميا وتقول الآن ان السبب في تحولها الى الحزب الجمهوري كان ملاحظة ذكرها الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر عام 1980 مفادها انه شعر بالصدمة من الغزو السوفييتي لافغانستان ورايس، الطالبة المريدة لجوزيف كوربيل، شعرت بالصدمة لكون الناس شعروا بالصدمة حيال هذا الغزو. وتقول انها غيرت تسجيلها الحزبي عام 1982، ومع ذلك فقد عملت بشكل غير رسمي عام 1984 مستشارة لفاري هارت في حملته الانتخابية للحصول على ترشيح حزبه الديمقراطي له للرئاسة لكنها عام 1988 حينما عرضت عليها ابنة كوربيل، مادلين اولبرايت، وظيفة في حملة مايكل دوكاكيس الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية، رفضت العرض لانها ستصبح جمهورية وحينما عادت رايس من واشنطن عام 1991 بعد سنتين قضتهما في البيت الابيض في عهد جورج بوش الاب لاحظ زملاؤها انها اصبحت اكثر محافظة وجمهورية اكثر تشددا وعلى الرغم من انها ظلت عضوا في قسم العلوم السياسية الا انها بدأت تمضي جزءا اكبر من حياتها المهنية في معهد هوفر. غير ان اعضاء التيار الجمهوري المحافظ فعليا ضمن اوساط السياسة الخارجية الاميركية كانوا لايزالون لايرون في رايس واحدة منهم ففي ذلك العالم من الجميل ان يكون المرء ديمقراطيا مرتدا شرط ان يكون ارتداده قد سبق موعد ارتداد رايس، اي قبل ان تحتمل مشاركة في مساعدة شخص ما ممن ارادوا ابعاد رونالد ريغان عن البيت الابيض. كان معهد هوفر في اوائل التسعينيات احد حصون مسئولي ادارة رونالد ريغان السابقة، وكان جورج بوش الاب ينظر اليه كما كان ينظر الى آل جور بين مسئولي ادارة بيل كلينتون اليوم، اي باعتباره شخصا خسر حملة رئاسية كان يمكن الفوز فيها لانه فشل في الهاب خيال الناخبين، غير ان رايس المتناهية في الولاء لم تنجر نهائيا حتى وراء نقاشات النقد العرضية لبوش الاب ومن بين الأسباب التي جعلت المحافظين ينفرون من بوش الاب هو انه كان يبدو مؤمنا بتقاليد المؤسسة الشرقية التي تقول بسياسة خارجية قائمة على الثنائية الحزبية والاجماع والعمل النفعي غير العقيدي. ورايس بدورها بدت انها تؤمن بذلك ايضا. ومن بين اصدقائها الآخرين في تلك المرحلة هناك ستروب تالبوت الذي ادار شئون السياسة الروسية في ادارة كلينتون. وقبيل تسلم كلينتون مهام منصبه مباشرة انفرد به تالبوت في حفل بولاية ساوث كارولنيا، واقترح عليه تعيين رايس سفيرة له في موسكو وبعد ذلك بشهور احضر تالبوت رايس الى البيت الابيض ضمن مجموعة من الخبراء في الشئون الروسية، قبيل اجتماع قمة للرئيس مع نظيره الروسي لتقديم مشورتهم له، وعادت الاشاعات تتكرر في ستانفورد حول انها بذلت جهودا خاصة للفت انظار كلينتون في تلك المناسبة. وكانت للمحافظين تحفظاتهم على رايس ايضا فخلال اول عهدها بمجلس الامن القومي كانت الكتلة السوفييتية تتفكك وداخل الاتحاد السوفييتي كان بوريس يلتسين الشيوعي السابق واول مسئول روسي رفيع منتخب شعبيا نجما صاعدا في البلاد غير ان ميخائيل غورباتشوف الاصلاحي والباقي على شيوعيته زعيماً للدولة، وكان الرئيس الاسبق بوش ومستشاره للأمن القومي برينت سكوكروفت ملتزمين جدا بمواصلة العمل مع غورباتشوف بدلا من دعم يلتسين، على امل التعجيل بزوال الامبراطورية