السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 باحث في السياسات العامة بمركز وودرو ويلسون الدولي يتمثل المحرك الحقيقي لآلية الدعاية لحزب الله في محطة المنار التلفزيونية الفضائية. وبخلاف معظم المكاتب العامة التابعة للحزب، فإن استديوهات المحطة غير مبنية او مجهزة بمواد وتجهيزات رخيصة. فمبنى المحطة المكون من 5 طوابق في الضاحية الجنوبية لبيروت محاط بمبان سكنية اعلى ويحرسه مقاتلو الحزب من الخارج، اما من الداخل فإن «المنار» تتمتع بجو مهني ومؤسسي بكل ما في الكلمة من معنى. ردهة الاستقبال مكسوة بالرخام والزجاج وهناك شاب يافع خلف مكتب الاستقبال يرد على الهواتف. وخلف موظف الاستقبال صورة لعباس موسوي، الزعيم السابق لحزب الله، الذي اغتالته اسرائيل، قبل عشر سنوات وعند مكتب الاستقبال يمكن للزائرات غير محتشمات الملابس ان يستعرن عباءة للدخول. مدير قسم الاخبار في محطة المنار هو حسن فضل الله وهو في بداية ثلاثينياته ومن عائلة محمد حسين فضل الله، الزعيم الروحي لحزب الله وحسن فضل الله يعكف على اعداد رسالة لنيل درجة الدكتوراة في التربية وفي بداية حديثنا اعتذر، عن ضعف لغته الاجنبية بعد ان طلبت منه المقارنة بين محطة المنار واشهر قناة تلفزيونية فضائية عربية وهي قناة الجزيرة. وقال: «إنه الحياد كالذي تلتزم به قناة الجزيرة امر لا شك فيه بالنسبة لنا غير اننا لانغطي في اخبارنا الا الضحية، وليس المعتدي، ان شبكة سي ان ان هي شبكة الاخبار الصهيونية اما الجزيرة فهي محايدة، لكن المنار تأخذ جانب الفلسطينيين واضاف: ان معارضة المنار للحياد تعني انها بخلاف الجزيرة ترفض عرض آراء المسئولين الاسرائيليين: «اننا لا نتطلع للقاء شارون واذا اردنا الاقتراب منه فذلك فسيكون بهدف ان نقتله». غير ان محطة المنار لن ترفض نهائيا بث اقوال يهود غير اسرائيليين «فهناك شخصية او اثنتان نحن على استعداد لتقديمهما في برامجنا على سبيل المثال، سنرحب بنعوم تشومسكي». ويوضح حسن فضل الله ان دور محطة المنار هو في احد جوانبه توضيح السياق الذي يقوم اليهود فيه بدورهم في الشئون الدولية وقال ان العداء للسامية ممنوع في المحطة، إلا انه يفكر في انتاج برنامج عن «الباحثين الذين نفوا حدوث المحرقة، ويتضمن أعمال مفكرين مثل روجيه غارودي. «الكثير من الأوروبيين يؤمنون بأن المحرقة أسطورة مخترعة، حتى يحصل اليهود على الأموال من ورائها، وكل انسان يعرف الطريقة التي يعاقب بها اليهود كل من يسعى لمعرفة حقيقة المحرقة». كان آفي جوريتش من مركز سياسة الشرق الأدنى في واشنطن وهو مؤسسة بحوث من أنصار اسرائيل والذي يؤلف كتاباً الآن عن محطة المنار، قد زار مقر المحطة، وتابع عدة مئات من ساعات بثها، وقال لي: ان برنامج «الارهابيين» يبث صور فيديو قديمة عما يسميه «جرائم الصهيونية» والتي تتضمن حسب تصنيف حزب الله أي عمل اسرائيلي دفاعي أو هجومي، ويقول جوريتش ان المنار ليست لها شعبية قناة الجزيرة بين المشاهدين العرب، إلا انه يشير إلى ان نسب المشاهدة بين العرب لا يوجد من يحسبها، وقال انه حسب مصادره اللبنانية فإن المنار تحتل المرتبة الثانية في الشعبية بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، ومن المعروف انه يمكن استقبال بث المنار في الولايات المتحدة أيضاً. وتبث المنار بانتظام صور فيديو غير خاضعة لأي