الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 تعج شوارع مدينة ديكار بكر القديمة في جنوب شرقي تركيا ببائعي الخضروات المتجولين، والعربات التي تجرها الثيران، برجال بسراويل قطنية فضفاضة، ونساء بوشاحات فضية الاهداب. في السوق العثماني يمكنك ان ترتشف الشاي المحلي بالسكر، وتتابع الصاغة وهم يبدعون الحلى الصغيرة على ضوء مصابيح الشوارع، الى الجنوب من هذا المكان، تمتد سهول سوريا والشرق الاوسط، والى الشرق تشمخ الجبال المنحدرة بشمال العراق. تبدو المنطقة بأسرها بعيدة جدا عن أوروبا. وكما تفيد كتب ارشاد السياح «هنا تبدأ آسيا». لكن لا تقل ذلك للأتراك، فها هو سليمان آتيس، وهو راع اشيب في السابعة والخمسين من عمره من قرية صغيرة تقع في الهضاب الممتدة بشمالي ديار بكر، يصر على انه يعيش في أوروبا وليس في آسيا ولدى سؤاله عما اذا كان يشعر بنفسه أوروبيا ام آسيويا اكثر، صرخ مجيبا: «اوروبا! أوروبا!» وبالنسبة لشخص أنفق حياته يرعى الماشية في الوديان النائية بحوض الفرات العلوي، يظهر اتيس فهما مدهشا لتفاصيل مجريات الأمور في بروكسل. ويقول هذا القروي وهو في مجلسه امام طبق من الحليب والعسل: «لن تواجه تركيا اي مشكلات اذا التزمت بمعايير كوبنهاغن لعضوية الاتحاد الأوروبي». يظل الاتراك متحمسين ومناصرين لأوروبا بانفعال يعوزه التمييز، على الرغم من ان بروكسل ذكرت بوضوح انها ليست متحمسة كثيراً لضمهم إلى الاتحاد الأوروبي، 70 بالمئة في الشرائح الجماهيرية العريضة، من الاكراد في الجنوب الشرقي والائمة في الأناضول وسماسرة البورصة في اسطنبول الذين تلقوا تعليمهم بالولايات المتحدة، يرون في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الحل للعديد من مشكلاتهم: اقتصاد انكمش بنسبة 9 بالمئة العام الماضي، ولا يزال يغوص في أسوأ أزمة له منذ الحرب العالمية الثانية، احتمال اندلاع حرب مع العراق من شأنها ان تقضي على أي أمل بالانتعاش بل قد تتسبب أيضاً بتفجر اضطرابات جديدة مع الانفصاليين الاكراد في الجنوب الشرقي، وائتلاف حاكم تحول إلى مسلخ منذ انهياره وسط خلافات داخلية مريرة في شهر يوليو. ربما ينظر الاتراك إلى الاتحاد الأوروبي على انه مخلصهم لكن الحلول على الارجح ستأتي ـ إذا قدر لها ان تأتي ـ من الانتخابات العامة في الثالث من نوفمبر الجاري، وصناديق الاقتراع قد تقدم أحدث اجابة للسؤال الأبدي حول ما إذا كان هذا الحليف المخلص للغرب والعضو المسلم الوحيد في ملف «الناتو» يمضي نحو الحكم الاسلامي. وهذا الاقتراع سوف يخبر الاسواق والمستثمرين المرعوبين بما إذا كان من المرجح ان تستمر الاصلاحات الاقتصادية التي فرضها صندوق النقد الدولي كشرط لتقديم قروض بقيمة 16 مليار دولار، وقد يقدم دلالات ضمنية حول ما إذا كانت القوى القومية في تركيا اكثر ميلاً لقعقعة سيوفها في الاشهر المقبلة في العراق أو قبرص، تلك الجزيرة التي تتنازع عليها اليونان وتركيا منذ 28 عاماً، والتي