الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 ربما تكون الاطباق الطائرة من أكثر الظواهر غموضاً في العصر الحالي. فهذه الظاهرة التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين أصبحت من أكثر القضايا اثارة للجدل، وطُرحت عشرات النظريات العلمية والنفسية لتفسيرها من دون جدوى. وربما يكمن السبب الأكبر في هذا الاهتمام في فضول الانسان لمعرفة النظام الكوني والكواكب والنجوم التي لا حصر لها في هذا الفضاء الواسع المحيط به والذي لا نعرف عنه سوى الشيء القليل، وكذلك لمعرفة حقيقة الأطباق الطائرة والكائنات «الغرباء» على متنها: بماذا يختلفون عنا؟ هل هم مسالمون أو عدائيون؟ من أين يأتون وماذا يريدون؟ هل يمثلون حقاً الجنس البشري القادم الذي سيحتل كوكبنا قريباً؟ وثمة الكثير من الاسئلة التي لا جواب علمياً لها في حل هذه المعضلة. وهذه الاسئلة والكثير غيرها يطرح الكاتب كولن ولسون الاجابة عنها في كتابه الموسوعي: «فجر الغرباء بحث في تجارب الاتصال»، بعد أن سبق له أن ناقش هذه الظاهرة في بعض كتبه مثل كتابي «موسوعة الألغاز المستعصية» و «ظاهرة الأطباق الطائرة». ويمكننا تقديم هذا الكتاب بالقول ان ظاهرة الاطباق الطائرة ليس بلغز من اليسير حله، أو حيلة يمكننا تجاهلها: وانما هي ظاهرة تستحق منا العناية والدراسة، فهي تتعلق بالجنس البشري برمته. وهذا الكتاب خلاصة لجهود مضنية قام بها الكاتب: «الذي ألف أكثر من مئتي كتاب والعديد من الأبحاث والوثائق ،ناهيك عن لقاءاته بكتاب وباحثين واناس شاهدوا أو تعرضوا لهذه الظاهرة. لقد كان الكاتب متشككاً في هذه الظاهرة باديء الامر، على الرغم من أنه تعرض أو مارس بعض الظواهر الغريبة، كظاهرة توارد الأفكار في علاقته مع زوجته وابنته وظاهرة التصادفية، ريثما قابل جون ماك ـ العالم النفساني بجامعة هارفرد ـ في مؤتمر عن نشوء الوعي في بوسطن عام 1995 ـ فكان مندهشا بالأفكار والحوادث التي تمت مناقشتها والمتعلقة بهذه الظاهرة المحيرة ». الأطباق الطائرة ظاهرة غريبة تماماً بهذا القول ينطلق الكاتب في توضيح رأيه الخاص عن هذه الظاهرة، الذي يراه التفسير المنطقي الوحيد الممكن لها. فهي ليست كما يتصور معظم الناس أجساماً معدنية مشعة تنتقل من مكان الى آخر ومن كوكب الى آخر على نحو أسهل مما تفعله طائراتنا ومركباتنا الفضائية، وتخضع لقوانين الفيزياء. انها باختصار ظاهرة تخالف كل قوانيننا التي نعرفها عن هذا الكون: مراقبتها عن قرب لكوكبنا، ظهورها في الطرق والشوارع الفارغة والاماكن النائية مثل المزارع، قدرتها الخارقة في فهم العقل البشري والتأثير فيه. وليس بوسع الفيزياء، كما يعتقد البعض مخطئين، أن تجد نظرية «كل الأشياء» في حل كل سؤال ممكن عن الكون. فبعد أن كانت المشكلة في السابق تتعلق بشكل الأرض وحالات المادة والنشوء وأصل الأشياء والذرة ومن ثم بعض الظواهر المستعصية، مثل الشبح الضاج ومثلث برمودا، أضحت مشكلة العصر الحالي هي الأطباق الطائرة. وهي ليست هلوسات عقلية ينتجها عقلنا اللاواعي، كما يذكر العالم النفسي كارل يونغ في تفسيره لها، فليس من المعقول أن يعاني مئات الاف من البشر من الهلوسة في الوقت الذي تطرح سؤالاً يناقض ذلك تماماً: لماذا يتحول من يرى الاطباق الطائرة أو يتعرض الى تجربة اختطاف من قبل الكائنات الموجودة على متنها الى شخص أكثر فاعلية وفهماً للكون المحيط به؟ ولماذا تظهر قدرات جديدة لدى ممارس هذه التجربة؟ وما السبب للشعور بالسكينة لمن يمارس تجربة الاتصال بها.؟ وأمام مثل هذه الظاهرة المستعصية شعرت بالحرج الشديد معظم الهيئات الحكومية في كثير من الدول كالولايات المتحدة وبريطانيا فقامت كبرى مؤسساتها العسكرية والاستخباراتية، مثل البنتاغون والسي آي ايه. بتصنيفها على انها أشباح أو ثعابين بحار، أو شيء يمكن تجاهله بأمان، اذ ليس ثمة اختلاف بوجوده أو عدمه. واكتفت البحرية الأسترالية بالتصريح بأن الأطباق الطائرة انعكسات على الغيوم، لا وجود حقيقياً لها. وكانت في البداية بالنسبة للكثيرين مجرد أجسام مشعة في السماء شأن بالونات الهواء أو الطائرات العمودية. ومع بدء موجة الاختطاف بالظهور بالنسبة لألوف الأشخاص، بات من الغباء تجاهلها، لأنها ليست بقصة لا تؤثر في البشر جميعاً مثل وحش بحيرة نيس أو رجل الثلج، فهي تتعلق بالجنس البشري برمته. وتتجسد هذه الظاهرة في شيئين محددين، هما: حوادث الاختطاف والدوائر الغامضة في بعض الحقول. حوادث الاختطاف يستعرض الكاتب في الفصل الاول كتاب جون ماك «اختطاف» الذي يتطرق فيه لحالات اختطاف تعرض لها عدد ليس بالقليل من الأشخاص على متن مراكب فضائية. وهؤلاء الأشخاص يمثلون مختلف شرائح المجتمع من طلاب ومزارعين وأكاديميين وربات بيوت وكتاب واختصاصيين في الحاسوب واطباء نفسانيين تتراوح اعمارهم بين سن النضج وسن الخامسة والسبعين، ناهيك عن العدد الكبير جداً من الاشخاص الذين شاهدوا هبوطها «كالراهب وليث بوث الذي شاهد هبوط احداها عام 1959 بالقرب من منزله أثناء خروجه. لايعاني معظم هؤلاء الاشخاص من أمراض نفسية أو صدمات عاطفية ولا يبحثون عن الشهرة، وليس لديهم معرفة سابقة أو اطلاع بهذه الظاهرة. لقد كان السبب في عدم افصاح الكثير منهم عن هذه التجربة الخوف من الاتهام بالجنون، الذي كان شائعاً بالنسبة لمن يؤمن بوجود مثل هذه الظاهرة حتى وقت قريب. ومما يثير الاستغراب أن ما يذكره هؤلاء الاشخاص من وصف للغرباء متطابق الى درجة كبيرة: يبلغ طولهم ثلاثة أقدام، ذوو رؤوس تشبه اليقطين، خدود مرتفعة كثيرة اللحم، عيون واسعة مائلة الى جانبي الرأس، أفواه من دون شفاه وذقون حادة وانعدام وجود الأذنين. ويقوم الغرباء بنقل الناس من أسرَتهم الى مركبات فضائية. وعند العودة لا يتذكرون شيئاً من تلك التجربة، أو يتصورون انها حلم مزعج لا صلة له بالواقع. واذا ما خضع ممارس تلك التجربة الى التنويم المغناطيسي او الى جرعات من عقار ال. اس. دى وهو عقار قامت