مونتاج عن العنف في الأراضي المحتلة، كما انها تفصل بين برامجها بما أسماه أحد مسئوليها «أغان وطنية» عند كل هجوم فلسطيني أو وقوع قتلى اسرائيليين، وحينما زرت القناة كان شاب يدعى فراس منصور يقوم باعداد شريط فيديو في غرفة المونتاج، والمنار مجهزة بأفضل التجهيزات، وفي يوم زيارتي لها كان فراس يعمل على جهاز مونتاج يعمل بنظام ويندوز، وفراس يبدو شاباً في اواخر العشرينيات من العمر، يرتدي زياً غير رسمي وشعره مقصوص وفق الموضة السائدة، وفي معصمه سوار فضي، وكان يتحدث معي بلكنة اميركية قال لي انه التقطها في بوسطن. اراني فراس بعض الاشرطة حديثة العهد من الضفة الغربية تصور الجنود الاسرائيليين وهم يطلقون النار على المدنيين الفلسطينيين. وبموازاة الصور كانت هناك اغنية من اغاني حزب الله قال لي: ما افعله هو الاعداد الفني لصور الفيديو بحيث تتزامن طلقات النار الاسرائيلية مع ايقاعات الاغنية. هذه هي تقنيتي «اما عن عنوانها فقال «ربما اجعل عنوانها الموت لاسرائيل» واخبرني بأنه يستطيع اعداد شريطين أو ثلاث اشرطة في كل يوم، واضاف «ما أفعله هو محاولة الاحساس بالاغنية أولاً، ثم العثور لها على الصور المناسبة «ثم سحب من جانبه شريطاً آخر وعرضه على قائلاً «حاول ان تخمن فكرة الاغنية». يبدأ الشريط بجنود اسرائيليين يطلقون نيرانهم على المدنيين الفلسطينيين، ثم تمتلئ الشاشة بصورة شباب يهرعون بجريح الى سيارة للاسعاف، تليها مشاهد لجنازة غاضبة، وفجأة ينتقل المشهد الى الجانب الاسرائيلي، حيث يتعرض جندي اسرائيل للنار ويتخبط مترنحاً بجانب سيارة جيب عسكرية اسرائيلية محترقة، يليه مشهد جنازات اسرائيلية حافلة بجثث ملفوفة بالعلم الاسرائيلي تنزل الى قبورها. يوقف فراس الشريط ويقول: الفكرة هي ان اليهود حتى وهم يقتلوننا فإننا نستطيع ان نقتلهم ايضاً، الرسالة مفادها: جهزوا أنفسكم للموت لان هذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير فلسطين» وقال ان هذا الشريط سيبث عقب اول هجوم يحدث في اسرائيل. لقد كان حزب الله في طليعة التحول الذي شهده الشرق الاوسط نحو العداء الواضح لليهود وغالبا ما يستخدم قادته تعابير حادة في وصفهم لدور اليهود في الشئون الدولية. فإبراهيم موسوي مدير قسم الاخبار بالانجليزية في محطة المنار يصف اليهود بأنهم «وصمة عار في جبين التاريخ» وقال لي حسين حاج حسن، الاختصاصي بالكيمياء الحيوية، وأحد مسئولي حزب الله وممثليه في البرلمان اللبناني انه ليس معاديا للسامية، لكنه لاحظ ان اليهود هم جماعة لا تكترث بالقومية، ويتصرفون بطريقة تجعلهم يتحولون الى طفيليات في الأمم المتحدة تحتضنهم». وقال لي مارتن كرامر، الباحث في شئون الشرق الاوسط ومؤلف سيرة حياة الشيخ محمد فضل الله انه قد لمس تحولا في تفكير ابناء الجنوب اللبناني وايران على مدى السنوات العشرين السابقة. ففي المراحل الاولى من عمر الثورة في ايران، كانت الولايات المتحدة توصف من قبل آية الله خميني ورجاله بأنها «الشيطان الاكبر» فيما اسرائيل «الشيطان الاصغر» غير ان هذا قد تغير اليوم، كما يقول كرامر. فالمراجع البارزة في لبنان اليوم تنظر الى الولايات المتحدة على انها اداة في يد اليهود، الذين حققوا هيمنة عالمية سرية وكان الرئيس الايراني محمد خاتمي الذي يوصف بالاعتدال قد وصف اسرائيل العام الماضي بأنها «طفيلي يعيش في قلب