الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 أجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» حواراً موجزاً مؤخراً، مع دكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، تحدث خلاله عن تأثير النزعة الفردية التي تهيمن على صانع القرار الأميركي على الوضع العالمي، والموقف الحالي بشأن العراق، وتطرق إلي امكانية ان تنافس اوروبا أميركا في السيطرة على مجلس الأمن. وتناولت كذلك تصريح نيلسون مانديلا، الرئيس السابق لجنوب افريقيا، والذي وصف فيه أميركا بأنها تشكل تهديداً للسلام العالمي. وفيما يلي نصا الحوار: ـ في نهاية شغلك لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، أعربت عن مخاوفك من أن مضى الولايات المتحدة قدماً في نزعتها الاحادية في اتخاذ القرارات سوف يجعل الأمم المتحدة منظمة غير ذات جدوى كما كان الوضع بالنسبة لعصبة الأمم. وفي حديثه بشأن العراق، حول الرئيس الأميركي جورج بوش مخاوفك تلك الى تهديد بقوله انه اذا لم تتحرك الأمم المتحدة بالشكل الذي تريده اميركا بشأن العراق، فإن الولايات المتحدة سوف تمضي في طريقها منفردة. هل تحولت مخاوفك الى حقيقة؟ ـ حسنا، لم يصل الأمر بعد إلى هذه الصورة ولكن بالتأكيد سوف يؤدي اي تحرك أميركي خارج اطار الأمم المتحدة إلى الحاق ضرر حقيقي بالنظام الدولي، علاوة على انه سيضر بالمصداقية الأميركية. إن الأمر المهم بالنسبة للقائد، سواء على المستوى الفردي او على مستوى الدولة، هو ان يقوم بالتفكير على المدى الطويل. فعلى المدى القصير، ربما ستحقق العملية العسكرية التي ستقوم بها أميركا بشكل منفرد ضد العراق نجاحا، ولكن هذا النجاح سيكون على حساب النظام العالمي، في المدى البعيد، حيث ستنشأ مشكلات أكبر من دون وجود الأمم المتحدة. في الماضي كان الأميركيون يتفهمون دوما ان هناك ضرورة لوجود هيئة دولية ذات سلطة. فعصبة الأمم اسسها رئيس اميركا ودرو ويلسون، وأسس رئيس اميركي آخر وهو فرانكلين روزفلت الأمم المتحدة. أما الاتجاه الفردي الحالي فهو يتناقض مع ايمان أميركا بالتعددية، وهو الايمان الذي شكل ملامح السياسة الأميركية طوال القرن العشرين. وفي نهاية الأمر، ليس لدي شك في انه أجلا أم عاجلا ستعود الولايات المتحدة إلى سابق عهدها وتؤمن بالتعددية. فحتى مع كونها القوة العظمى للعالم، لا تستطيع أميركا ان تؤدي بنجاح دور شرطي العالم. فهي في حاجة الى الآخرين. فضلا عن ذلك، فإن الاتجاه الفردي الذي تسلكه أميركا حاليا يقوض بشكل حقيقي الديمقراطية التي تسعى لتطبيقها ونشرها في شتى انحاء العالم. فإذا لم نسع لنشر ودعم مفهوم دمقرطة العولمة، فإن هذه العولمة سوف تدمر الديمقراطية على المستوى القومي لان العولمة تقوض شرعية الحكومات التي لا تستطيع التعامل مع المشكلات التي تقع خارج اطار سيطرتها سواء نتيجة تدفقات رأس المال أو الهجرة غير الشرعية او التلوث أو الارهاب. ففي عصر العولمة، لا يمكن ان تخلق ديمقراطية على مستوى اقل ولكن يمكنك ان تكون غير ديمقراطي على المستوى الاعلى. والأمم المتحدة تعد احدى الآليات الرئيسية في عملية الدمقرطة، وبالتالي فإنه من الخطأ تقويضها. ـ لقد فاجأت القوة التي وقف بها الفرنسيون والصينيون والروس من ورائهم، الولايات المتحدة في مجلس الأمن بشأن العراق، وضايقتها، فكيف تفسر ما حدث؟ ـ إذا كنت تقبل الديمقراطية كأحد العناصر الاساسية للادارة العالمية، فإن حقيقة معارضة ومناقشات أمر لا يجب ان يفاجيء أحداً. فالأمر يعد صحيا للغاية وعلامة جيدة على أن قوة نظام الأمم المتحدة لم يذهب بعيدا بعد. فلماذا اذن القبول بوجود مناقشات من الكونغرس الأميركي في الوقت الذي تتم محاولة تجنبها في مجلس الأمن؟ ـ اثناء الحرب الباردة، كان يقال ان عمل الأمم المتحدة يعوقه وجود عالم من قطبين. غير انه بعد انهيار الكتلة السوفييتية، اضحى من الواضح، كما قال كوفي عنان، الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، انه من دون وجود قوى متنافسة ومع وجود قوة عظمى واحدة، فإن الأمم المتحدة تصبح أقل فعالية. هل يحتمل أن تكون اوروبا آخذة في النهوض حاليا وذلك من خلال اصوات الفرنسيين والروس، وتشكل بذلك وسيلة لكبح جماح القوة العظمى الوحيدة بالعالم وبالتالي تجعل الأمم المتحدة أكثر فعالية؟ ـ لا اعتقد انه في الوقت الحالي يمكن ان تكون هناك اي قوى تنافس الولايات المتحدة. فأوروبا مقسمة وتعاني عدم الوحدة وفي مجلس الأمن، لن تستطيع فرنسا وروسيا والصين ان تكون الحد الادنى من التوازن. فخلال الاعوام العشرة المقبلة، سوف يكون هناك قوة عظمى وحيدة. والأمل الوحيد هو ان تقرر هذه القوة انه من مصلحتها ان تكون هناك أمم متحدة قوية. ـ لقد تعاملت مع الولايات المتحدة بشأن الملف العراقي لسنوات كثيرة. فهل تخشى من ان يكون الرئيس العراقي صدام حسين آخذاً في تكوين اسلحة دمار شامل، أم ان اميركا لها اجندة اخرى؟ ـ كل قرار دولي من اي نوع لا يشترط ان يقوم على سبب واحد بعينه فالأمر يمكن ان يكون متعلقا باسلحة الدمار الشامل، او النفط او الارهاب، فلا شك ان هناك اكثر من عامل في هذا الموضوع. واتمنى ان يصدر قرار جديد بشأن العراق يتم اتخاذه بشكل جماعي. وبعد ذلك يكون اي تدخل عسكري مستندا الى اساس قانوني، الامر الذي بدوره سوف يبث حياة جديدة في اوصال الأمم المتحدة. ـ هل تجاوز نيلسون مانديلا الحدود، مؤخراً، وذهب بعيدا، عندما قال ان الولايات المتحدة تمثل تهديدا للسلام العالمي؟ ـ نعم، بالفعل ذهب بعيدا بمقولته تلك فالولايات المتحدة مهتمة بالسلام والتاريخ يثبت ذلك. ولكن رد فعل مانديلا وغيره من الزعماء يثبت ان النزعة الاحادية لا تلقى تأييد هؤلاد ولاسيما هؤلاء الذين عملوا بشكل حقيقي لايجاد نظام عالمي عادل. ترجمة: حاتم حسين عن «لوس انجلوس تايمز»