تبدو مرشحة للدخول إلى الاتحاد الأوروبي قبل تركيا. الأمر المؤكد في هذه الانتخابات هو ان المتطفلين القدامى خارج اللعبة، فالناخبون سوف يصبون جام غضبهم على أصحاب المناصب ـ الذين تميز عهدهم باتهامات الفساد وسوء الادارة الاقتصادية ـ باقصاء كل أركان الائتلاف الحالي، وعلى سبيل المثال فإن الحزب الديمقراطي اليساري الذي يتزعمه رئيس الوزراء بولنت أجاويد لم يحصد سوى 15 من الاصوات في احدث استطلاعات الرأي اي انه بعيد جداً عن عتبة الـ 15 بالمئة اللازمة للدخول إلى البرلمان التركي. في حين ان حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك وانضم إليه مؤخراً وزير الاقتصاد السابق المهذب كمال درويش حقق نتائج أفضل بكثير، حيث حصد 172 بالمئة من الأصوات. وكعادة الاتراك في كل الانتخابات التي جرت في السنوات الـ 12 السابقة فهم الآن أيضاً مستعدون لتقبل المجهول، المرشح الأول الذي حصد 296 بالمئة من الأصوات في الاستطلاعات الاخيرة هو حزب العدالة والتنمية الجديد، الذي ليس لديه أية خبرة في الحكومة والذي يتكون بشكل رئيس من الاسلاميين، أي الذين يميلون لاقامة مجمع مبني على أساس المبادئ الاسلامية والذين يصرون وبصورة مشوشة على انهم ليسوا كذلك. الزعيم الكاريزمي لحزب العدالة والتنمية هو رجب طيب أردوغان الذي سبق ان شغل منصب محافظ اسطنبول ويعتبر الآن السياسي الاكثر شعبية في تركيا لكن في منعطف آخر في علاقة تركيا المتضاربة بالاسلام ـ الحكام العلمانيون يستخدمون منذ عقود قوانين صارمة للحيلولة دون نهوض النزعة الاصولية ـ عمدت الحكومة قبل أيام إلى حظر اشتراك اردوغان كمرشح في الانتخابات بحجة ادانته في عام 1998 بانتهاك القوانين العلمانية للبلد. لم يؤثر ذلك على موقف حزبه، بل ربما يكون قد ساعده، وإذا استمرت الميول الجماهيرية الحالية، فإن حزب العدالة والتنمية سوف يساعد في قيادة ائتلاف حكومي مع حزب الشعب الجمهوري وكمال درويش أو ربما حزب العمل الوطني، وثمة منافس خارجي هو حزب الشباب بقيادة اخطبوط الاتصالات والهواتف المتحركة جيم أوزان الذي يقيم حملته الانتخابية على برنامج سياسي واقتصادي خارج مظلة صندوق النقد الدولي ووعود بالغاء الضرائب وتوفير الدواء مجاناً للمواطنين. ولقد حظي بزوغ نجم أردوغان بمراقبة دقيقة داخل تركيا وخارجها، ويقول منفذوه، لا سيما في المؤسسة العلمانية التركية القومية ان الحزب يخفي أجندة إسلامية سيحاول فرضها على تركيا خاصة إذا حظي بأغلبية في الحكومة، ويجادل هؤلاء بأن هذه الاجندة ربما تتضمن حظر المشروبات الكحولية في الاماكن العامة وحظر اعلانات ملابس السباحة مع ان برنامج حزب العدالة والتنمية لا يحتوي أية تلميحات إلى مثل هذه الاجراءات، ويشير المنتقدون أيضاً الى دور أردوغان البارز في حزب السعادة الذي تم حظره في عام 1998 بسبب اثارته الضغائن وذكر هؤلاء بادانته بالتحريض على الضغينة في عام 1998 بعد ان قام خلال تجمع سياسي حاشد بترديد قصيدة