الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 تخضع بلدة رأس العين، الواقعة في وادي البقاع لثلاث سلطات متداخلة، هي الجيش السوري، والحرس الثوري الايراني وحزب الله اللبناني. وقد زرتها خلال الصيف الماضي للقاء حسين موسوي أحد قادة الحزب والذي كان ضالعاً قبل عقدين من الزمان، باختطاف أميركيين في لبنان، واحتجز الكثير منهم في رأس العين نفسها، ويعتقد ان هذه البلدة هي التي احتجز فيها وليام باكلي رئيس محطة «السي اي ايه» في بيروت لبعض الوقت قبل ان يلقى مصرعه عام 1985، وحينما وصلت البلدة كان الوقت ظهراً والحرارة مرتفعة، فدخلت حديقة وجلست فيها. كانت أعلام حزب الله الصفراء منتشرة في كل مكان، إلى جانب بعض من فنون الحزب الدعائية مثل الاعلام الاميركية التي أزيلت نجومها ووضع بدلاً عنها نجمة داوود وحيدة، أو قبة الصخرة التي تمسك بها يد معروقة العظم لشخص معقوف الانف. ركبت سيارة أجرة من حي الاشرفية البيروتي الثري إلى رأس العين في رحلة استغرقت ساعتين، وسرعان ما تحول هواء البحر المتوسط الرطب واللطيف إلى حرارة البقاع المرتفعة ومع ان السائق المسيحي العجوز تردد في الذهاب معي في بداية الامر، إلا انه وافق واستطاع ان يسهل مرورنا عبر الحواجز العسكرية للجيش السوري، وفي احدى هذه النقاط أخذ رقيب من الجيش السوري له من العمر حوالي ثلاثين عاماً ويضع مسدساً على جانبه، ويعتمر خوذة تغطيها شبكة سوداء، أخذ جواز سفري الاميركي ودقق فيه قبل ان يعيده لي ويقول بنية مبهمة «أسامة بن لادن». كنا حينها قد وصلنا مشارف بعلبك كبرى مدن البقاع والتي تحظى بالشهرة لاحتوائها على ثلاثة معابد رومانية هائلة، لا تزال في حالة جيدة، هي معابد جوبيتر وفينوس وباخوس. (وعلى مدخل المدينة يرتفع تمثال ضخم للرئيس السوري حافظ الاسد) وهذه المعابد الضخمة اثنان منها أكبر حتى من البارثينيون الاثيني نفسه، هي الموقع الذي يقام فيه مهرجان ثقافي عالمي سنوي يستقطب نخب بيروت واعتاد المسئولون اللبنانيون على ضربه مثالاً لاستمرار الحياة الطبيعية في لبنان، وهذا العام قدم المهرجان عرض «سيد الرقص» لمايكل فلاتلي، وتبعد رأس العين مسافة ميلين فقط عن بعلبك، وحالما وصلناها توجهنا لأحد المطاعم للالتقاء بموسوي. شهدت الستينيات من القرن الماضي خروج أبناء الجنوب اللبناني من عزلتهم وانخراطهم في مسيرة العالم من حولهم بعضهم انضم إلى الحركات الثورية الفلسطينية، وبعضهم استجاب لنداء الامام موسى الصدر، الذي أسس جماعة سماها «حركة المحرومين» ثم أسس لاحقاً «حركة أمل» أما حزب الله فتأسس في عام 1982 من مجموعة من الشباب الذين التفوا حول العلامة الشيخ محمد حسين فضل الله، وكان الحدث الأهم وراء تشكله هو الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982. وسرعان ما أصبح حزب الله بقواعده في البقاع وضاحية بيروت الجنوبية انجح المنظمات القتالية العربية في التاريخ المعاصر، بل انه تحول إلى نموذج يحتذى لهذه المنظمات في كل العالم، يقول ماغنوس رانستورب مدير مركز دراسة