السوفييتية، فلم يكونا يتنبآن بزوالها بعد وفي اغسطس 1991 زار بوش الاتحاد السوفييتي، والقى هناك ما سماه المحافظون خطاب «جبناء كييف» نسبة للمدينة التي ألقاه فيها والذي اعلن فيه «نحن سنحافظ على اقوى علاقات ممكنة مع حكومة ميخائيل غورباتشوف السوفييتية» وضمن ادارة بوش كان هناك مجموعة من انصار يلتسين من اعضائها بعض من ارفع مسئولي ادارة بوش الحالية، مثل نائب الرئيس تشيني ونائب وزير الدفاع بول وولفويتز كبير موظفي تشيني، لوسي ليبي، وكان الجدل الدائر بين الجانبين هو ما اذا كانت الولايات المتحدة يجب ان تدعم التغيير الديمقراطي في الخارج، وهو الجدل الذي لا يزال سائداً اليوم بخصوص اجزاء اخرى من العالم. وهناك مغزى قوي صاحب زيارة يلتسين عام 1989 للبيت الابيض في عهد بوش الاب، والتي كانت رايس باعتبارها من المسئولين عن الشعوب الروسية في مجلس الأمن القومي مسئولة عن تنظيمها. وحسب ما تقوله رايس كانت الترتيبات هي ان يجتمع يلتسين معها ومع سكروكروفت، فيما ينزل الرئيس إلى غرفة الاجتماع لمصافحة يلتسين. اذ ان بوش فيما لا يزال غورباتشوف في السلطة لم يكن يرغب في اعطاء يلتسين اشارة تشجيع من البيت الأبيض. وحينما دخلت سيارة الليموزين التي اتت بيلتسين بوابة الجناح الغربي في البيت الابيض، لوح بقبضته ظاناً ان المدخل الامامي للبيت الابيض الذي لا يستخدم سوى للمناسبات الاجتماعية هو المدخل الفعلي فيما السيارة تأخذه لمدخل الموظفين. وحالما اصبح في الداخل لوح بقبضته ثانية لانه عرف انه سيلتقي بسكروكروفت فقط. وطلب منهم اخذه الى الرئيس بوش. تقول رايس: «كان يريد القيام بمشهد مسرحي. لكن زيارة الجناح الغربي لا تمثل مشهداً مسرحياً لزيارته «قلت له: يمكن أيضاً ان نعيدك إلى الفندق حيث كنت». لقد نظر إلي كماكرة وصعبة. ثم مضت تمتدح يلتسين باعتباره شخصية شجاعة وتاريخية، لكن اذا كنت تتعامل مع كوندوليزا رايس، واذا كنت فوضوياً وغير منضبط، فانك ستحصل على لطمتين على الوجه. في المقابل كان غورباتشوف شخصاً مرتباً ومتأنقاً في سلوكه بحيث نال اعجاباً كبيراً من رايس كان رجل دولة حقيقياً. ذات مرة، وهو ما يزال زعيماً للاتحاد السوفييتي، زار غورباتشوف جامعة ستانفورد، ورافقته رايس في جولة بحرمها الجامعي وظل الاثنان على اتصال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، في ديسمبر 1991 وبعد ان فقد السلطة زارته رايس في روسيا وحاولت اقناعه بالتبرع بما لديه من اوراق لمعهد هوفر، ويظل السؤال من دون اجابة عما اذا كانت رايس ستستطيع اصلاح علاقتها مع يلتسين اذا ما كان ذلك ضرورياً باعتبار انها ظلت خارج الحكومة الاميركية طوال الفترة التي قضاها يلتسين في زعامة روسيا، على كل حال لدى رايس سبب وجيه لتبرير رهانها على غورباتشوف وليس يلتسين كان غورباتشوف في موقع يخوله سحب قوات حلف وارسو من المانيا الشرقية، فيما المانيا تعود لوحدتها كعضو كامل العضوية في حلف الاطلسي، لكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي كان ذلك الهدف سيصبح اكثر صعوبة بكثير، كما ان رايس بطبيعة الحال غير مستعدة لرفض الالتزام بالخط السياسي الذي يصنعه رؤساؤها ودعم غورباتشوف كان سياسة تتسق مع رؤيتها الشاملة للعلاقات الدولية، والتي