حماسية، واثر تلك الحادثة قضى أردوغان أربعة أشهر في السجن وحرم من شغل أي منصب رسمي مدى الحياة. بذل أردوغان جهودا كبيرا لينأى بنفسه عن التوصيفات المحافظة، فاشارة حزب العدالة والتنمية تحمل صورة مصباح كهربائي عصري المظهر يرمز إلى «النور» كما أوضح احد العاملين في الحزب والمقر الرئيسي للحزب في انقرة يبدو اشبه بمكتب تأمينات منه بمعقل للأصوليين. وخلال حديثه مع مجلة «تايم» مرتدياً بزة زرقاء جديدة وواضعاً ربطة عنق حمراء شدد أردوغان على انه معتدل في كل شيء، وأن لا مصلحة له في فرض الشريعة الاسلامية في تركيا، حتى لو كان ذلك مسموحاً بموجب القانون، وهو ينكر بشدة ان حزب العدالة والتنمية حزب اسلامي، ويقول: «أنا مسلم، لكنني أؤمن في الدولة العلمانية بل ان تعبير الحزب الاسلامي يجافيه الصواب فالاحزاب عرضة للخطأ والله يعلو عن ذلك سبحانه وتعالى». وبالطبع فإن التفوه بخلاف ذلك سيودع اردوغان في السجن مجددا، وعلى الأقل فإن بعض انصاره بمن فيهم 8 بالمئة من الاتراك الذين يعتبرون اصوليين يودون لو يتم العمل بالشريعة بشكل أو بآخر، وإن كانوا ممنوعين من قول ذلك، ويقول محمد جينار وهو متقاعد في السبعين من عمره في مدينة قونية معقل حزب العدالة والتنمية، ومن المؤيدين النموذجيين الاقل تحفظاً: «الاتراك احرار في ان يفعلوا ما يريدون، لكنني سوف أشعر بالاسف عليهم عندما يذهبون إلى جهنم» لكن بحسب أحد مساعدي أردوغان فإن الحزب جاد في علمانيته، ويقول هذا المساعد: «نحن لا نتحدث عن دولة دينية، ما نريده هو دولة تحترم الايمان، مثل الولايات المتحدة».إنها مجادلة غير مقنعة للجميع، ويحذر مسئول عراقي رفيع المستوى من «الاشخاص الذين يسيطرون على حزب العدالة والتنمية اكثر تشدداً بكثير مما يظهر في أقوالهم» ويقول روسين جاكير مؤلف سيرة أردوغان ان زعيم الحزب لا يستطيع تغيير فلسفته حتى لو أراد لأنه إذا قام بذلك سوف ينفر جمهور ناخبيه ويتبرأ من نفسه، ويضيف جاكير: «لقد كان أردوغان اسلاميا منذ سن الثانية عشرة، والآن لا يمكنه التنكر لجذوره». ان معاملة الدولة التركية الجائرة للاسلام وهي سياسة تعود لأيام اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة الذي منع ذات يوم الاتراك من اعتمار طرابيشهم العزيزة على نفوسهم ـ ربما تكون أكبر هبة لأردوغان فالنساء لا يزلن ممنوعات من ارتداء الحجاب في الجامعات والمستشفيات والأبنية العامة الأخرى، لأن الحجاب يعتبر مثيراً «للشقاق والنزاع» في نظر الحكومة التركية. وتقول جولدين سومينز وهي محامية تعمل في اسطنبول ان تعصب الدولة ضد مظاهر الايمان آخذ بالتزايد منذ فترة، وتضيف: «لن تكون هناك حاجة للدعوة لتطبيق الشريعة، لو امكن للمواطن التركي ممارسة دينه بحرية»، وقد تلقى المكتب الذي تديره سونميز حوالي 1800 شكوى هذا العام من شابات من بينهن طالبات في المدرسة الثانوية تعرضن للمضايقة من قبل الشرطة بسبب تحديهن لقانون حظر الحجاب، واردوغان نفسه أرسل ابنتيه إلى الولايات المتحدة للدراسة هناك، لتجنب الحظر الذي يحاول حزبه اختراقه.