الارهاب والعنف السياسي في جامعة سانت اندروز الاسكتلندية ان شبكة القاعدة تعلمت قيمة العنف المنظم من حزب الله، بل انه ابتكر الهجمات المتعددة المتزامنة، حينما نفذ صبيحة 23 نوفمبر 1983 التفجيرات الانتحارية في بيروت ضد ثكنة مشاة البحرية الاميركية ومبنى قوات حفظ السلام الفرنسية. وقد نفذ التفجيرات بفارق 20 ثانية فقط، فيما ألغى الحزب الهجوم الثالث الذي كان يستهدف القوة الايطالية حينما علم ان الجنود الايطاليين ينامون في الخيام وليس في أبنية مرتفعة. وحتى 11 سبتمبر من العام الماضي كان حزب الله هو المسئول عن قتل اكبر عدد من الاميركيين من أي مجموعة أخرى، من بينهم 241 في مقر المارينز وحده، وأجبر الحزب الحكومتين الاميركية والفرنسية على سحب قواتهما من لبنان، كما أصبح، قبل عامين من الآن، أول قوة مقاتلة تستطيع اجبار اسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان. ويبقى حزب الله يعمل في الخفاء تحت أسماء مختلفة، مثل منظمة «الجهاد الإسلامي» ومنظمة «المضطهدون في الأرض» حتى عام 1985 حينما نشر بياناً يدين فيه الغرب وان «كل منا مقاتل حينما يرتفع النداء للجهاد، وكل منا يحمل مسئوليته في المعركة، على أساس التزاماته الشرعية، إن الله معنا يدعمنا ويحمينا حينما نبث الخوف في قلوب الأعداء». وبدأت مرحلة أخرى في تاريخ حزب الله عام 1991، حينما وافقت العديد من التنظيمات المسلحة في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 16 عاماً على نزع أسلحتها، غير ان سوريا سمحت بالتوافق مع ايران لحزب الله، بالاحتفاظ بأسلحته بل وبزيادتها ليقاتل اسرائيل بالنيابة عن سوريا، كما سمح السوريون لحزب الله أيضاً بأن يسيطر على ضاحية بيروت الجنوبية وهي جزء كبير من وادي البقاع ومعظم جنوب لبنان بمحاذاة الحدود مع اسرائيل. ويحظى زعيم الحزب الحالي الشيخ حسن نصرالله بالاهمية ذاتها في لبنان التي يحظى بها مسئولو الحكومة اللبنانية كما ان مرشحي الحزب دخلوا الانتخابات النيابية اللبنانية وفازوا فيها واصبح لهم 11 مقعدا في مجلس النواب، من اصل 120 مقعدا لكن داخل حزب الله ليس هناك سوى القليل من مشاعر الولاء للرئيس اللبناني اميل لحود ولا ولاء ابدا لرئيس الوزراء رفيق الحريري والصور الوحيدة التي يمكن ان يراها المرء معلقة في مكاتب حزب الله هي صور الخميني وخامنئي المرشد الحالي للثورة الايرانية. ويتمتع حزب الله بموازنة سنوية تصل الى مئة مليون دولار تتاح له عبر نظام معقد من خلايا التمويل المنتشرة عبر العالم من بانكوك الى الباراغواي مرورا بميتشيغان ونورث كارولينا. وشأن منظمة حماس، يدير حزب الله عملا ناجحا في الاوساط الشعبية العامة حيث له شبكة خدمات اجتماعية فاعلة وواسعة كما ينشر صحفه ومجلاته، ويمتلك محطته التلفزيونية الفضائية التي يقال ان عشرة ملايين مشاهد يتابعونها في العالم العربي واوروبا ومع ان محطة المنار هذه تبث دعاية مناهضة للولايات المتحدة الا ان هدفها الرئيسي هو تشجيع الفلسطينيين على مهاجمة الاسرائيليين. والى جانب العمل العام يعمل الجهاز الامني الخاص للحزب في اوروبا والاميركيتين وشرق آسيا وتقول المخابرات الاميركية والاسرائيلية ان الحزب يقيم معسكرات تدريب في وادي البقاع، والعديد منها يوجد خارج بعلبك مباشرة، وان المدربين في بعضها يأتون من مصادر ايرانية بل ان هذه المعسكرات وفرت التدريب في السنوات العشرين الماضية لمقاتلين من منظمات عالمية، مثل منظمة انفصالي الباسك «ايتا» ومنظمة الالوية الحمراء وحزب العمال الكردستاني والجيش الجمهوري الايرلندي. ويبدو ان من اهم اولويات هذه المعسكرات الآن تدريب مقاتلين معادين لاسرائيل مختصين بتصميم ما تسمى «القنابل الضخمة» وهي قنابل تستطيع ان تقوض ابراجا تجارية وغيرها من المباني الكبيرة وتفجر قنبلة ضخمة من هذا النوع هو تطور يمكن ان يؤدي لحرب كبيرة في الشرق الاوسط وربما تمت محاولة تنفيذ مثل هذه التفجيرات، ففي ابريل الماضي قالت قوات الامن الاسرائيلية انها احبطت محاولة لنسف «ابراج ازرائيلي» وهي من اعلى بنايات تل ابيب وفي مايو الماضي انفجرت قنبلة تحت دبابة اسرائيلية في محطة عسكرية للوقود قرب تل ابيب لكنها ام تؤد الى انفجار اكبر كما كان مخططا ولو نجحت هذه التفجيرات لكان من شأنها ان تقضي على المئات من الاسرائيليين وتقول المخابرات الاسرائيلية ان صلاح شحادة قائد حماس في غزة كان يخطط لهجوم متزامن على خمسة مبان في تل ابيب وفي يوليو الماضي قصفت طائرة مقاتلة اسرائيلية بقنبلة زنة طن المبنى الذي يقيم فيه شحادة، مما ادى لمقتله مع اربعة عشر شخصا آخرين على الاقل بينهم تسعة اطفال. وقد اخبرني الكولونيل الاسرائيلي غال لوفت الاختصاصي في التنظميات المعادية لاسرائيل بأن دور حزب الله في هذه التفجيرات غير معروف، «فلحزب الله خبرة بتنفيذ التفجيرات الكبرى، ويمكننا الزعم بانه يوفر المشورة والدعم التقني، الا انني استبعد ان تكون خلاياه هي من يحاول تنفيذها «ويقول لوفت ان الامر ليس الا مسألة وقت قبل نجاح «هجوم ضخم». ولم توجه اصابع الاتهام لحزب الله بتنفيذ عملية سرية مناهضة لاميركا منذ عام 1996 حينما تعرضت ابراج الخبر للهجوم، الا ان الاستخبارات الاميركية تتهمه بان نشطاءه كانوا يصورن اشرطة فيديو استطلاعية للمباني الدبلوماسية الاميركية في دول اميركا الجنوبية وجنوب شرق اسيا واوروبا. وفي الفترة الاخيرة اخذ كبار المسئولين الاميركيين في الاشارة الى ان حزب الله والحكومات الراعية له قد تجد نفسها قريبا هدفا لحرب ادارة بوش المعلنة ضد الارهاب. وكان نائب وزير الخارجية الاميركي ريتشارد ارميتاج قد وصف حزب الله بانه «الفرقة (أ) للارهاب «فيما القاعدة هي «الفرقة ب»، وكانت السي آي ايه قد خسرت حتى الآن سبعة من ضباطها على الاقل على يد رجال حزب الله بمن فيهم وليام باكلي، وقد اخبرني سام وايمان وهو ضابط سابق متقاعد في السي آي ايه والذي انتدب باكلي لمهمته في بيروت ان «اولئك الذين يسببون مشكلة الارهاب واولئك الذين يسببون مشكلة حزب الله يعرفون ان هذا الحساب لم يقفل بعد». اما بوب غراهام رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ فيقول انه يريد من الادارة ان توجه حزبها لا الى العراق بل الى حزب الله ومعسكراته في وادي البقاع والحكومتين الراعيتين في سوريا وايران. وقال غراهام في سبتمبر الماضي: «يجب ان نقول للسوريين اننا ننتظر منهم اغلاق المعسكرات في وادي البقاع في غضون كذا يوم، وان لم يفعلوا، فاننا نحتفظ لانفسنا بالحق في اغلاقها بأيدينا». بعد فترة انتظار قضيتها في المطعم اقتربت سيارة من الباب ونزل منها رجل ملتح لم يكن موسوي الذي املت في لقائه. قال لي ان اسمه «محمد» وانه من مساعدي موسوي وقد أتى ليعرف ما اريد. قلت اني اريد معرفة ما اذا كان حزب الله قد تحول الى حزب سياسي لبناني من الوسط. وقلت ايضاً: اريد معرفة مشاعر الحزب تجاه اميركا واذا ما كان قد خفف حدة عدائه لوجود اسرائيل. سألني: «هل ستسأل عما مضى؟ «وقلت سأفعل» وعندما اراد معرفة المزيد، اعترفت له اني سأسأل موسوي عن مسئول امني بعينه في حزب الله هو عماد مغنية، ومغنية هذا الذي بدأ حياته العملية حارسا شخصيا لعرفات في السبعينيات تعتبره اميركا مسئولا عن معظم هجمات حزب الله ضد مصالحها بما فيها تفجير ثكنة مشاة البحرية واختطاف طائرة تي دبليو ايه عام 1985 الذي انتهى بقتل ضابط بحرية اميركي كما تشك اميركا بتورطه في انفجار الخبر الذي اودى بحياة تسعة عشر جنديا اميركيا. وفي العام الماضي كانت الولايات المتحدة قد وضعت مغنية على قائمة اكثر 22 مطلوبا لديها بتهمة الارهاب خطورة مع اثنين من رفاقه، هما علي عطوة وحسن عزالدين، وهذان الآخران مطلوبان تحديداً لعلاقتهما باختطاف طائرة الـ «تي.دبليو.ايه». غير ان مجرد ذكر اسم مغنية يعتبر مسألة حساسة في لبنان وسوريا التي رفضت تكراراً مطالب أميركا باغلاق معسكرات حزب الله والمساعدة في القبض على عماد مغنية. وكان رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري قد شعر بالغضب حينما سألته في الصيف الماضي عن مغنية ورفاقه. وقال لي: «انهم ليسوا هنا، لقد أخبرت الاميركيين مئة مرة بأنهم ليسوا هنا». وحينما قلت لمحادثي في المطعم انني اريد ان أسأل موسوي عن مغنية انبثق واقفاً وغادر المطعم من دون ان يقول شيئاً. يقع مكتب كبير المتحدثين باسم حزب الله حسن عز الدين في أحد الطوابق الأولى من مبنى سكني مرتفع في الضاحية الجنوبية من بيروت. ولحزب الله خمسة مبان هناك مجهزة بأقل قدر ممكن من الأثاث، ربما لاخلائها في أقل زمن ممكن في حال حدوث هجوم اسرائيلي. وتوفر عناصر حزب الله الحماية الأمنية لهذه المباني، فيما يسيّر الحزب ايضاً دوريات راجلة بملابس مدنية في شوارع الضاحية. وحينما رفعت الكاميرا التي بيدي لالتقط بعض الصور للافتات والملصقات الخاصة بالحزب، كان هناك رجلان أمامي في غضون ثلاثين ثانية يأمرانني بالتوقف عن التصوير واللحاق بهما لمقابلة عز الدين. لا يبعد مقر حزب الله بالسيارة سوى 20 دقيقة عن احياء بيروت المترفة، لكنه يبدو وكأنه جزء من طهران. فصور آية الله الخميني وآية الله خامنئي تنتشر في كل مكان، كما ان ازياء النساء الفاضحة على الموضة الغربية الرائجة في بيروت الشرقية محظورة هناك. والضاحية هي أكثر انحاء بيروت اكتظاظاً بالسكان، حيث ترتفع معظم مبانيها لسبعة أو ثمانية طوابق، ومعظمها مبنية من مواد رخيصة حيث تتزاحم بجانب بعضها على امتداد الأزقة الضيقة. عرفني حسين نابلسي على حسن عز الدين، كما قام بالترجمة في مقابلتنا. ونابلسي هو المسئول عن موقع حزب الله على الانترنت. وقد أمضى بعضاً من حياته في الولايات المتحدة. انه شاب يافع ونشيط لكنه أخذ يراوغ حين تحدثنا عن فترة اقامته في أميركا. قال باقتضاب: «عشنا في بروكلين، وكنت أنوي الذهاب لجامعة تكساس، إلا اننا انتقلنا حينها الى كندا...». قال عز الدين ان مناهضة أميركا لم تعد محور تحركات حزبه. وأضاف ان حزب الله لا يضمر شيئاً ضد الشعب الاميركي، بل هو يعارض فقط سياسات الحكومة الاميركية وخصوصاً دعمها «اللامحدود» لاسرائيل. وعز الدين فخور مثل الآخرين بنصر حزب الله قبل سنتين على اسرائيل. ويذكر مقولة لزعيم الحزب الشيخ حسن نصر الله بعد الانسحاب بفترة قصيرة، قلت لكم: «اسرائيل هذه التي تمتلك أسلحة نووية وأقوى قوة جوية في المنطقة هي اكثر هشاشة من بيت العنكبوت». وأضاف ان ايهود باراك سحب جيشه لأن الجنود الاسرائيليين وأمهاتهم يخافون الموت. نحن ننتظر حياة أخرى بعد الموت، وبلوغ تلك الحياة هي هدف هذه الحياة، وحالما يصبح هدف الموت ماثلاً في الذهن، لا نعود نخاف من اليهود». بعد انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان، افترض العديد من الخبراء في شئون الشرق الأوسط ان حزب الله سيحول تركيزه الى الخدمات الاجتماعية والسياسة الداخلية ليضمن تحولاً سلمياً للبنان الى جمهورية إسلامية. وحتى قبل الانسحاب الاسرائيلي تقدم باحث كبير اختصاصي في شئون حزب الله هو أغسطس ريتشارد نورتون من جامعة بوسطن بورقة بحث عنوانها «حزب الله: من الراديكالية الى البراغماتية». وفي هذه الورقة يقول نورتون انه في أحاديثه مع مسئولي حزب الله خرج بانطباع ان الجماعة «ليست لديها الرغبة في شن حملة عسكرية عبر الحدود الاسرائيلية إذا ما انسحبت اسرائيل من الجنوب». غير ان حزب الله في جوهره هو منظمة جهادية وزعاماته لم يحاولوا أبداً اخفاء هدفهم الأساسي وهو انشاء جمهورية اسلامية في لبنان وتحرير القدس من اليهود. وفور انسحاب اسرائيل، أعلن حزب الله ان اسرائيل لاتزال تحتل جزءاً صغيراً من الأرض اللبنانية هي مزارع شبعا. لكن الأمم المتحدة قالت ان مزارع شبعا ليست جزءاً من الاراضي اللبنانية، وإنما هي جزء من أراضي الجولان السورية المحتلة، وبالتالي فهي تدخل ضمن المفاوضات السورية الاسرائيلية. غير ان حزب الله رفض هذا الدعم وواصل شن هجماته بين الحين والآخر على المواقع العسكرية الاسرائيلية في مزارع شبعا. وبدا عز الدين على وشك الاعتراف بأن حملة حزب الله لتحرير شبعا من الاحتلال الاسرائيلي ما هي إلا ذريعة لتحقيق هدف أكبر. وقال لي: «إذا انسحبوا من شبعا فلن نتوقف عن قتالهم، هدفنا هو تحرير حدود فلسطين 1948»، مشيراً الى تاريخ اعلان دولة اسرائيل. أما اليهود الذين يبقون بعد حرب التحرير هذه «فيمكن ان يعودوا الى ألمانيا أو أي مكان آخر قدموا منه». أما اليهود الذين كانوا في فلسطين قبل 1948 فنسمح لهم بالبقاء هنا والعيش كأقلية تتمتع بحماية الأغلبية المسلمة. وكان حسن نصر الله قد قال في مؤتمر عقد في طهران العام الماضي: «تتوفر لدينا الآن كلنا فرصة تاريخية استثنائية للقضاء على المشروع السرطاني الصهيوني بأكمله». لكن توازن القوى على الحدود الشمالية لاسرائيل يقول بأن طموحات حزب الله غير قابلة للتطبيق. فمقاتلوه لا يتجاوزون بضعة آلاف قليلة على أعلى تقدير، والقوات الجوية الاسرائيلية هي من بين الأقوى في العالم، غير ان الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني قد عزز من ثقته بنفسه ورغبته بتحقيق نصر شامل. يقول عز الدين: «الكل قالوا لنا اننا مجانين واننا لن نهزم اسرائيل، لكننا أثبتنا ان اليهود ليسوا بأولئك الذين لا تمكن هزيمتهم. لقد وجهنا لليهود لطمة قوية وسنواصل توجيه اللطمات لهم». كان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان بعد 18 عاماً نهاية لفصل كارثي في تاريخ القوات الاسرائيلية. وهذا الغزو كان قد قوض حكومة مناحيم بيغن، بل ودمّر حياة بيغن السياسية نفسها، حيث عاش ما تبقى له من سنوات في عزلة. وقد حملت لجنة تحقيق اسرائيلية عام 1982 وزير دفاعه أرييل شارون «مسئولية غير مباشرة» عن مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين. وهكذا بدا غزو لبنان وكأنه قد قضى ايضاً على شارون. وحتى تاريخ الانسحاب فقدت اسرائيل أكثر من 900 جندي. كما كان الانسحاب فاشلاً في ادارته، حيث ترك الجيش الاسرائيلي وراءه الكثير من معداته وتخلى فجأة عن جيش لبنان الجنوبي الذي كان يموّله. وفي أحد آخر أفعال الجيش الاسرائيلي على الأراضي اللبنانية، حاول تدمير قلعة الشقيف التي تعود الى القرن الثاني عشر الميلادي والتي تشرف على الجليل لئلا تكون حصناً للمقاتلين بعد انسحابهم، وقد نجح الاسرائيليون بذلك جزئياً فقط. فأسوار القلعة لم تتداع وترفرف أعلام حزب الله الآن على أعلى أبراجها. ومن أسوار القلعة رأيت بلدة المطلة على الجانب الاسرائيلي من الحدود ورأيت بلدة كفر كيلا وبوابة فاطمة. المكان بأكمله تحول الى موقع احتفالي ومزار سياحي ووسيلة دعائية لحزب الله، ومحور هذه الدعاية هو سجن الخيام الذي أقامته اسرائيل ويقال انها كانت تمارس فيه التعذيب ضد المساجين. وتبعاً لما تقول مصادر أمنية واستخباراتية اسرائيلية فإن الاسرائيليين لم يتمكنوا أبداً من اختراق حزب الله كما فعلوا مع منظمة التحرير الفلسطينية. وقال لي أحد ضباط مخابراتهم ان مسئولي حزب الله كانوا محصنين الى حد كبير من الاغراءات الثلاثة التي طالما نجحت المخابرات الاسرائيلية في استمالة الفلسطينيين اليها باستخدامها وهي المال والوجاهة والنساء. بقلم: جيفري جولدبيرج _ باحث في السياسات العامة بمركز وودرو ويلسون الدولي _ ترجمة: جلال الخليل _ عن «نيويوركر»