مختبرات ساندوز في بازل بصناعته وارساله الى الاطباء النفسيين في معظم أنحاء العالم ويساعد كثيراً في استذكار التجارب والاتصال مرة أخرى بالواقع عند كثير من المرضى، ويبدأ هذا الممارس بتذكر تلك التجربة على نحو دقيق، مثلما حصل مع كاثرين التي عادت الى بيتها وهي تعاني من نزيف بسيط في الانف وأدركت أن 45 دقيقة كانت مفقودة. شاهدت في اليوم التالي في التلفاز أن صحناً طائراً قد هبط في بوسطن. وبعد جلسة من التنويم المغناطيسي تذكرت التجربة بتفاصيلهاحيث أخذت الى غرفة واسعة جداً تحتوي على عدد كبير من الطاولات وأُدخلت أداة حادة دقيقة الى جسدها لاجراء فحص دقيق. وعندما سألت بغضب عما كانوا يفعلونه، أجاب أحدهم بأنه جزء من التغيير الذي يودون احداثه في الجنس البشري، وان ذلك خطوة من خطوات الأبحاث التي يقومون بها منذ الاف السنين من دون أن يفصحوا عن فحوى هذه الابحاث. علمت كاثرين بعد سلسلة من جلسات التنويم المغناطيسي عند طبيبها النفساني أن هذه هي المرة الثالثة التي تعرضت فيها للاختطاف على يد الغرباء كانت الاولى في سن الثالثة، والثانية في سن السابعة، وباتت بعد تلك التجربة اكثر سكينة وتطور ذكاؤها الى درجة كبيرة. «والملاحظ أن من يتعرض لهذه التجربة يحدث لديه تغير واضح في نمط تفكيره وجسده أحياناً». فمثلا ما حصل مع الدكتور «أكس» الذي اختفى جرح قدمه عندما شاهد طبقا طائراً وظهرت علاقة توارد في الأفكار بينه وبين زوجته. أما فلورا البالغة من العمر 28 عاماً فقد كانت تعاني من ميول عنيفة للانتحار حيث أُدخلت السجن في عمر السادسة عشرة بعد عملية سطو اشتركت فيها وأدت الى مقتل أحد الحراس الليليين. وبدأت بتعاطي المخدرات عندما أُفرج عنها بكفالة بعد أربع سنوات. وحاولت الانتحار عدة مرات بدفع سيارتها من على منحدر عالٍ أو بالتصادم مع سيارة أخرى. ومما زاد من حالة الاحباط واليأس لديها اصابتها لصديقها عندما كانت تنظف المسدس. وبعد جلسات من العلاج على يد الدكتور غروف وبدأت بحضور الدروس الدينية وأصبحت أكثر تفاؤلاً في حياتها اليومية. لمحات التناقض يفسر الكاتب بعد استعراضه لعشرات من الحالات المماثلة للاختطاف أن الاطباق الطائرة ليست، كما يظن البعض مجسات فضائية، بل أن كل الدلائل تشير الى انها شكل من أشكال الطاقة، وسلوكها على درجة كبيرة من التناقض قدرتها على الظهور من لا مكان، مخالفتها لقوانين الكتلة بتغيير اتجاهها بسرع هائلة، اذ تختفي في جزء من السماء وتظهر تلقائياً في جزء آخر. ولديها قدر هائل من الذكاء يفوق ما لدينا نحن البشر، ويعجز المنطق العام عن تفسيره، وهذا الامر أدركه ممارسو تجربة الاتصال معهم عن قرب، حيث يبدو البشر الخاضعون للتجربة أنهم مسلوبو القوى كالاطفال بين يديهم. وتستطيع هذه الصحون أن تظهر ويراها أحد الاشخاص من دون الآخر كما حصل مع أندريه بوهاريش ويوري كيلر، حيث شاهدا الاطباق الطائرة بينما لم يستطع رفاقهم الاخرون الذين كانوا بصحبتهم مشاهدتها «وهؤلاء الاشخاص لديهم عادة قدرة غير اعتيادية مثل القوى العقلية النفسية حيث يتلقون اتصالات توارد الافكار تؤكد لهم دورهم كمنقذين للأرض، وتبرهن تنبؤاتهم عن المستقبل صحتها». ويضرب لنا مثلاً الكاتب يوري كيلر الذي التقاه ولسون واستطاع أن يقرأ أفكار الاخير عندما أخرج، وظهره الى الحائط، رسماً لحيوان وهمي يماثل الى درجة كبيرة ما اعتاد ولسون رسمه عندما يمزح مع صغاره. «ولاحظ الكاتب وهو في صحبة كيلر تياراً من الظواهر الغريبة كسقوط الاواني من الطاولات وتشغيل حهاز التسجيل تلقائياً». وتستطيع هذه الكائنات أيضاً نقل الاشخاص من خلال الجدران والنوافذ وقذفهم داخل الأطباق الطائرة، في حين ان بوسع موجات صوتية راديوية معينة أن توقف محرك السيارة. وبالنسبة للوقت الضائع، كما حصل مع كاثرين، فيقول الكاتب أن التفسير المنطقي : «هو تسريع الزمن الذي يراه الخاضع للتجربة بحيث تبدو بضع ثوان دقيقة كاملة، أو ان ذلك الشخص لا يُنقل جسدياً، بل يخضع لتجربة الخروج من الجسد». وهذا يخالف ما يذكره الكاتب عن أشخاص تم اختطافهم لأكثر من اسبوعين». أما بالنسبة لقدرة التنويم المغناطيسي في استذكار التجربة فيطرح الكاتب تفسيراً رائعاً يقارن فيه بين الدماغ والهولوغراف ذي الثلاثة ابعاد. فالمعلومات تخزن في الدماغ الذي يشبه الهولوغراف، الذي هو في الحقيقة مجرد عرض للضوء كالصور الموجودة على شاشة السينما. ويحصل ذلك عند مرور حزمتين من الضوء الليزري في صفيحة فوتوغرافية فيتكون شكل متموج بفعل تداخل حزمتي الضوء الليزري. واذا ما حصل التداخل على صفيحة فوتوغرافية وارتد أحد الضوءين من جسم ما كوجه بشري أو تفاحة، فسيكون الشكل الذي يظهر على الصفيحة مجرد حلقات من الموجات، وليس وجهاً أو تفاحة، ريثما تمر حزمة ليزرية مستقيمة من خلال الصفيحة أو أن ترتد منها، فيظهر الوجه أو التفاحة فجأةً عالقاً في الهواء لا يمكن التمييز بينه وبين الصورة الحقيقية. وفي الحقيقة فان هذا الشكل على الصفيحة هو الهولوغراف الذي له خاصية غريبة: اذا ما شطرت الصفيحة الى نصفين ووجهت حزمة ضوئية من خلالها، فلن تكون النتيجة نصف وجه، بل تكون وجهاً كاملاً أقل وضوحاً الى حد ما. وستكون النتيجة نفسها حتى عند كسر زاوية صغيرة من الصفيحة، وجهاً كاملاً ضبابياً بعض الشيء. وبعبارة أخرى، كل جزء من الصفيحة يحتوي على الهولوغراف كاملاً. وهكذا فاننا اذا ما تعلمنا شيئاً، فستكون النتيجة ان تلك المعلومات سيتم تصويرها داخل الدماغ كله. وهذا هو التفسير المنطقي لفشل العالم كارل لاشلي في محو ذاكرة الجرذان اذ كان عليه تدمير الدماغ بالكامل لتحقيق ذلك. وهذا يوضح لنا عجز الغرباء عن تحقيق محو كامل لذاكرة المخطوفينـ ويبدو ان كل ما استطاعوا القيام به هو اغلاق الذاكرة، كما يفعل المنوّم المغناطيسي باغلاق الذاكرة من خلال الايحاء. ولكن عندما يغلق منوّم مغناطيسي الذكرة، فان بمقدور منوّم آخر فتحها، ومن الواضح أن للمنوّمين المغناطيسيين القدرة