بعض التأييد الذي يحظى به الحزب مستمد من اليأس الاقتصادي اكثر مماهو مستمد من أي شيء آخر، ويوضح جاكيه ذلك قائلاً: انه تصويت احتجاج اقتصادي ضد الأداء الكارثي لحكومة أجاويد التي ساهم سوء ادارتها في ايصال تركيا إلى حافة الانهيار الاقتصادي، ومع ان حزب أردوغان يندر فيه الخبراء الاقتصاديون فإن أردوغان نفسه خلال فترته في منصب محافظ اسطنبول اظهر كفاءة على الجد في العمل والحكومة النظيفة.وقد تكون هذه ميزة كبيرة لمعظم الاتراك، الذين لا يقل قلقهم حول تحصيل قوت يومهم عن قلقهم حول موضوع الحجاب، ولقد أدى ارتفاع معدلات الفائدة بشكل حاد وهبوط الاستثمار إلى تعطيل النمو وزيادة البطالة إلى أعلى معدل لها منذ عشرين عاماً، والسياحة التي تعد من الدعائم الاساسية للدخل القومي، تترنح من التأثير المزدوج لهجمات 11 سبتمبر والحرب الموشكة في العراق وقد تلاشى رأس المال الاجنبي ليفاقم الأمور اكثر. في شرقي تركيا، كان للأزمة الاقتصادية وقع اقوى وعندما خسرت الليرة التركي 50 بالمئة من قيمتها العام الماضي اضطر رجل الاعمال بدر الدين كرابوغا، الذي يملك مصانع للمعكرونة والأنسجة في بلدة ماردين التاريخية لتسريح 350 من عماله ومن اصل 66 معملاً تشغل 7000 شخص كانت تدار في منطقة صناعية بالقرب من الحدود السورية حيث يعمل كرابوغا، لم يبق الآن سوى عشرة معامل بعد ان اغلقت البقية بسبب المصاعب المالية الخانقة ويقول بهجت (36 عاماً) الذي يعيش في غرفتين بكنيسة محلية مع زوجته واطفاله الاربعة: «ابنتي نازان تطلب مني كل يوم شراء الزي الموحد الذي يجب عليها ارتداؤه في المدرسة لكنني لا املك ثمنه وانا هنا افعل كل ما بوسعي لأكسب قوت يومي المر». ان يأس الاشخاص من امثال بهجت ربما يساعد في تفسير لجوء جيم اوزان الى اغرائهم بالغاء الضرائب وتوفير الدواء المجاني، ليحظى بذلك باستحسانهم برغم انه ليس له اي خبرة في السياسة ووقوفه قبل فترة ليست بعيدة في موقف فخري امام محكمة اميركية بسبب تخلفه عن سداد ديون بقيمة 3 مليارات دولار لشركتي موتورولا ونوكيا. يقول منتقدو اوزان انه رشح نفسه للحكومة بهدف الحصول على حصانة برلمانية وهو على المنابر العامة يحرض الهجوم على الغرباء الدخلاء وقال الملياردير امام حشد سياسي مؤخراً: «علينا ان نطرد صندوق النقد الدولي من بلدنا لكي نجفف دموع الشعب لن ننحني للاجانب» وبرغم ان المراقبين سخروا من ترشيحه للانتخابات واعتبروه اضحوكة عندما اطلق حملته فإن اوزان استفاد من ظهوره المتكرر على القنوات التلفزيونية التي يسيطر عليها ليقفز الى الترتيب الثالث او الرابع في الاستطلاعات قبل ان يتراجع مجدداً في الأيام القليلة الاخيرة. الاتراك الاكثر واقعية وتروياً يراهنون على كمال درويش وحزب الشعب الجمهوري من اجل الاصلاح الاقتصادي فدرويش النائب السابق لرئيس البنك الدولي تحسب له مفاوضاته على