تحتل الآليات الاحترافية للعلاقات بين قوتين عظميين والبعيدة عن المزاجية في متابعة المصالح الوطنية وليس الاخلاقيات او الاصلاح ـ تحتل جوهر الدبلوماسية، وكان اصدقاؤها في الاوساط الاكاديمية الذن تابعوها في تلك الايام يقولون ان الاهم اكثر من غيره كان التفسخ الواضح المتواصل في النظام السوفييتي وليس كون غورباتشوف زعيماً عظيماً اما رايس فترد على ذلك بالقول: انكم لو اطلعتم على مواد الاستخبارات التي كنت اطلع عليها لفهمتم اني كنت محقة. في الوقت الذي تخلت رايس عن منصبها كمديرة للجامعة وبدأت العمل في حملة بوش الاب الانتخابية، كانت قد اصبحت سياسياً اكثر جمهورية واكثر عداء ورفضاً للديمقراطيين، وهكذا قطعت شوطاً ابعد مما يفترض بها في حياتها الاكاديمية، وبالتالي ربما كان من الطبيعي ان تبدأ بتبني الاعراف المتبعة في الاوساط السياسية وهكذا تحول موقفها من كلينتون الى الازدراء ـ وهو ليس امراً مفاجئا، ذلك انه يمثل النقيض بالنسبة لها في كل وجه، كما فترت علاقتها الحارة سابقا مع ستروب تالبوت قبل ان تذوي نهائياً لاحقا.وفي يناير 2000 نشرت رايس مقالاً في مجلة «فورين افيرز» اعتبر نسخة أولية لسياسة ادارة بوش المستقبلية الخارجية، والتي صاغتها بأسلوبها الحتمي الذي لا يقبل التأملات في غضون يومين فقط.وكانت المقالة مفاجأة في حدة معاملتها لادارة كلينتون بالنظر لعلاقاتها القوية السابقة بتالبوت وأولبرايت وبالنظر للغة المهذبة التي اعتادت اوساط السياسة الخارجية على استخدامها في عملها. وفي اواخر ديسمبر 2000، وهو الوقت الذي يتميز فيه مسئولو الادارة المقبلة عادة بمواقف غير تحزبية، نشرت رايس مقالة في «شيكاغو تريبيون» قالت فيه ان سياسة كلينتون تجاه روسيا القائمة جوهريا على «الاحاديث المرحة» قد «فشلت تماما». واذا ما كانت لهجة رايس قد تشددت في نقدها لادارة كلينتون فإن هذا النقد كان متسقا مع المواقف التي اتخدتها خلال خدمتها في ادارة بوش الأب، ففي مقالة «فورين افيرز» «التي عنونتها دعم المصالح القومية»، عبرت عن نفاد صبرها من هاجس كلينتون بمبدأ «بناء الدولة» ذي الدافع الاخلاقي في بلدان من الطبقة الثانية مثل البوسنة وهاييتي والصومال وكوسوفو واقترحت اعادة التركيز على الصفقات المتشددة بين الدول الكبرى. ولم يكن هذا هو موقف صقور الادارة الجديدة، وهم الذين كانوا يقفون على الجانب منها في معادلة يلتسين ـ غورباتشوف قبل عشر سنوات، فهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم اخلاقيين واصلاحيين عالميين. وكان المرء يسمع بانتظام في الايام الاولى من عمر الادارة الجديدة، على الاقل في الاوساط الابعد وغير الحكومية في المعسكر المتشدد ـ يسمع رايس وهي تأخذ مواقف قريبة جداً من كولن باول، فهي ليست مفكرة جيوسياسية من طراز رفيع مثل هنري كيسنجر وزبيغينو بريزنسكي، بل مجرد محللة فائقة، كانت «موظفة محظوظة جدا». (كانت وظيفة رايس في ادارة بوش الاب اصغر بكثير جداً من ان تؤهلها بقفزة واحدة إلى منصب مستشارة الامن القومي في ادارة بوش الابن). وقد ساد لغط كبير بين اوساط الصقور، حينما قال الرئيس بوش بعد لقائه بالرئيس فلاديمير بوتين في روسيا صيف 2001. لقد نظرت في عيني الرجل.. كنت قادراً على