على القيام بذلك مع ذاكرة المختطفين. دوائر الحقول اقترن لغز ظاهرة الاطباق الطائرة بالدوائر التي ظهرت في بعض الحقول. لقد بدأت الدوائر بالظهور في منتصف أغسطس عام 1980. في مزرعة جون سكل الكائنة في ولتشاير، وأثارت موجة من الشك والحيرة في الصحف، من دون العثور على حل مقنع لهذه الظاهرة. اعتقد صاحب المزرعة أن ذلك عمل تخريبي وربما شاء احد الاشخاص القيام بمزحة من العيار الثقيل معه. حاول الكثير ممن زاروا الموقع وضع تفسير مقنع لهذه المسألة بعد أن غدت موضع اهتمام للصحف والمهتمين بظواهر ما وراء الطبيعة. زار المحرر الدكتور تيرنس ميدل المزرعة وتفحص الدوائر عن كثب. توصل ميدل الى أن هذه الدوائر قد تم عملها في ثلاث ليالٍ منفصلة بين مايو ويوليو وان سكل ببساطة لم يلحظها. طرح ميدل فرضيته بأن زوبعة ترابية قد قامت بذلك، لأن ذلك هو التفسير المنطقي الوحيد كما رآه. ولكن هذا الرأي سرعان ما أثبت عدم صحته. فالدوائر الثلاث كانت بقطر 60 قدماً وليس بوسع الزوابع ولا حتى الاعصار المدمر، كما هو معروف علمياً، أن تبلغ هذا القطر. وما يدحض نظرية الزوبعة أيضاً ظهور خمس دوائر في مزرعة في جيزهيد دائرة كبيرة وأربع دوائر كل واحدة داخل الأخرى على نحو غاية في الدقة. فمن المستحيل أن تكون خمس دوائر في مكان واحد بهذه الدقة من الانتظام. بالاضافة الى ذلك كانت تلك منطقة مستوية تحول دون تكوين الزوابع، التي هي بحاجة الى تلال للتكون والحركة. وظهرت الدوائر في مناطق مختلفة من العالم في الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا والسويد واستراليا والنرويج واليابان. وفي كندا شاهد المزارع ايدون هوفر هبوط صحن طائر مشع تبعته أربعة صحون خلّفت وراءها دوائر محترقة بعض الشيء. أعلن استاذ ياباني يدعى يوشيكيكو اهتوسكي انه وجد الحل لهذه المشكلة. لقد قام بتصنيع كرة نارية من البلازما المرنة التي تتصف بأنها تتجرد عندما تتصادم الذرات بعنف وهذا لغز لا يوجد له حل علمي حتى الآن. تتكون هذه الكرات في العواصف وهي اما أن تنجرف كالبالونات قبل الانفجار مسببةً بعض الضرر أو تختفي كالفقاعة. ومع ذلك وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله اهتوسكي في تصنيع الكرة فقد أخفق في تفسير لغز الدوائر عندما أشار أحد طلابه الى أن حجم كرة النار كان بحجم الجريب فروت بينما كان حجم الدوائر أكثر من ستين قدماً. وبالاضافة الى ذلك لم تظهر أية كرة نار بمثل هذا الحجم الهائل من قبل، والتي ستجذب عند انفجارها انتباه الساكنين على بعد أميال من موقع الدوائر. كان من الطبيعي أن تجذب مثل هذه الظاهرة الكثير من المحتالين مثل دوغ باور وديف كورلي اللذين ادعيا عام 1991 بأنهما قاما بعمل هذه الدوائر مستخدمين محراثاً بسيطاً يسهل حمله لاثارة الرأي العالم من خلال مزحة عملية. وعلى الرغم من الذكاء الذي ظهر عليه معظم المحتالين وتصديق بعض وسائل الاعلام باعتباره الحل الأكثر قبولاً ، فان المنطق العام، حتى ولو صدقّ بأن بعض الدوائر من صنع محتالين، سيرى انه لمن المتعذر أن يقوم المحتالون بتصميم هذه الدوائر على نحو بالغ الدقة خلال ساعات محدودة في جنح الظلام. ومن المستحيل أن يتم تصميم مثل هذه الدوائر في أحد حقول الأرز اليابانية ذات الارض الطرية المستوية من دون أن يخلفوا وراءهم أي أثر، الاّ اذا سلمنا بأنهم كانوا مربوطين بحبل متدل من طائرة، وهو الأمر الذي لم يحصل أبداً. زد على ذلك انه ليس ثمة سبب يدعو المحتالين للوذ بالصمت فترة طويلة من الزمن منذ عام 1980.وحتى عام 1991 ليعلنوا عن أنفسهم، بعد أن أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل للصحافة. واذا ما كانت مزحة عملية، ستصبح هذه المزحة لا قيمة لها بعد الاعلان عنها في حين استمر ظهور الدوائر في مناطق مختلفة. وفي عام 1991 قام ميدن بحملة مولتها الجامعات اليابانية وهيئة الاذاعة البريطانية لكشف زيف الحيل وتيارات الهواء، وتم نصب رادار حساس له قدرة على ذلك في احدى المزارع. وبعد ستة أشهر ظهرت دائرتان بالقرب من مركز الرادار من دون أن يسجل أي أثر لدخول بشري او لتيارات ترابية. وعندما تفحص العالم الاحيائي الفيزيائي الاميركي ليفنجود عينات من النباتات الموجودة في هذه الحقول كالذرة والبطاطا لاحظ أنها ذات حجم أكبر لا يتم الحصول عليه الا في الفرن ذي الموجات الميكروية، في الوقت الذي أخذ شكل بذور الخلايا بالتغير. وخلص لينجود الى القول ان مثل هذه التحولات تؤثر في الفيزياء الاحيائية والفيزياء الكيميائية الاساسية لهذه النباتات. اتخذت الظاهرة بعدها منحى آخر فكلما تمت المحاولة للتوصل الى صيغة ثابتة حول شكل الدوائر، ظهر شكل آخر يخالف الاول تماماً. فبعد أن كان اتجاه الدوائر مع عقارب الساعة أصبحت عكس هذه الاتجاه، ومن ثم الى الشمال والجنوب. وتحولت الدوائر الى خطوط مستقيمة او أشكال هندسية أخرى كالمثلثات والمستطيلات. كان الامر ببساطة كأن الغرباء يودون القول: «نحن هنا على مقربة منكم، ونعرف ما يدور في ذهنكم». يفسر المؤلف هذه الظاهرة بأن شيئاً ما أو شخصاً ما يحاول الاتصال بنا. فلقد بدا أن مصممي الدوائر في جدل تام مع من يحاول التصديق بوجودهم. وفُسرت الدوائر اولاً على انها نتيجة للزوابع لكن مثل هذا التفسير لو يوضح السبب في تكون عدة دوائر مختلفة في الوقت نفسه وفي مكان واحد أو اتخاذ الدوائر اشكالاً مختلفة كالمستقيمات. تم اللجوء بعدها الى تبرير الدوائر بأنها من عمل المحتالين، ومع ذلك أخفق هذا التفسير حيث استمرت الدوائر بالظهور على نحو متزايد، خاصة في بعض المواقع القديمة. وحتى بعد أن درس ملاح الفضاء الشهير هوكنز عدة سنين بجهد مضن الاشكال الهندسية للدوائر ووجد علاقة رياضية بينها، بدأت الدوائر باتخاذ أشكال مختلفة معقدة كالمثلثات والمربعات والاشكال السداسية، حيث باتت تحمل أهمية رمزية ـ وليست هندسية ـ تشابه اشارات دائرة الابراج. وكل ذلك يظهر على ما يبدو ان مصممي