صفقة الـ 16 مليار دولار التي قدمها صندوق النقد الدولي احراج تركيا من مأزق مالي حرج وتتضرع الاسواق بالدعاء ان يعود الى منصب وزير الاقتصاد لضمان استمرار تركيا في خط الاصلاحات الاقتصادية. وفي مقابلة مع مجلة «تايم» من شقته المطلة على مضيق البوسفور في اسطنبول يجادل درويش بأن تركيا تخطت ذروة ازمتها ويقول: «لقد استقر معدل الصرف وبدأ التضخم بالهبوط وعاد النمو للنشاط ويورد درويش عدة مؤشرات رئيسة على تضاؤل الأزمة بما في ذلك ارتفاع حجم الصادرات الى اوروبا. لكن سيمر عام قبل ظهور فوائد الاصلاحات مثل اعادة هيكلة قطاعي المصارف والزراعة بشكل ملموس على الارض والاستثمارات لا تزال هزيلة جداً ولا تتجاوز المليار دولار ويقول ان الحرب على العراق ايضاً سوف تؤخر الانتعاش ولذلك فهو يناشد الولايات المتحدة لانشاء صندوق لمساعدة تركيا عندما يبدأ انهمار القنابل على بغداد، اذا لم يكن من ذلك بد. لكن درويش ينفي انه شخص لا غنى عنه في مسيرة الانتعاش فقد قام فريقه ببناء ضمانات للاستقامة المالية ـ مثل استقلالية البنك المركزي ـ وان هذه الضمانات ستبقى بغض النظر عمن يصل الى السلطة. ويقول «مسيرة الانتعاش ستكون بخير بوجودي او بدوني». وكما يتضح من ملاحظات درويش فإن شبح الهجوم الاميركي على العراق يتوارى وراء كل خطط تركيا، قلة من البلدان سوف تتأثر بالحرب بشكل يماثل درجة تأثر تركيا ولقد ثبتت تركيا على معارضتها للحرب على العراق التي ستقتضي اشراك قاعدة «ناتو» واحدة على الأقل في الاراضي التركية لكن في النهاية ليس هناك من حكومة تميل الى معارضة واشنطن بصراحة وبدون تحفظ. فالحرب على العراق لن تكلف الاتراك غالياً وحسب ـ تقول انقرة انها خسرت 40 مليار دولار من عائدات التجارة بعد حرب الخليج الاولى ـ بل قد تزرع ايضاً بذور فوضى سياسية عارمة بين الاكراد في جنوب شرقي البلد وقد اغلقت مؤخراً الحدود مع شمال العراق بسبب التوتر المتنامي، مما يعني سد بوابة دخل كانت تدر ملايين الدولارات شهرياً على تركيا ويشكو رجل الاعمال كرابوغا من الاوضاع قائلاً: «لقد سئمنا العيش في مخيم لاجئين» علماً انه يمثل ايضاً رجال الصناعة والتجار على طول الحدود مع العراق.وحتى اردوغان تهرب من الاجابة عن سؤال حول ما اذا كان المجال الجوي والقواعد العسكرية التركية غير التابعة للناتو وقال: «نحن في تركيا لدينا مثل شعبي يقول: لا تخيط الملابس قبل ان يولد الطفل». لكن هذا القول المأثور لا ينطبق على ما يبدو على توقعات عضوية الاتحاد الاوروبي وهي بذلة انكبت تركيا على خياطتها على الرغم من عدم وجود اي موعد محدد لبدء التفاوض على العضوية وعندما رفضت المفوضية الاوروبية اعطاء تركيا موعداً للمفاوضات الشهر الماضي، لم يكن السبب الرئيسي وراء ذلك اقتصادياً بل سياسياً ومن بين المخاوف الأساسية التي تقلق اوروبا: استمرار سيطرة المؤسسة العسكرية في تركيا على الشئون المدنية وحظر الاحزاب والزعامات السياسية مؤخراً ويسأل