الاحساس بروحه»، ذلك انه بدا ان رايس، المدير الرئيسي والداعم الاساسي لعلاقة بوش ـ بوتين، بعد نقدها لكلينتون لاعطائه الكثير من الاهمية لعلاقته الشخصية بزعيم روسي ـ وهي التي دعت عام 2000 لاتباع سياسة اسمتها «حجز واحتواء» روسيا ـ ها هي الآن تجري الترتيبات ليقوم بوش بالشيء نفسه. والفرق الوحيد هو ان علاقة بوش ببوتين قد اثمرت هذه المرة تحقيق هدف طالما حلم به الصقور وهو التخلص من معاهدة الحد من الصواريخ البالستية. غير ان رايس تغيرت فجأة تقريباً، بالنسبة لشخص كان يفكر طوال 25 عاماً بالشئون الخارجية من وجهة نظر احترافية. وحتى لو كانت النصائح التي تقدمها للرئيس بخصوص بعض القضايا غير معروفة، الا ان من المؤكد مما تقوله في العلن ومن المصطلحات العامة التي تستخدمها انها قد انضوت تحت لواء الاخلاقيين. فهذه الايام، غالباً ما تقول ان التنافس بين الدول الكبرى ـ وهي الفكرة الاساسية للسياسة الخارجية الواقعية وفي كتاباتها حينما كانت زميلة معهد ستانفورد للدراسات الدولية والسيطرة على التسلح ـ شيء من الماضي، لأن كل الدول الكبرى اليوم تشترك في المصالح ذاتها (وهي المصالح الاميركية طبعاً). وتحب رايس ان تشبه السياسة الخارجية الراهنة بتلك السياسة الخارجية التي سادت نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما سانح المسئولون الاميركيون خطة مارشال واسسوا حلف شمال الاطلسي والامم المتحدة وصندوق النقد الدولي وتعهدوا بخوض الحرب الباردة. وهي تقدم الواقع الراهن بأنه الوقت الذي يفترض الولايات المتحدة الاميركية فيه ان تفعل اكثر من مجرد الرد الحرفي على الاحداث الجسام على النحو الذي فعلته في عهد بوش الاب، بل عليها ان تلتزم على نحو جازم بمهمة تغيير العالم. وفي سبتمبر الماضي اصدر مكتب رايس وثيقة للكونغرس تحت عنوان «استراتيجية الامن القومي» بدأها بالتأكيد على ان هناك «نموذج وحيد يمكن استدامته للنجاح الوطني» وهو النموذج الاميركي، كما انه النموذج الصحيح والحقيقي لكل انسان في كل مجتمع. وتمجد الوثيقة القوة الاميركية غير المسبوقة وتعلن ان المباديء التقليدية مثل الاحتواء والردع قد عفى عليها الزمن وتؤكد على اننا «اقوياء بما فيه الكفاية لاقناع كل الخصوم بالكف عن متابعة بناء قواتهم العسكرية على امل التفوق على القوة العسكرية الاميركية او حتى معادلتها». وتعلن الوثيقة ان اميركا «لن تتردد في العمل منفردة اذا كان ذلك ضرورياً لممارسة حقنا في الدفاع عن النفس عبر تنفيذ ضربات وقائية» عسكرية.هذه الرؤية مختلفة تماماً عن تلك التي ظهرت في مقالتها بمجلة فورين افيرز اوائل عام 2000 التي وصفت الاندفاعة لعولمة الديمقراطية الاميركية باعتبارها شرودا عاطفياً لسياسة دولة عظمى. وكتبت رايس حينها: «بالتأكيد ليس هناك خير من فعل شيء يفيد الانسانية جمعاء، لكن هذا بشكل او بآخر وهو اثر من مرتبة ثانية. ببساطة، من غير الممكن تجاهل وعزل الدول القوية الاخرى التي لا تشارك اميركا قيمها. وهذا التعريف الواسع جداً للمصلحة القومية الاميركية مقيد له ان يكون ذا اثر عكسي باعتبار ان الآخرين يعزون لانفسهم هذه السلطة نفسها ايضاً». بقلم: نيكولاس ليمان ـ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر»