الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 جلست هيلين الممثلة الرئيسية في المسرح تتابع مع مخرج المسرحية دورها الذي اسند الى ممثلة اخرى ناشئة اضطرت ادارة المسرح الالماني الصغير ببرلين لان تستعين بها بعد ان انذرها زوجها هانس مدير المسرح والمخرج بخطورة الاستمرار في اداء دورها وهي في شهورها الاخيرة من الحمل، وحذرها اذا استمرت في اداء دورها على المسرح بالانفصال عنها لو حدث مكروه لها ومات الجنين في بطنها، لذا لم تجد هيلين مفرا من ان تبتعد عن خشبة المسرح لتجلس وسط مقاعد المتفرجين، لكنها ظلت تتابع الممثلة الجديدة وتلقي الملاحظات عليها وعلى المخرج على حد سواء مما دفع المخرج الى الصراخ في وجهها بلكنة المانية غاضبة: «اذا سمحت اخرجي من المسرح والا فسأخرج انا ثم تمتم بصوت غير مسموع يهودية لعينة..!تناهى الى سمعها العبارة الاخيرة لكنها لم تكن واضحة فقالت في غضب: ماذا تقول يا هيلموت اسمعني اذا كانت لديك الشجاعة ماذا تقول؟قال لها: اقول اصمتي واخرجي فحسب وانتبهي للجنين الذي في بطنك فقد واتركي المسرحية والمسرح لشأنهما فهناك من يهتم بهما غيرك». كادت الامور ان تتطور اكثر من ذلك الا ان زوجها تدخل وسحبها بصفته مدير المسرح الى خارج قاعة المسرح وهو يصرخ فيها هل جننت الرجل لديه كل الحق فيما قال لك.. انت على وشك الوضع في اي وقت والانفعال ليس في صالحك هيا بنا؟! وصحبها الى الخارج ثم استوقف تاكسيا وطلب منه التوجه الى وسط برلين وتحديدا الحي اليهودي. ـ نظر السائق لهما نظره ذات مغزى وسألهما هل انتما يهوديان..؟ رد الزوج هانز.. نحن المانيان ولاشأن لك بديانتنا اذهب بنا لاى ما طلبنا منك واصمت! ابتلع السائق بقية كلماته في حلقة ومضى الى حيث طلب منه الراكب. نزلت هيلين وهي تستند على ذراع زوجها، وقالت له: اشعر بتعب شديد..!! لعلك ستلدين اليوم..! ألم اقل لك انه من الخطر حركتك الزائدة. ـ كيف وانا مازلت في الشهر السابع.. كم تاريخ اليوم؟! ـ اليوم 14 اغسطس 1921. لم تقو هيلين على السير المسافة المتبقية الى مدخل البناية التي تقطنها هي وزوجها فساعدها الاخير ولف يدها حول رقبته وامسك بها من وسطها وضغط على زر المصعد ليصعدا الى الدور الثالث في البناية القديمة التي يسكنان فيها وما ان وضعها على سريرها حتى اخذت صرخاتها تتصاعد رويدا رويدا.. حتى قالت له.. ادركني يا هانز.. اشعر ان الجنين سيسقط مني..! اسرع هانز الى الهاتف وطلب الدكتور موردخاي الذي كان يتابع حالة الزوجة وعلى الفور جاء الطبيب ودخل الغرفة مع مساعدته للوقوف على الحالة، وبعد 5 دقائق خرجت الممرضة ومعها ورقة دون فيها الطبيب بعض الطلبات وطلبت من الزوج سرعة احضارها. ـ سألها هل ستلد زوجتي..؟ ـ احتمال كبير يا سيدي، ولكن اسرع فالوقت ليس في صالحنا. ولكنها في الشهر السابع. ـ اسرع يا سيدي ولا تضيع الوقت، فقد تلد زوجتك في اية لحظة. وعندما عاد الزوج كانت هيلين قد وضعت طفلها بالفعل.. وأخذ الطبيب يجري بعض الاسعافات للزوجة حتى لا تتفاقم حالتها خاصة وأنها تلد لأول مرة وفي الشهر السابع وهو ما جعل عملية الولادة خطرة نوعا ما. بعد ساعة خرج الطبيب اليهودي يهنئ الاب اليهودي بولادة طفله وسأله: ماذا تود ان تسميه؟ ـ قال لوتس.. لوتس ولفجانج.. ـ ولكن هذا اسم الماني.. ـ رد عليه هانز بلهحة حاسمة: نحن المان يا سيدي.. ـ ولكني اعرف انكما يهوديان. لا شأن لك بذلك.. وتركه ودخل ليرى زوجته وطفله الاول لوتس ولفجانج. بعد عدة اشهر من ولادتها عادت هيلين للعمل كممثلة بالمسرح الصغير ببرلين وساعدها زوجها كمدير للمسرح على الحصول على عدة اعمال متميزة جعلتها تصل الى الشهرة النسبية. وكانت هيلين سعيدة بذلك جدا.. وفي نهاية احد العروض المسرحية الناجحة لهما دعت زملاءها بالمسرح وزميلاتها الى سهرة في بيتهما حيث شرب الجميع وثملوا لدرجة فقدان الوعي.. ونسوا الطفل لوتس الذي كان يصرخ بشدة في غرفة مجاورة، وعندما افاقت احدى الضيفات على صوت الطفل وجدته مبللا ويصرخ من شدة الألم فاسرعت تحاول ان توقظ امه كي تنظفه وتغير ملابسه، لكن هيلين كانت قد غرقت وزوجها في نوم عميق فتولت الصديقة تغيير ملابس الطفل وتهدئته وفي الصباح كان الجميع قد افاق فاقتربت الصديقة من هيلين وروت لها ما حدث بالامس من صراخ طفلها ثم واصلت: ولكن لماذا لم يتم ختانه حتى هذه اللحظة.. اذ مر مزيد من الوقت فلا يمكنك ختانه! رد هانز: نحن المانيان ولن نختنه.. ولم تعلق هيلين على ما قاله زوجها وبدت كما لو كانت موافقة على رأيه. «طلاق» لم تمض الامور على نفس الوتيرة فقد تدهورت احوال المسرح الذي كان الزوجان يعملان به وتقرر اغلاقه وأصبحت المانيا في حالة فوضى وبدأ الحديث يتردد هنا وهناك عن احتمالات قيام حروب او حرب تدخلها ألمانيا وأصاب الفزع الجميع.. وانعكست الحالة الاقتصادية للبلاد على احوال الزوجين حيث اصبح هانز عاطلا بعد اغلاق المسرح وانغمس في السكر وابتعد عن بيته كثيرا وترك زوجته وحدها تقاسي قسوة الحياة مع وليدها ولم يكن امامها وهي الوحيدة لكي تعيل طفلها سوى ان تمتهن حياة فتاة الليل قرب الملاهي الليلية، ومضت السنون الى ان ملت هيلين هذه الحياة وهذا الزوج، فطلبت الانفصال عنه وبالفعل انفصل الزوجان وعاشت هيلين وحيدة على ابنها لوتس في شقة صغيرة بالقرب من الحي اليهودي في برلين، وظلت احوالها تزداد سوءا يوما بعد يوم حتى اعتلى هتلر منصة المستشارية الالمانية العام 1933 وبدأ يضيق الخناق على اليهود واعتبرهم اساس مشاكل ألمانيا وربما العالم كله وبدأ يعد العدة للتخلص منهم. في نفس الوقت كانت هيلين، كيهودية حذرة وماكرة تتابع باهتمام حركة اليهود في العالم وأصبحت تدرك بما لا يدع مجالا للشك ان اليهود مقضى عليهم لا محالة في أوروبا وفي المعبد اليهودي ببرلين سمعت من احد الحاخامات ان الطريق اصبح ممهدا الآن لليهود للعودة لوطنهم الام او ارض الميعاد في فلسطين! فلم تتردد وحملت ابنها العام 1933 وتوجهت على الفور الى فلسطين لتكون من الافواج الاولى التي دخلت فلسطين بعد تنامي الدعوة الى انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين في ذلك الوقت. الوطن الجديد وصلت هيلين الى مطار اللد وتم تصنيفها مع يهود اوروبا وسئلت عن عملها السابق في ألمانيا وتم الحاقها على الفور بفرقة المسرح الاساسية في فلسطين والمسماة «هابيما» لتعمل كممثلة بالمسارح التي ترعاها هذه المجموعة لقاء اجر ضئيل، ولكنه كان كافيا لتحيا هي وابنها ولفجانج. والتقطت الوكالات اليهودية ابنها ولفجانج وألحقته بمدرسة بن شيمن الزراعية القريبة من تل ابيب حيث الحق بمدرسة تعنى بتدريب الطلاب على تربية الخيول وترويضها ومضت الحياة بهيلين وابنها هادئة الى ان تخرج من هذه المدرسة ومعه شهادة خبير في ترويض وتربية وركوب الخيل. لم يترك ولفجانج مزرعة بن شيمن التي كانت تستقبل ابناء اليهود المهاجرين من شتى بقاع الارض في ذلك الوقت وتدربهم لتجعلهم نواة ضمن الجيتوهات والكيبوتسات الاخرى تمهيدا لقيام الدولة العبرية فيما بعد، لذا اسند، اليه مهمة غاية في الخطورة وهي حراسة الباص المصفح الوحيد الذي كان ينقل اليهود من هذه المزرعة الى مساكن اليهود في تل ابيب والمناطق التابعة لها خوفا من انتقام الفدائيين العرب الذين نشطوا في البداية بعد ان اخذ اعلان او وعد بلفور شكله التنفيذي وبدأت جماعات اليهود المهاجرة تفد الى فلسطين. كما كلف في الوقت نفسه بدورية خيالة لحراسة المدرسة التي يدرس بها ابناء اليهود والتي تخرج هو نفسه منها. في هذه الفترة اندلعت الحرب العالمية الثانية فقرر ولفجانج ان يترك هذه المهنة البسيطة ويستفيد من قدرته على التحدث باللغة العربية والالمانية والعبرية وحتى الانجليزية ويبحث لنفسه عن عمل أفضل وعرض الامر على امه التي كانت قد اصبحت ممثلة شبه معروفة في المجتمع اليهودي الذي بدأ يكبر ويأخذ شكلا منظما وبدأت تحركات قادتهم تطالب العالم بأن تكون لهم دولة مستغلين حالة الفوضى التي عمت العالم ابان هذه الحرب واستغلال اكذوبة محرقة الهولوكست لكسب عطف العالم اخبر امه بقراره فسألته ولكن اين ستذهب..؟ سأنضم لقوات الحلفاء.. ضمن الجيش البريطاني. وفي اليوم التالي كان امام القائد الانجليزي المشرف على القوات البريطانية التي تحتل فلسطين تحت اسم الانتداب البريطاني فسأله القائد عن امكانياته. ـ سيدي انا اتحدث الالمانية بوصفي الماني الاصل كما اتحدث لغات اخرى من بينها العربية. ـ عظيم جدا.. سوف يكون لك دور مهم جدا ولكنك لن تبقى في فلسطين فنحن نحتاجك في موقع أكثر أهمية. واصدر القائد تعليماته بالحاق لوتس ولفجانج بالجيش البريطاني الذي كان يحتل مصر. وكانت مهمته حينما وصل مصر