العالم الاسلامي». صحيح ان هناك مرارة كبيرة في النفوس من الغزو الاسرائيلي للبنان، ومن معاملة اسرائيل للفلسطينيين في الاراضي المحتلة ومن الغارات الاسرائيلية المتكررة في اجواء بيروت. لكن حتى في اوساط بيروت المنفتحة على العالم، قابلت مسلمين ومسيحيين، على السواء، ممن بدوا لي وقد تبنوا طروحات معادية لليهود، وعلى سبيل المثال، القول بأن اليهود هم من دبروا تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك. وتتقدم الباحثة الشابة أمل سعد غريب من جنوب لبنان بما يعتبر في لبنان طرحاً مثيراً للجدل، مفاده ان حزب الله ليس معادياً لاسرائيل فحسب، بل هو حركة معادية لليهود دينياً وبعمق. وتحاول في كتابها الجديد «حزب الله.. السياسة والدين» ان تضع يدها على الجذور العقيدية لحزب الله. وتقول ان الحزب يعتقد ان اليهود بطبيعة الأفكار المسيطرة عليهم يعانون من عيوب خطرة في شخصيتهم. قابلت أمل غريب في احدى المقاهي قرب الجامعة الاميركية في بيروت، حيث تعمل أستاذة مساعدة. وأمل تبلغ من العمر ثلاثين عاماً وهي متزوجة ولها ابن في الرابعة من عمره. أما والدها عبده سعد فهو سياسي لبناني شيعي معروف وأمها سيدة مسيحية. تقول أمل ان اسرائيل «دولة شاذة واستعمارية تروّج لكونها ضحية، حتى تأخذ مكان شعب آخر». ومع ذلك فإن معارضتها للعداء للسامية تبدو صادقة وهي توضح وجهة نظرها بالقول «هناك عداء حقيقي لليهود باعتبارهم يهودا، وهذا العداء يتفاقم بفعل الصهيونية، لكنه موجود قبل الصهيونية». وهكذا فإن حزب الله، شأن غيره من الجماعات العربية، حسب رأيها يعاني من نظام عقيدي نسميه «الشمولية الأخلاقية». وبمعنى آخر «فإن حزب الله لن يعدم المبرر الديني لعمله ما دام عمله مفيداً». وتجادل أمل في كتابها بأن قراءة حزب الله القرآنية للتاريخ اليهودي قد قادت زعاماته للاعتقاد بأن العقيدة الدينية اليهودية فاسدة وهي تنتقد في كتابها المفكر الأميركي المعروف بعدائه للعرب برنارد لويس لتقليله من عمق العداء الاسلامي لليهودية، خاصة لدى مقارنته بالعداء المسيحي لليهودية. وتقول في كتابها: «لقد ارتكب لويس هذا الخطأ.. خطأ تصوير الإسلام باعتباره أكثر تسامحاً مع اليهود.. وبالتالي الاشارة الى ان الصهيونية هي سبب العداء العربي الاسلامي للسامية». غير ان أمل سعد غريب لا تقبل بوصف عقيدة حزب الله بأنها لاسامية، وتفضل عن ذلك عبارة «العداء لليهودية» باعتبار ان مصطلح العداء حسب قولها هي ضغينة ذات اساس عرقي، فيما العداء لليهودية له أساس ديني. وتقول ان حزب الله يحاول اخفاء عدائه لليهودية «لأسباب ذات علاقة بالعلاقات العامة». وتستدرك «لكننا إذا درسنا لغته، سواء المكتوبة أو المنطوقة، فسنكتشف الحقيقة ونقتطع مقتطفاً من خطاب للشيخ حسن نصر الله قال فيه «إذا ما بحثنا في العالم بأكمله عمن أشد جبناً ووضاعة وضعفاً وهشاشة في النفسية والذهن والعقيدة والدين، فلن نجد من هو أكثر اتساماً بهذه الصفات من اليهودي. ولاحظوا إني لا أقول الاسرائيلي». وبالنسبة لأمل فإن هذا القول «يقدم التبرير الأخلاقي والعقيدي للانقاص من شأن اليهود انسانياً». ومن وجهة النظر هذه، كما تقول، يصبح «اليهود الاسرائيليون هدفاً مشروعاً للهجوم، بل انها تشرع ايضاً الهجوم على اليهود غير الاسرائيليين». وكان لاري جونسون وهو مسئول سابق في ادارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قد قال لي ذات مرة: «تسود هناك نظرة جوهرية لليهود باعتبارهم أقل من مستوى البشر، إن حزب الله هو الوريث المباشر لأقوى حركات العداء للسامية. غير ان أمل سعد غريب لا تتفق مع هذا الرأي، فمع ان الشيخ حسن نصر الله قد يكون الحد الفاصل بين العداء للسامية والعداء لليهودية، حسب قولها، إلا ان عقيدة حزب الله لا ترى الفساد في اليهود أمراً جذرياً، بل توفر لهم طريقة لاصلاح أنفسهم وذلك عبر دخولهم في الإسلام. في يوم آخر، مضيت لزيارة الشيخ فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله في منزله بالضاحية الجنوبية لبيروت، وفضل الله الذي يبلغ من العمر سبعاً وستين سنة شخصية مهمة في أوساط الشيعة داخل وخارج لبنان. وفي كل جمعة يصلي إماماً لحوالي 20 ألف مصل في أحد المساجد قرب منزله، وكان منذ زمن بعيد قد أنكر وجود أي دور رسمي له في حزب الله. على كل حال، فإن لفضل الله من الناحية الفكرية مساراً مستقلاً. وقد وقعت عدة محاولات لاغتيال الشيخ فضل الله، وهو يعتقد ان المخابرات المركزية الأميركية الـ «سي.آي.ايه» وبالتعاون مع دولة عربية، قد حاولت قتله بتفجير قنبلة قرب بيته عام 1985، وهي حادثة ذكرها بوب ودوارد في كتابه «الحجاب.. حروب الـ (سي.آي.ايه) السرية 1981 ـ 1987» وهو الكتاب الذي قرأه فضل الله، كما أخبرني. ولدى دخولي أخذت حقيبة يدي منّي وجرى تفتيشي بعناية بالغة طوال عشر دقائق. كما جلس معنا خلال اللقاء رجل مسلح بمسدس، الى جانب ثلاثة مترجمين، اضافة الى عبده سعد والد أمل سعد غريب الذي رتّب اللقاء. وكالعادة، كانت صورة للإمام الخميني معلقة على جدار بالغرفة. وضع فضل الله القضايا الجوهرية للصراع ضمن اطار من التعابير السياسية، وليس الدينية حيث بادر الى القول: «يرى الاسرائيليون ان لهم حقاً في العودة إلى فلسطين بعد ثلاثة آلاف عام. هل من حق الهنود الحمر إقامة دولة في أميركا؟ هل من حق السلتيين استعادة بريطانيا؟» وأضاف انه هو ليس لديه اعتراض على وجود دولة يهودية، لكن ليس على حساب الفلسطينيين. وعلى الرغم من تأكيده على ان الصراع سياسي بين اليهود والمسلمين، فأنه يحرص على أن يذكر حقيقة دينية وهي ان «اليهود لا يعترفون بأن الاسلام هو دين حق» وعندما سألته عن الآية القرآنية التي تقول إن اليهود والمشركين هم أشد أعداء الإسلام، قال نعم «اليهود لا يعتبرون الإسلام دينا». في بداية الثمانينيات، وجه الاتهام إلى فضل الله بمباركته للهجوم على جنود البحرية الأميركية في بيروت، وهي التهمة التي أنكرها بقوة. واشار الى انه كان بين الأوائل الذين أدانوا هجمات 11 سبتمبر، على الرغم من انه يضع اللوم في ذلك على السياسات الأميركية الخارجية التي ادت لحدوثها أما عن الهجمات الفدائية، فقال ان الانتحار ليس قيمة مطلقة أبدا وانما هو خيار من لم يعد لديهم خيار سواه، ولذلك فإنه يتحول من انتحار الى شهادة في سبيل الدفاع عن النفس. وقال «هذا جزء من منطق الحرب». يشغل الجنرال بيني غانتز منصب المسئول عن القيادة الشمالية للجيش الاسرائيلي، وهي القيادة العسكرية الاسرائيلية المسئولة عن مواجهة حزب الله وسوريا وأي تهديد آخر آت من الشمال. وحتى وقت قريب كان غانتز قائدا للجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية. حينما قابلته خلال الصيف الماضي في قاعدة جوية