دبلوماسي اوروبي مخضرم: «كيف تنظر الى بلد حظ السياسي الاكثر جماهيرية فيه؟» كما ان التقارير المستمرة عن التعذيب، لا سيما في الجنوب الشرقي، جلبت على تركيا انتقادات شديدة، ويقول مسئول من الاتحاد الاوروبي في انقرة: «هناك قوانين في الكتب تمنع التعذيب لكن تلك الممارسات لا تزال مستمرة». وثمة محور آخر للقلق يخص طريقة تعامل البلد مع الأقليات اعتمدت انقرة الصيف الماضي اصلاحات جزيرة بالاهتمام ـ مثل رفع الحظر عن التعليم والبث باللغة الكردية ـ لتحسين حصة الاكراد في تركيا لكن هذه التغييرات وغيرها لم توضع في حيز التنفيذ بعد ونتيجة الانتخابات العامة هذا الاسبوع سوف تحدد كيفية تطبيق هذه الاصلاحات او ما اذا كانت ستطبق اصلاً اذا فاز حزب العدالة والتنمية فمن المرجح ان يستمر دعم جهود تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي اذا كانت هذه الجهود ستجعل من الصعب حظر حزب العدالة والتنمية بفضل الضمانات التي يكفلها الاتحاد الاوروبي لحرية التعبير ويقول جان باكر رئيس معهد ابحاث «تيسيف» في انقرة: «لولا الاتحاد الاوروبي لما كان الحزب موجوداً الآن». اردوغان نفسه لن يسمح له بشغل منصب رئيس الوزراء ما لم يحرز حزبه اغلبية كاملة تمكنه من ادخال تشريعات تجعله مؤهلاً للمنصب الرسمي، كما ألمح في حديثه مع مجلة «تايم» ويقول اردوغان: «يعتمد الامر على التصويت» ويصر الحزب على انه سيلتزم باصلاحات صندوق النقد الدولي» مع ادخال بعض التعديلات» لكن حتى درويش يقول انه لا يتوقع امكانية ادخال «تغييرات تذكر» على صفقة صندوق النقد الدولي لعام 2003. جميع الاحزاب تزعم انها متفقة على خط السياسة الخارجية وان كان حزب العمل الوطني، لو قدر له ان يبلي بلاء حسناً في الانتخابات سوف يصعّب عملية التوصل الى اتفاق بشأن قبرص ومن شأن اي ائتلاف ان ينطوي على صراع بنيوي داخلي بين حزب العدالة والتنمية ذي الميول الاسلامية والاحزاب الاخرى العلمانية ولا يرجح ان تتكلم الحكومة بصوت واحد وتقول اتيلا يسيليدا وهي محللة سوق في اسطنبول: «الاتراك لن يعهدوا بأنفسهم لحزب واحد».حتى ولو كان من الصعب تبين امر سياسات زعماء انقرة الجد الآن فإن المناظرات الجارية مختلفة عن اي مناظرات انتخابية سابقة في تاريخ تركيا. فتركيا القديمة، التي كانت احزابها بشكل عام هرمية تسلطية وعلمانية آخذة بالتلاشي تدريجياً هناك الآن تمييز اوضح بين اولئك الذين يؤيدون حقوق الاقليات وحرية التعبير والحريات المدنية والاقتصاد المفتوح واولئك الذين لا يؤيدون ذلك والمناظرات لا تقارب الاتحاد الاوروبي بحد ذاته بقدر مقاربتها للمثل الاوروبية وتقول يسيليدا: «العالم لن يتركنا وشأننا اذا لم نتحرك بشكل جاد ومسئول فسوف يملي الآخرون علينا مستقبلنا» وحتى سليمان أتيس، الراعي القروي القابع هناك في معقله الآسيوي، سوف يوافق على هذا الطرح ففي تركيا، لا تبدو اوروبا بقعة جغرافية بقدر ما هي حالة ذهنية. ترجمة : علي محمد عن «تايم»