هي ترجمة ما يقوله الاسرى الألمان الذين سقطوا في هذه الحرب الى الانجليزية أو العبرية إذا تطلب الأمر.. وأثبت ولفجانج براعة في هذه المهمة التي أوكلت اليه وظل طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية مقيماً بمصر حيث قويت لغته العربية والانجليزية ايضاً ورقي الى رتبة رقيب أول في الجيش البريطاني. أصاب الملل ولفجانج بعد ان وضعت الحرب أوزارها وكان الالمان يخسرون المواقع تلو الأخرى حتى انتهت فعلاً، فطلب من قادته اعادته الى فلسطين مرة اخرى. وعندما عاد الى فلسطين كافأه الانجليز بتعيينه مديراً ادارياً لاحدى مصافي زيت الزيتون بحيفا واستمر في منصبه وقتاً ولكن سرعان ما عاوده الملل مرة اخرى من العمل، واتصل برئيس الهاجاناه وطلب مقابلته. ـ سأله رئيس الهاجاناه: طلبت مقابلتي، ماذا لديك؟ ـ سيدي لقد مللت العمل الرتيب ولم أخلق لمثل هذه الأعمال البسيطة. ـ وما الذي يمكنك القيام به؟ ـ أستطيع المساعدة في عمليات تهريب السلاح للهاجاناه من خارج فلسطين الى داخلها. وافق رئيس عصابات الهاجاناه واعطاه ما طلب وبالفعل بدأ لوتس المشاركة في عمليات تهريب السلاح واثبت شجاعة نادرا ما يتحلى بها يهودي في عمليات التهريب ومقاومة الفدائيين العرب والهروب منهم. ظل ولفجانج يساهم بدور فعال في مهمته هذه حتى ذاع اسمه وعرف الجميع قدراته وولائه للدولة وشيكة الولادة وبالفعل عندما أعلن عن قيام الدولة العبرية في مايو و1948 فوجيء الجميع بولفجانج ينضم لعصابات الهاجاناه وعصابات الصهيونية الاخرى التي خاضت مع العرب والفدائيين منهم معارك شرسة في منطقة «اللطرون» حيث استطاعت هذه العصابات كسب المزيد من الاراضي خلال هذه الحرب وعندما بقي ولفجانج في الجيش الاسرائيلي وظل يترقى حتى وصل الى رتبة «ميجور» وأصبح قائداً للواء المشاة في القوات الاسرائيلية التي شاركت في العدوان الثلاثي على مصر العام 1956. الرجل الأشقر بعد أن فشل العدوان الثلاثي على مصر كان ولفجانج قد بلغ الخامسة والثلاثين من عمره ووجد نفسه يعود من جديد الى مهمته القديمة في تدريب الاسرائيليين الصغار وهو العمل الذي لم يكن يرضيه، وأصبح يتبرم منه وكان يخرج من هذه المعسكرات التي أعدها الكيان الجديد بالمنطقة لتدريب الشباب الجدد للانخراط فيما أسماه اليهود جيش الدفاع الاسرائيلي الى حانات وملاهي تل أبيب يقضي ليله ساهراً يشرب الخمر ويراقص الساقطات ويعود آخر الليل باحداهن لتكمل معه السهرة. وفي احدى الليالي مع احداهن أخبرته ان لديها حلاً لمشكلته ويمكنه الانضمام الى الموساد إذا أراد. سألها: وكيف أصل اليهم؟ ـ سأجعلهم يتصلون بك! لم يمض وقت طويل حتى رن هاتف ولفجانج في شقته عرفه المتحدث بنفسه بأنه أحد الرجال المساهمين في صنع «اسرائيل» وسأله هل لديك رغبة في الانضمام الينا؟ ـ نعم يا سيدي ولكن كيف؟ ـ غداً في حانة راحيل في شارع هرتزل. في الثامنة مساء كان أحد ضباط الموساد يعرض على ولفجانج الانضمام للموساد ويسأله رأيه! قال له: في الحقيقة ان حياة الموساد صعبة ولكنها تتميز بالاثارة والقوة. ـ ولكن لماذا أنا ولماذا وافقتم على ضمي هكذا بسهولة؟ ـ أجابه الضابط: بصراحة نحتاجك لملامحك الاوروبية، فأنت أشقر وذو عينين زرقاوين وتتحدث الألمانية بطلاقة كما انك أثبت اكثر من مرة شجاعتك واخلاصك وقدرتك على التصرف في الأمور والمواقف الطارئة، وفي القتال ضد العرب والمصريين في السويس جازفت بحياتك أكثر من مرة. ضحك ولفجانج وقال للضابط: كذلك نسيت اني أمتلك قدرة فائقة في تقمص الأدوار وهذه صفة ورثتها عن أمي فقد كانت ممثلة. ـ نعرف ذلك جيداً ونعرف أمك ونعرف كذلك انك لست مختوناً وهذه لها قيمة كبرى في حال وقعت في مأزق أو أمسك بك أحد الانظمة العربية. ـ هل هناك مهمة محددة لي؟ ـ ليس بعد ولكن عليك ان تذهب غداً الى هذا العنوان. لم يكن العنوان الذي أعطاه له ضابط الموساد سوى مركز من مراكز تدريب الجواسيس التي أنشأها الموساد لتدريب عناصره من الجواسيس الجدد وكان لوتس ولفجانج أحدهم التغطية في فبراير العام 1957 دعا ايسر هارئيل قائد جهاز الموساد الى اجتماع عاجل لكبار ضباط الموساد وحينما اكتمل الاجتماع بدأ هارئيل الحديث قائلا: أمامي الآن تكليف من السيد بن جوريون رئيس الوزراء بضرورة الوقوف على النشاط المتزايد والتواجد المكثف للألمان في مصر، لدينا معلومات تقول ان عبدالناصر استقدم عدداً كبيراً من المستشارين والمهندسين والاطباء الالمان الى مصر، حتى ان خبراء الشرطة الألمان أصبحوا يدرسون في معاهد وكليات الشرطة المصرية، ولكن كل ذلك ليس مهماً. ـ رد أحدهم: إذن هناك ما هو أهم من ذلك يا سيدي! ـ نعم.. لقد وصلت دفعات كبيرة من مهندسي وخبراء الطيران الى مصر ووجودهم بهذه الكثافة وراءه سر، وهذا ما نريد ان نعرفه؟ ولو عرفنا سبب وجودهم في مصر لعرفنا أيضاً فيم يفكر وما هي خطواته التالية؟ رد أحد كبار الضباط: إن هذا الرجل هو الخطر الحقيقي على اسرائيل ووجودها ولولاه لما عانينا ما نعانيه الآن. ـ عبدالناصر في حد ذاته ليس موضوعنا اليوم وإنما موضوعنا هو ما يفكر فيه عبدالناصر.. نحن لا نريد ان يأخذنا على حين غرة. ـ وما المطلوب يا سيدي؟ ـ المطلوب جاسوس على أعلى مستوى يستطيع ان يخترق سلاح الطيران المصري ويعرف لنا ما الذي يفعله مهندسو الطيران الألمان في مصر. ـ تقصد ان نجند عميلاً مصرياً في مصر؟ ـ لا أعرف.. المهم أريد خطة كاملة ويكون العميل على أعلى مستوى، ولديه القدرة على الانخراط في المجتمع العسكري المصري لنعرف ماذا يفعل الألمان في مصر ويا حبذا لو كان ألمانياً. صرخ أحدهم: موجود يا سيدي. ـ ومن هو الذي وجدته فوراً؟ ـ لوتس ولفجانج. بعد انتهاء الاجتماع عقدت مجموعة من ضباط الموساد اجتماعا مصغرا لبحث تفاصيل ارسال لوتس ولفجانج الى القاهرة وسأل احدهم.. هل انتهى من دورته التدريبية؟ فرد أحدهم نعم يا سيدي لقد أخذ دورات مكثفة ضمن البرنامج المركزي الذي يخضع له جميع عملائنا واصبح يجيد استخدام كل الادوات وعمليات الارسال والاستقبال وكل انواع الشفرات.. ولكننا سنرسله الى مصر.. لذا يجب البدء فورا باعطائه دورة مكثفة في تاريخ مصر وسياستها وثقافتها وطبيعة شعبها لكي يتمكن من الالتحام بالمصريين والوقوف على نوعية الاسلحة التي ارسلها السوفييت لعبد الناصر وطبيعة المهندسين الألمان وخبراتهم ونوعية مهمتهم في مصر.. وهو بالتأكيد لابد ان يدرب على كيفية اقامة علاقة مع ابناء شعبه الاصلي من المهندسين والخبراء الألمان.. ـ ولكن هناك مشكلة يا سيدي..؟ ـ وما هي..؟ ـ ماذا لو عرف المصريون حقيقة لوتس وانه يهودي وليس المانيا..؟ ـ ماذا تقصد..؟ ـ اقصد ان لوتس في «اسرائيل» منذ ان كان عمره 12 سنة وشارك في حروب ضد العرب وضد المصريين واذا كشفه المصريون سيعدم في أول يوم يصل فيه لمصر!! ـ وما الحل؟ ـ لابد من عمل تغطية مضمونة له باكسابه شخصية بتاريخ يختلف تماما عن تاريخه اليهودي وان تكون هذه الشخصية ألمانية.. ـ كيف؟ ـ نستخرج له اوراقا جديدة تقول انه عند الهجرة من ألمانيا بقى هو ولم يهاجر وانه انضم الى جيش رومل في حربه في شمال افريقيا وان دوره في هذه الحرب كان استجواب الاسرى الألمان وبقدرته على التمثيل وتقمص الأدوار يستطيع ان يقنع الجميع بصدقه. وانه بعد الحرب انتقل الى استراليا وعاش فيها 11 سنة يربى خيول السباق ويروضها حتى اصبح خبيرا وبعد ان مل من استراليا عاد الى وطنه المانيا مرة اخرى. وافق الجميع على الفكرة التي تم عرضها بسرعة على كبيرهم ايسر الذي ابدى اعجابه بها وبتاريخ العميل المشرف في العمل من أجل «اسرائيل». التنفيذ في ديسمبر العام 1959 وصل لوتس بناء على الخطة التي وضعتها اجهزة الموساد الى مطار برلين، وعندما وقف امام شباك ضابط الجوازات قدم له جواز سفره الألماني ولما سأله الضابط اين كنت طيلة هذه المدة؟ قال لقد سئمت العيش في «اسرائيل» وقررت العودة الى وطني ومسقط رأسي. وحسب الخطة استأجر شقة ببرلين بقى بها عدة اشهر لكنه ما لبث ان انتقل منها الى شقة اخرى ثم انتقل الى ميونيخ وظل بها وقتا قصيرا ثم انتقل الى هامبورج ومنها الى بون ومن بون الى ميونيخ مرة اخرى وعمد الى ذلك حتى يصعب اقتفاء اثره او التعرف عليه من قبل المخابرات المصرية اذا ما شكت في امره يوما ما.. مرت سنة كاملة على ولفجانج وهو يتنقل من شقة الى اخرى في المانيا ومدنها الى ان صدرت له التعليمات بالتوجه الى مصر.. وكان هذا العميل من الجرأة بدرجة جعلته يقود سيارته بنفسه من ميونيخ الى جنوة الايطالية ثم اخذ طريقه الى ميناء جنوة وهناك ترك سيارته التي تحمل الارقام الالمانية باسم لوتس ولفجانج وابحر بسفينة ايطالية الى الاسكندرية التي وصلها في يناير العام 1961.