الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 ألوف البشر الذين خرجوا، مؤخرا للتظاهر في واشنطن تكلموا بلسان ملايين الاميركيين الذين يتجاهلهم السياسيون والاعلام والذين اغضبتهم خطط بوش لشن غزو لامبرر له ضد العراق، وهؤلاء يعرفون ان حكومتهم تكذب حين تبرر الحرب بالحديث عن «اسلحة الدمار الشامل» وباثارة المشاعر بمأساة 11 سبتمبر، ان المذبحة التي يتم التحضير لها الآن ضد العراق تمثل احياء للاستعمار بأبشع اشكاله، فآلاف لا حصر لها من العراقيين ستحرقهم الحرب العدوانية هذه بهدف الاستيلاء على حقول النفط وارساء امبراطورية اميركية قاعدتها ارهاب العالم. واولئك الذين تظاهروا في العاصمة الاميركية يريدون منع الحكومة الاميركية من ارتكاب جريمة مرعبة ضد الانسانية فالحرب الوشيكة ستشهد ممارسة اقوى دولة صناعية في العالم لقوتها العسكرية الهائلة ضد دولة لاحول لها ولا قوة تعرضت لهزيمة عسكرية عام 1991 تلتها حتى الآن حملة قصف جوي متواصلة وعقوبات اقتصادية اديتا حتى الآن لمقتل حوالي مليوني نسمة. وقد اوضح مسئولو ادارة بوش ان واشنطن تنوي تحويل العراق الى ارض خاضعة للسيطرة الاميركية وتشير تقارير صحافية حديثة الا ان هؤلاء اوضحوا ايضا انهم يريدون تحقيق هدفهم بكل السبل، فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في يوم 22 اكتوبر وثيقة عن حرب المدن وضعتها هيئة الاركان المشتركة الاميركية تدعو لاستخدام قوة نيران ساحقة للاستيلاء على المدن العراقية. ويتضمن التقرير المنشور في الصحيفة الاميركية الدروس المستفادة من الهجمات العسكرية السابقة على التجمعات السكنية مثل القصف الجوي الاميركي على بلغراد والحصار الروسي للعاصمة الشيشانية غروزني والتدمير الاسرائيلي لجنين وتوضح الوثيقة ان الغزاة الاميركان في سعيهم للسيطرة على المدن العراقية «يجب ان يستخدموا قوة نيران ساحقة» لكسب او تدمير اهدافهم «بسرعة وقوة نيران ومفاجأة كبيرة» تجعل اي مقاومة لهم تنهار. لكن على الرغم من تجارة الحرب التي تمارسها ادارة بوش والدعاية الشوفينية التي يمارسها الاعلام الاميركي هناك معارضة عميقة وواسعة بين الشعب ضد الحرب على العراق غير ان المهمة الكبرى التي تواجه اولئك المشاركين في تظاهرات واشنطن هي تحويل المعارضة الواسعة لكن المضطربة للحرب الى حركة سياسة قوية ذات توجه اجتماعي، ان الاحتجاجات مهمة للحرب وضرورية ليعرف العالم ان الشعب الاميركي لايساند السياسات الافتراسية للحكومة الاميركية الا انها ليست كافية. فالصراع ضد الحرب يتطلب اكثر من الغضبة الاخلاقية والشجاعة الشخصية واولئك الذين يحتجون على الحرب يجب قبل اي شيء آخر ان يفهموا الاسباب الحقيقية لها ثم تطوير برنامج تنطلق منه حركة شاملة ضد الحرب بناء على هذا الفهم.ان الغزو المزمع ضد العراق هو حرب امبريالية وفي التحليل النهائي لها نجد ان المصالح التجارية الكبرى ذاتها التي تحدد شكل السياسات السائدة في الولايات المتحدة هي نفسها التي تقف وراء سلوكها العسكري الخارجي.إن الامبرالية الأميركية هي التعبير العالمي عن المصالح الطبقية التي تسعى لتحقيقها اقوى الفئات في الطبقة الرأسمالية داخل الولايات المتحدة. فقد وصلت المكتسبات الطبقية حدا جعل المجتمع بأكمله خاضعا لحكم البلوتوقراطية (حكومة الاثرياء). وعلى سبيل المثال تشير احدث الاحصائيات الى ان اغنى 13 الف عائلة في اميركا تحصل على دخل يوازي ما تحصل عليه افقر 20 مليون اسرة اميركية. والعائلات الـ 13 هذه تتمتع بدخول تبلغ 300 صنف معدل دخل الاسرة متوسطة الحال، اضف لذلك ان الاعوام الثلاثين الماضية شهدت ارتفاع الدخل السنوي الحقيقي الذي يحصل عليه كبار المدراء التنفيذيين في الشركات الاميركية من 13 مليون دولار، 39 ضعف معدل اجر الموظفين حينها، الى 373 مليون دولار حاليا، أي اكثر من 1000 ضعف دخل العمالة العادية. وإلى جانب تركز الثروة، ظهر التفسخ العميق الذي تشهده الاشكال والمؤسسات التقليدية للديمقراطية الأميركية، فالديمقراطية لا يمكن لها نهاية الامر ان تبقى حية في مجتمع منقسم اقتصاديا بهذا الشكل الصارخ. اذ ان السواد الاعظم من الشعب قد استبعدوا بطريقة منهجية من اي مشاركة حقيقية في الحياة السياسية مع تطور الحزبين بطريقة أكثر وضوحا كمدافعين عن الاثرياء. وهذا ما يمكن له ان يفسر غياب اي اختلافات سياسية فعلية بين حزبي النخبة السياسية، الجمهوريون والديمقراطيون. حيث يجد الحزبان ارضية مشتركة بينهما بخصوص كل القضايا الحيوية التي تتعلق «بالمصالح الوطنية»، أي المصالح العالمية للطبقة الرأسمالية. فقد صوت الحزب الديمقراطي لصالح اعطاء الرئيس جورج بوش، الذي اصبح رئيسا بفضل عملية فساد سياسي، صلاحيات غير مسبوقة بشن الحروب. وأيدي زعامات الديمقراطيين من مثل داشل وجيفارت واتباعهم في الكونغرس ملوثة بالدماء بقدر ما هي ملوثة ايادي بوش وتشيني ورامسفيلد. ليس هناك خطأ اكثر فداحة من اعتبار الحزب الديمقراطي بديلا للجمهوري كممثل للطبقة العاملة. وهذا درس سياسي مهم اظهرته الحركات السابقة المناهضة للحرب. فالمعارضة الواسعة ضد حرب فيتنام فشلت نهائيا ومأساويا في كبح جماح العسكريتاريا الاميركية لانها كانت تفتقد لمنظور سياسي عملي. فالاوهام بنصوص الحزب الديمقراطي جعلت من المعارضة الشاملة محتواة على نحو آمن ضمن قنوات السياسات الرأسمالية ونظام الحزبين. وبعد بضع سنوات من نهاية حرب فيتنام، شنت النخبة المالية وحزبيها هجوما على الطبقة العاملة عبر تفكيك النقابات وتخفيض الاجور والتخفيضات القاسية في البرامج الاجتماعية من جانب، والتخفيضات الضريبية الضخمة عن الشركات الكبيرة والاثرياء من جانب آخر. والنتيجة، اللامساواة الاجتماعية عادت الى مستويات لم تشهدها إلا في العشرينيات من القرن الماضي. وفي غضون ذلك، أخذ السخط الذي لم يجد انعكاسا له في البنية السياسية العليا يتنامى ويتكثف تحت السطح مباشرة.إن الطبقة العاملة الأميركية ومناهضي الحرب والعسكريتاريا الامبرالية يجب ان تتحول الى هذا الشكل من القوة الاجتماعية الكبيرة بحيث تحمل امكانيات تحولها الى قوة اكبر من النخبة الرأسمالية الحاكمة. فملايين الناس من العمال في المصانع والمكاتب والمدارس والمشافي ممن يعتمدون في حياتهم على ما يتقاضون من مرتبات، يمثلون قوة هائلة لم يسمع عنها أحد لانها مستبعدة من المجتمع الرسمي ونظام الحزبين. وهيئة الطبقة العاملة ـ المستقلة والمناوبة للجمهوريين والديمقراطيين ولنظام المزايا الطبقية بأكمله ـ يجب ان تصبح الاساس الذي يرتكز عليه تطوير حركة عالمية ضد العسكريتاريا والحرب الامبريالية.والصراع ضد الحرب يجب ان يكون جزءا من برنامج اجتماعي يعالج القضايا الملتهبة مثل البطالة والمعايير المعيشية والتعليم والرعاية الصحية والاسكان وان يكون قتالا للدفاع عن الحقوق الديمقراطية وتوسيعها، أما قضيته الجوهرية فهي الدفاع عن العدالة الاجتماعية. ترجمة: جلال الخليل عن «ورلد سوشاليست»