الدوائر قد قرروا مواصلة محاولات الاتصال حتى يتم فهمهم. السؤال الأكثر أهمية يصنف المؤلف في استعراضه لهذه الظاهرة و ارتباطها بالعقل البشري وعي الانسان الى ثمانية مستويات. يمثل المستوى الاول الاحلام، والمستوى الثاني حالة الوعي السلبية المجردة التي يكون فيها العقل مجرد مرآة عاكسة لا تكترث بما يحيط بها. وعند المستوى الثالث يبدو العقل فعّالاً، على الرغم من الشعور بأنه مرهون لا حول له بالقدر أو البيئة. ويسمى المستوى الرابع «الوعي الطبيعي» الذي نمارسه يومياً. ومع ذلك هناك حالة من الشعور باليأس والتشاؤم عند هذا المستوى. ويسمى الكاتب المستوى الخامس «بوعي صبيحة ربيعية» يشعر فيه المرء بمعنى رائع للصفاء والوعي الواسع، حيث يبدو العالم مشعاً بالمعنى. ومع ذلك يميل هذا الاحساس للاستمرار ساعات قلائل في أكثر الأحوال. أما المستوى السادس فهو صيغة دائمة للمستوى الخامس يشبه الاحساس الذي يعيشه الزوجان في شهر العسل حيث يبدو كل شيء من حولهما كاملاً. وعند المستوى السابع الذي يسميه الكاتب «الموهبة أكس» تكون هناك قدرة غريبة على فهم واقع الاماكن والازمنة الأخرى في حالة من السعي الواسع الخيال. ويمثل المستوى الثامن الوعي الصوفي الذي يكون من الممكن فيه للشخص التحدث دون مناقضة نفسه. وتبدو كل الحالات سلبية في ما دون المستوى الخامس، بينما يمكن الحصول على لمحات خاطفة لاحتمالات رائعة بعد المستوى الخامس، تشبه الى حد كبير الاحساس الذي يراود متسلق صخرة عالية ، حيث ينظر وهو في أعلى الصخرة الى المنظر الطبيعي، الذي يتطلب استكشافه فترة أشهر أو ربما سنين. ومثل هذا الاحساس شعر به أحد المحاربين في الحرب العالمية الثانية. فبعد أيام من الاحباط في جبهة القتال بدأ «سيل من الافكار» يومض في ذهنه ويتعلق بالكون ومعنى الواقع. ولمدة عشر دقائق انغمر هذا المحارب في شعور من البهجة وبدأ بعدها يسمع صوتاً في رأسه يقول: «هذا يكفي حتى الآن للاستمرار به» .وهكذا فان الناس الذين اتصلوا بالاطباق الطائرة قد تحولت نظرتهم عن الواقع ومارسوا شكلاً من أشكال «وعي الاطباق الطائرة» كما يسميه يونغ. وبالنسبة لمعظم البشر تكمن المشكلة في هيمنة الواقع المادي لديهم على الواقع العقلي، على عكس ما يتمتع به الغرباء من سيطرة تامة للعقل. فهذا الواقع العقلي النفسي يسير موازياً للعالم المادي و تمثل «الاشباح والعفاريت والأشباح الضاجة والجن التي هي في الواقع موجودة كوجود الذرات والالكترونيات غزوات لهذا الواقع الآخر». والانسان في حاجة الى التركيز على الحاضر والتنبؤ بالمستقبل ليظل على قيد الحياة، بعد أن تخلص في مرحلة ما من تاريخه من هذه «القوى العقلية النفسية» حالما بدأ بالعيش في المدينة مولياً اهتماماً أكبر نحو العربات ذات العجلات والفطنة التجارية لا الى الحيوانات المفترسة. ويرى من خلال تجاربه الخاصة أن معظم الحيوانات تمتلك قوى توارد أفكار، كما لاحظ على كلبته التي تنظر اليه وتولي له اهتماماً عندما يقرر أن يرمي لها قطعة طعام، في حين كانت مضطجعة بسلبية قبل ذلك بلحظات مدعية انها لا تولي اي اهتمام الى ما يدور حولها. ومثل هذه الاشارات قد فقدها معظم البشر. وجوهر المشكلة أن ما أصاب الحضارة الانسانية هو ضيق الفكر والهوس اللذين أفضيا الى نظرة كئيبة سوداء عن الواقع. ولا يسمح ضيق الفكر للانسان بالتركيز على مسألة البقاء ـ التي ليست بالاساس الهاجس الأول لسكان المدينة ـ بل على العكس ستضعه في فخ يشبه رؤية النفق التي تجرده من فهم أكبر للمعنى. والشيء المؤكد ان لدى جميع البشر عدداً من القدرات يفوق كثيراً ما يظهره الواقع الاعتيادي المحدود، فنحن حينما ننظر نتصور اننا نرى الواقع في حين لا نرى سوى جزء بسيط محدود منه. ويولد البعض ولديه رؤية أوسع من غيره ـ وهي ما تسمى بالقدرة النفسية العقلية ـ في حين يتعرض البعض كالشعراء والفنانين والفلاسفة الى حالة من الاختناق تدفعهم غريزياً الى البحث عن رؤية اوسع. وعند مثل هذه المرحلة أصبح الانسان في حاجة ماسة الى انقاذه من رؤية النفق الذي تحول دون هيمنة كاملة على «قدراته الخفية» .ويبدو ان تجارب ألاتصال او الاختطاف من جانب الاطباق الطائرة تساعد الانسان في الوصول الى مثل هذه الرؤية الواسعة عن الواقع واستغلال أكبر لقواه الخفية. ومثل هذه الرؤية حصلت مع احدى النساء التي كتبت الى العالم النفسي فالي تقول: «بدأت موجة من الجنس البشري الجديد قبل الاف السنين فأخذوا يسيرون في الارض ويتنفسون الهواء معنا، لكنهم في الوقت ذاته يسيرون في أرض أُخرى ويتنفسون هواءً مختلفاً لا نعرف عنه سوى الشيء البسيط جداً، أو لا شيء أبداً. أنه عالمنا الروحي الذي بدونه سيحصل هلاكنا الروحي». لقد كان السؤال الأكثر أهمية كما يراه المؤلف بعد أول مشاهدة لظاهرة الصحون الطائرة عام 1947 هو: هل جاءت من نطامنا الشمسي أو من مجرة أخرى؟ حيث لم تبدُ الكائنات التي تقف وراءها على اتفاق معنا في ما نراه من حدود الفضاء والزمن. أما الآن فان مثل هذا السؤال ليس مناسباً أو من الخطأ طرحه فتجارب الاختطاف والدوائر الموجودة على المحاصيل لا تكشف شيئاً عن هذه الظاهرة، بل تريد اشعارنا بأننا نتعامل مع كائنات لها قدرات تفوق ما لدينا بدرجة هائلة. وما قدرتها على السيطرة على تفكيرنا ومراقبة سلوكنا الاّ للتوضيح لنا بخطأ فكرتنا القائلة بان البشر هو الشكل الاكثر ذكاء على الارض. وكل ما تراه هذه الكائنات فينا ـ نحن البشر ـ اننا مجرد عينات على وشك الانتقال الى الحالة التي قد وصل اليها هؤلاء الزوار. ومع ذلك اذا ما فهم الانسان نفسه على النحو الصحيح لن يكون لديه أي سبب لاعتبار مثل هذه الكائنات افضل منه. اذن لا يكمن اللغز الأكبر في الاطباق الطائرة كظاهرة من الصعب استيعابها ـ بل فيما حيّر الفلاسفة منذ سقراط الذي قال «اعرف نفسك» .وبعد اكثر من ألفي سنة ونصف السنة ظل الانسان عاجزاً عن فهم قدراته. تأليف: كولن ولسون _ عرض ومناقشة: عمار فاضل عباس