خارج تل أبيب، بدا سعيدا لتركه الغموض الاستراتيجي والاخلاقي للخدمة في الضفة الغربية. وكان غانتز البالغ من العمر 43 عاما قد امضى معظم حياته العسكرية يتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي للبنان. وقبل انتقاله للضفة، كان ارفع ضابط عسكري اسرائيلي رتبة في لبنان، حتى ساعة الانسحاب. وهو واثق من انه قريبا سيشن حربا ضد حزب الله وسوريا. ويقول: «ستكون مفاجأة ان لم نشهد هذا القتال». يقول الاسرائيليون إن لدى حزب الله في جنوب لبنان أكثر من ثمانية آلاف صاروخ واسلحة أكثر تطورا من تلك التي استخدمها سابقا. وأن هذه الترسانة تتضمن صواريخ فجر5 الايرانية التي يصل مداها 45 ميلا وهو ما يعني أن بعضا من البنى التحتية الصناعية الرئيسية الاسرائيلية تقع ضمن مداها. وقال لي احد ضباط الاستخبارات الاسرائيلية: «من غير المعقول بالنسبة لنا أن تمتلك منظمة جهادية معادية اسلحة تطال اهم مصفاة نفط في اسرائيل». ويقول نيكولاس بلانفورد المحرر في صحيفة «ديلي ستار» البيروتية الصادرة باللغة الانجليزية إنه «واثق» من ان لدى حزب الله اسلحة كثيرة هناك في الجنوب. و«يضيف» إن شعارهم هو: نحن مستعدون لكل الاحتمالات. وقال بلانفورد الذي يحظى بمصادر متعددة داخل قيادات حزب الله: «انهم يبدون مقتنعين بأنهم سيشاركون آجلا أم عاجلا في حرب عربية اسرائيلية. واسرائيل لن تتغاضى لمدة طويلة عن حزب الله. ويبدو واضحا الآن لو أن الوقت الذي نعيشه الآن هو مرحلة عادية، لكانت اسرائيل قد تحركت آنفا بالفعل ضد حزب الله. لكن هذه الأيام ليست فترة عادية. وقالت لي بعض المصادر الاستخبارية إن اسرائيل لا تستطيع ان توجه ضربة لحزب الله فيما تحاول اميركا حشد التأييد العربي، أو الصمت على الأقل، لحملتها التي تستهدف غزو العراق. وإن فعلت ذلك فستغضب الادارة الأميركية التي تريد منها الانضباط في هذا الصدد، بل ان ضابطاً في الجيش الاسرائيلي قال لي بوضوح: «في اليوم التالي للهجوم الأميركي، نستطيع ان نبدأ هجومنا». إن اسرائيل والولايات المتحدة تعرفان ان العراق في غمار الهجوم الأميركي عليه سيهاجم اسرائيل لاجبارها على الرد عليه. غير ان حزب الله الذي يتمتع بموقع أفضل من العراق لايقاع الضرر باسرائيل قد يقوم بهذا العمل نيابة عن بغداد ويجبر اسرائيل على الانتقام، وبالتالي يعيق مقدرة الولايات المتحدة على الاضرار بدولة عربية. واذا اراد حزب الله استفزاز اسرائيل فإن لديه وسائل اخرى لفعل ذلك. وعلى سبيل المثال فإن العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني قد اعرب عن شكواه للولايات المتحدة على حد قول صحيفة «الشرق الأوسط» من ان ايران كانت وراء محاولات لاطلاق سبعة عشر صاروخا على الاقل باتجاه اسرائيل من الاراضي الاردنية. كما ان لحزب الله علاقات قوية مع منظمات فلسطينية مثل الجهاد الإسلامي. ومع انه ليس هناك اي مشاعر محبة للرئيس العراقي صدام حسين في أروقة النظام الحاكم في ايران التي خسرت حربا بشعة مع العراق راح ضحيتها مئات الآلاف من الايرانيين، أو في أروقة النظام الحاكم في سوريا، إلا ان المحللين الأميركيين يرون ان كلا النظامين يخشيان مغبة اطاحة اميركا بالحكومة العراقية. وقد قال لي دنيس روس مبعوث الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون للشرق الاوسط ان نجاح أميركا في الاطاحة بصدام حسين، سيعني تشريع «تغيير للأنظمة» في كل الشرق الاوسط، وهذا سيترك ايران في حالة حرجة حيث ستصبح محاطة بدولة حليفة لأميركا في تركيا وافغانستان والعراق. ويقول: «انهم يرون عملية تطويق وهذا يفسر ضخهم السلاح الى حزب الله في لبنان بعد انسحاب اسرائيل. ويقول روس ان احتمال استباق سوريا لهجوم اميركي على العراق بإشعال حرب عربية اسرائيلية احتمال ضعيف، لكنه يبقى قائماً. فبشار الاسد «يعرف جيداً اننا اذا مضينا نحو العراق فسيصبح موقفه ذميما جداً». فوزارة الخارجية الاميركية تضع اسم سوريا على قائمة الدول الراعية للارهاب. كما ان روس يعتقد أن بشار الاسد يفتقد لحنكة والده بشكل يجعله غير قادر على استيعاب تكلفة حرب مع اسرائيل. ويقول: «انه لايزال يعتقد أن اسرائيل ستبقي نفسها ضمن حدود معينة. يجب أن نقول له بوضوح انه اذا ما أثار حرباً فعليه الا يتوقع منا الاسراع لنجدته انه يلعب بالنار». وقد قال لي غانتز ان حزب الله اذ استخدم الصواريخ ضد اسرائيل فان قواته ستبدأ بضرب السوريين وابناء الجنوب اللبناني معاً. ربما يصبح لبنان هو ميدان المعركة، لكن عشرين الف جندي سوري في لبنان يشكلون اهدافا كافية لاسرائيل. وقال: «اسرائيل لن تتعامل مع حزب الله على أنه حزب الله. ما نعرفه هو ان حزب الله هو جزء من القوات اللبنانية والسورية. وسوريا ستدفع الثمن لن أقول متى وكيف. لكني اقول ان الثمن سيكون باهظاً جداً». ويقول غانتز ان الجيش السوري لم يعد نداً للجيش الاسرائيلي: «اعتقد ان السوريين لن يتمكنوا من ان يسببوا سوى مشكلات صغيرة لنا. اجد من الصعوبة أن اعثر على نقطة واحدة يتفوق بها السوريون علينا. كما لا اعرف كيف سيتمكن الرئيس السوري من اعادة بناء جيشه بعد ضربة يتلقاها. خلال احاديثي مع اللبنانيين في بيروت، وعلى وجه التحديد مع المسيحيين منهم، لست قلقاً شديداً من الضربات الاسرائيلية الانتقامية المحتملة ضد لبنان. وحزب الله يدرك ان اللبنانيين اصبحوا معتادين على السلام وان الكثيرين منهم سيحلمونه مسئولية أي هجوم اسرائيلي. واصبح الموارنة والدروز خصوصاً يشعرون ان الجيش السوري قد اطال البقاء في لبنان. كما ان هذه الجماعات تخشى حزب الله ايضا، لكنها لا تقول ذلك، خاصة وان حزب الله هو الميليشيا الوحيدة التي لاتزال تحمل السلاح في لبنان. وقد قال لي وزير الخارجية الاسرائيلي المستقيل شيمون بيريز هذه القيود التي يعانيها حزب الله حينما تحدث معه مؤخراً حيث قال: «يجب الا يظهر حزب الله بمظهر من يدمر لبنان. ويضيف: ان رجال حزب الله متدينون قبل اي شيء آخر. مع مثل هؤلاء لا تستطيع التفاوض». وفي الاسابيع الاخيرة اصبحت المنطقة الحدودية اقل استقراراً. فقد قتل جندي اسرائيلي في سبتمبر الماضي، حينما هاجم حزب الله موقعا اسرائيلياً في شبعا. كما بدأت الحكومة اللبنانية بمباركة من حزب الله خطة لضخ مياه من نهر الحاصباني كان يأخذها النهر الى اسرائيل. وقد قالت اسرائيل إنها لن تسمح لأحد بأن يقلل من واردها المائي. ويقول غانتز ان السياسات الداخلية اللبنانية لن تتحدث علنا عن ارادة جهادية ضد اسرائيل. ويضيف وهو يستعد لركوب مروحيته متوجها نحو المنطقة الحدودية: «كنت آخر ضابط يغادر لبنان، وربما أكون قريبا أول ضابط اسرائيلي يعود اليه». بقلم: جيفري جولدبيرج ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر»