الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 في غمرة الجدل العالمي حول تهديد أسلحة الدمار الشامل الموجودة بحوزة دول معادية للمصالح الأميركية، بدأ خبراء الاسلحة الاميركية يتحدثون عن سيناريو جديد يمكن به الاضرار بالمصالح العالمية من جانب من يمتلك سلاحا نوويا صغيرا وصواريخ بالستية. وهذا السيناريو لا يتعلق بتفجير سلاح نووي فوق هدف ارض، وانما بشن هجوم نووي في مدار منخفض حول الأرض، حيث ان معظم الاقمار الصناعية التي تدور في مدارات منخفضة حول الارض ستصبح في هذه الحالة مشلولة تماما، في غضون اسابيع قلائل. وعن ذلك يقول الدكتور دنيس بابادو بولوس، من كلية الفيزياء في جامعة ميرلاند الأميركية: «اذا استطاعت دولة ما ان تفجر سلاحا نوويا صغير بقوة 10 كيلو طن على ارتفاع كبير فوق اراضيها، بحيث لا تصاب هي بالضرر، فإن 20 في المئة من الاقمار الصناعية منخفضة المدار في العالم ستصبح مفقودة في غضون شهر واحد فقط من ذلك التفجير. اذ اضافة الى ظاهرة النبضات الالكترومغناطيسية التي يحدثها مثل هذا الانفجار، فإن الاقمار الصناعية ستصبح عرضة لما يعرف علميا باسم «مفعول كريستوفيلوس». فعند احداث تفجير نووي عالي الارتفاع، ولنقل عند ارتفاع 100 كيلو متر فوق سطح الارض، يقوم المجال المغناطيسي الأرض بتسريع غيمة الالكترونات والبروتونات التي يطلقها الانفجار. وتبدأ الجزئيات الناجحة عن الانفجار بالتسارع والانتشار، وهي تدور حول الأرض، حتى تقارب في سرعتها سرعة الضوء. وهذه الظاهرة تدعى علميا ب«فصول كريستوفيلوس»، نسبة للدكتور نيكولاس كريستوفيلوس الذي وضع هذه النظرية. يوضح بابا دوبولس الذي كان يعمل مع كريستوفيلوس في مختبرات ليغرمور الوطنية الأميركية ان «الانفجار يطلق حزاما اشعاعيا صناعيا في غضون عدة اسابيع الى عدة اشهر على اقصى تقدير، وبالتالي يحقن الاقمار الصناعية منخفضة المدار بجرعة قاتلة من الاشعاع. يذكر هنا ان القوتين العظميين اجرتا ست تجارب نووية في الفضاء كان مخططا لها مسبقا خلال ازمة الصواريخ الكوبية. وتسببت هذه الانفجارات بتخريب او الاضرار بسبعة اقمار صناعية هي كل ما كان في العالم من اقمار صناعية آنذاك. لكن هذا النوع من التجارب توقف نهائياً، نتيجة معاهدة حظر التجارب النووية في الغلاف الجوي الموقعة عام 1963، وبالتالي فإن هذه التجارب الست تتيح البيانات التجريبية الوحيدة المتوفرة عن هشاشة الاقمار الصناعية في مواجهة التفجيرات النووية الجوية. غير ان نتيجة تفجير نووي جوي تعد أكبر بكثير على وجود أكثر من 250 قمرا صناعيا تدور في مدارات منخفضة حول الارض، ويستخدمها الملايين من البشر. وعن ذلك يقول جون بايك رئيس منظمة الامن العالمي، وهي مؤسسة بحوث مهتمة بمنع الانتشار النووي: «يعتقد ان الاقمار الصناعية الحربية مزودة بدروع معززة مضادة للاشعاع، حتى تنجو من اي حرب. غير ان المؤكد انه لايمكن تجاهل خطر هذا الاحتمال عليها نتيجة الاعتماد العسكري المتزايد على الاقمار الصناعية المدنية التي لم تحصل على مثل هذه الحماية. أما باب دوبولس فيقول: اننا لا ننظر لهذا التهديد على انه ذو درجة عالية من حيث احتمال الوقوع، غير ان اثره لدى وقوعه سيكون مدمراً للغاية، بحيث لا نستطيع تجاهله ويتعين علينا الاستعداد له. وقد بدأت القوات المسلحة في العالم منذ زمن طويل بالاعتماد الى حد كبير على الاقمار المدنية لنقل الاتصالات والملاحة والبيانات الطقسية والصور العسكرية. وعلى سبيل المثال، اصبحت انظمة الهاتف الفضائية عتادا اساسيا لقوات حفظ السلام الدولية، التي تعمل عادة في مناطق بعيدة ومعزولة من العالم او في اماكن دمرت الحروب والنزاعات بناها التحتية. كما ان القوات المسلحة الاميركية اعتمدت ايضاً على ادارة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) وأقمارها الصناعية المدنية لتخطيط عملياتها التي لا تزال متواصلة في افغانستان، كما انها ستعتمد عليها اذا قررت القيام بعملية عسكرية ضد العراق مستقبلاً. كما تستخدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية اقمار تصوير مدنية لمراقبة مدى التزام الدول الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووية ببنود تلك المعاهدة. وبهذا تستطيع احدى الدول ان تسن هجوماً استراتيجيا على دولة اخرى، من دون الحاجة لصواريخ بالستية عابرة للقارات وبغير المجازفة بتعريض تجمعاتها السكانية للابادة، رداً على هجومها، اذ ان تفجيراً نوويا عالي الارتفاع يمكن ان يدمر الاستثمارات الفضائية القومية لدولة اخرى. وتفيد دراسة اجرتها وزارة الدفاع الأميركية عام 2001 تحت عنوان «الهجوم النووي عالي الارتفاع ضد الاقمار صناعية منخفضة المدار» ان استبدال منظومة الاقمار الصناعية المدنية العاملة في مدارات منخفضة حول الارض ستكلف مبالغ بحدود مئة مليار دولار. وتتوزع هذه التكلفة بواقع 30 مليار دولار لتعويض محطة الفضاء الدولية و10 مليارات دولار لتعويض مرصد «هابل» الفضائي و10 مليارات دولار لتعويض مكوكات الفضاء واقمار البحوث العلمية والفلكية الأخرى. كما ان لمثل هذا التفجير ان يؤثر على كل فرد او عمل تجاري يعتمد على تقنيات الاتصالات. ومن الاثار التخريبية الاخرى المحتملة ايضا توسيعه لنطاق فان آلين الاشعاعي المحيط بالارض، بحيث يبقى مرتفعا بما فيه الكفاية ليضر بالاقمار الصناعية على امتداد سنتين على الأقل. أي ان الاتصالات بأشكالها ستبقى عاجزة الى حين اطلاق اقمار بديلة. والانفجار النووي المرتفع من شأنه ان يؤثر مباشرة على العمليات العسكرية داخل وخارج مسرح العمليات، حيث سيعيق الاتصالات بين القيادات والقوات الميدانية ويجعل الاتصالات عبر الاقمار المدنية مستحيلة. واذا ما حدث الانفجار فوق مسرح العمليات فإن جانبا كبيرا من فعالية الحركة ستضيع. فمثل هذا الانفجار سيطلق نبضة الكترومغناطيسية قوية وعالية الارتفاع تقضي على كل التجهيزات الالكترونية ضمن خط الافق من نقطة الانفجار. يوضح دكتور روبرت نوريس، من مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية الأميركي: «حينما انقطعت الكهرباء في هاواي عقب تجربة عام 1962 النووية، بدأ العلماء يتحدثون عن صلة بين الحادث وبين ظاهرة النبضة الالكترومغناطيسية. من الناحية النظرية، يمكن لسلاح نووي واحد ينفجر على ارتفاع عال فوق الجزء الاوسط من الولايات المتحدة ان يخرب عدداً هائلا من اجهزة الكمبيوتر وتجهيزات الاتصالات، بما في ذلك الاذاعة والتلفزيون فوق مساحات شاسعة. واي طائرة، مدنية او عسكرية، تقع عبر الأفق بالنسبة لمركز الانفجار يمكن ان تفقد كل تجهيزاها الالكترونية. اما مدى التأثير فيعتمد على بعدها عن الانفجار وما اذا كانت هذه الطائرة مزودة بدرع مضاد للاشعاع من عدمه، وعلى سبيل المثال، سيصبح نظام رادار الهجوم والمراقبة المشترك «أي 8 سي» الذي تستخدمه القوات الجوية الأميركية ويعتبر حاليا عنصرا اساسيا في هيكلية الاستطلاع الاميركي ـ سيصبح ضحية فورية لهذا التفجير. فالنظام المحمول على طائرة بيونغ 707 قديمة لن يحظى بالحماية الكافية. كما ان بعض التجهيزات التكتيكية للاتصالات، مثل أجهزة اللاسلكي بين القوات البرية والجوية ستتأثر ايضاً. وتستطيع اي دولة نووية عسكريا وقادرة على اطلاق قمر صناعي ان تفجر قنبلة نووية على ارتفاع كبير. وقد وضعت دراسة وزارة الدفاع الاميركية المذكورة آنفاً عدة سيناريوهات لحدوث مثل هذا التفجير. وأهم هذه السيناريوهات هو ان تقوم دولة باجراء تفجير نووي فضائي ليكون بمثابة طلقة تحذيرية نووية. إذ يمكن لدولة نووية وهي على وشك التعرض لهزيمة عسكرية ان تجري تفجيرا نوويا فضائيا في مدار منخفض لإظهار امكانياتها وعزمها على الاستمرار في القتال. كما يتحدث سيناريو آخر عن احتمال وقوع مثل هذا التفجير بطريق المصادفة. إذ في حال اعتراض صاروخ مجهز برأس نووي في مساره ان ينفجر بطريق الخطأ ليكون بمثابة هجوم نووي مداري منخفض على ارتفاع يتراوح بين 120 و 150 كيلومتراً. وهذا الاحتمال يصبح قويا ضمن سيناريو يتضمن دولاً تمتلك السلاح النووي والصواريخ البالستية لكن ليس لديها أقمار صناعية لتخسرها. وقد أظهرت كوريا الشمالية تطور برنامجها الصاروخي قبل سنتين، حينما اطلقت صاروخها البالستي متوسط المدى من طراز «تايبو دونغ» في مسار فوق اليابان. كما أن هناك دولاً أخرى، مثل إيران وباكستان والهند، لديها امكانيات صاروخية بالستية اضافة لنووية مؤكدة أو محتملة. ويقول الخبراء ان الامر يحتاج لعشرة كيلوغرامات فقط من البلوتونيوم المخصب بنسبة 90 في المئة لصنع قنبلة نووية بقوة 20 كيلوطن غير ان معظم تصاميم القنابل النووية البلوتونيومية يحيط كتلة البلوتونيوم بطبقة من عاكس نيوتروني من البريليوم لتعزيز قوة التفاعل النووي. وبالتالي يمكن تقليص كمية البلوتونيوم المطلوبة لصنع قنبلة نووية ولبساطة التصميم وتوفر البريليوم، يرى معظم الخبراء العسكريين ان 5 كيلوغرامات كحد أدنى من البلوتونيوم ان تكون قنبلة نووية. كذلك فإن البريليوم يمكن ان يقلص كمية اليورانيوم النقي المطلوب لصنع قنبلة نووية بقوة 20 كيلو طن من 52 كيلوغراما إلى 25 كيلوغراماً فقط. ويقول ماثيو بون كبير الخبراء في مشروع إدارة الذرة في مركز بيلفر للشئون العلمية الدولية في جامعة هارفارد «تعتقد الاستخبارات الاميركية ان لدى كوريا الشمالية قنبلتين نوويتين جاهزتين الآن». أما كوري هندر شتاين المدير المساعد لمركز الأمن العلمي والدولي فيقول: «يمكن ان يكون لدى كوريا الشمالية الآن ما بين 30 و40 كيلوغراماً من البلوتونيوم المخصب لمستوى صلاحية الاستخدام في سلاح نووي». وهذا يعني ان لديها المقدرة على صنع ما بين 6 الى 8 قنابل نووية صغيرة. ومع ان معظم هذه المواد موجودة تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن ما يكفي لصنع قنبلة أو اثنتين ليس كذلك بحسب الاستخبارات الأميركية. ولدى امتلاك دولة ما يكفي من المواد الانشطارية كان من الصعب عليها جداً في السابق صنع قنبلة نووية منها. اما الآن فإن التقنيات النووية قد انتشرت خارج الدول النووية الخمس سابقاً، وبالتالي فإن عقبة الخبرة التقنية لم تعد شديدة الصعوبة كما السابق. والحل الأكثر وضوحاً لتهديد الانفجار النووي الفضائي هو تزويد الاقمار الصناعية في المدارات المنخفضة بدروع واقية، غير ان هذا الحل ليس متاحاً اليوم طالما ان زيادة سماكة الدرع تعني زيادة الوزن. يقول كولن هانت، من الجمعية النووية الكندية: «ان أكبر تهديد يواجه معاهدة خطر الانتشار النووي هو التقنية الحديثة التي لم تكن متوقعة حين صياغة المعاهدة، ان من الممكن الآن صنع أشكال من الاسلحة النووية العصية على الاكتشاف أو المنع». وإذا حدث هجوم عبر تفجير نووي فضائي اليوم، فلا توجد أي طريقة دفاعية للتعامل معه، فمعظم الاستثمارات الموجهة للدفاعات الصاروخية تذهب للدفاعات المضادة للصواريخ للدفاعات البالستية متوسطة المدى، وليس للدفاعات المضادة للصواريخ الاستراتيجية البالستية العايرة للقارات مثل مبادرة الدفاع الاستراتيجي الاميركية. وقد كان صاروخ «ارو» المضاد للصواريخ البالستية التكتيكية الاسرائيلي أول نظام أثبت امكانيات محدودة لاعتراض الصواريخ البالستية متوسطة المدى عام 2000. وقريباً سيبدأ تشغيل نظام صواريخ «ستاندارد اس.ام 3» المطور المضاد للصواريخ البالستية. وذلك ضمن سلاح البحرية الاميركي، يمكن لهذا الصاروخ ان ينطلق بسرعة و29 ألف كيلو في الساعة من سفن حربية قريبة من الدول المستهدفة. وليس هناك أي نظام صاروخي آخر قريب من هذين البرنامجين، فيما هناك برنامج دفاعي آخر ضد الصواريخ البالستية قد يظهر قريباً وهو طائرة الليزر المحمول جواً و«واي.اي.ال-1 اي» الذي تطوره القوات الجوية الاميركية. ويوضح هذا النظام على طائرة بوينغ 747 ومزود بليزر عالي الطاقة أوكسجيني كيميائي ونظام متطور لتوجيه الشعاع. وهذا النظام يفترض حين الانتهاء من تطويره ان يستطيع تدمير الصواريخ البالستية واسقاطها. ومع ان الطائرة المخصصة لحمل النظام ينتظر ان تحلق تجريبياً في غضون أشهر من الآن، إلا انها لن تحمل هذا النظام الليزري في أول طلعة تجريبية له قبل عام 2004 حيث لايزال تحت التطوير. وتبعاً لدراسة وزارة الدفاع حول الحظر على الأقمار الصناعية، فإن من الممكن مواجهة «مفعول كريستوفيلوس» يقول بابا دوبولس، مشيراً الى مشروع بحثي تجريه شركة تقنيات الطاقة: «لقد اكتشفنا اننا إذا استطعنا اطلاق موجات منخفضة التردد من فئة كيلوهيرتز وبثها في الفضاء، فإنها يمكن ان تفكك الاشعاع أو اخراجه من المدار بسرعة أكبر بكثير، وإلا فإنه سيبقى موجودا لسنوات في مكانه. وينتظر ان تقود أكبر محطة راديوي في العالم هذا المشروع، إذ تمتلك البحرية الاميركية محطتي بث للموجات الراديوية مفرطة الانخفاض في ولاية ميتشيغان الى جانب 10 محطات بث راديوي بموجات منخفضة جداً حول العالم بحيث تمكن الاشارات من الوصول الى سفنها في أي مكان في العالم وخصوصاً الغواصات. ويقول بابا دوبولس: «في البداية، أشارت دراساتنا الى اننا سنحتاج الى الألوف من هذه المحطات لاعادة الحزام الاشعاعي حول الأرض الى وضعه الطبيعي، إلا اننا اكتشفنا لاحقاً تقنية لتضخيم البث مئة ضعف تقريباً. أي إذا ما امتلكنا 10 أضعاف محطات البث الموجودة حالياً سيصبح من الممكن اعادة الحزام لمستويات آمنة في وقت أقصر بكثير، بضعة شهور مثلاً». ويشير الدكتور ريتشارد جاروين من المجلس الاميركي للعلاقات الخارجية ان تفجيراً نووياً فضائياً هو هجوم يمكن ردعه. ويقول: «لا نعتقد انه شيء يحتمل ان تقوم به دولة اخرى، إذا ما عرفت ان شنها هذا الهجوم سيمكن اكتشافه وانها ستتعرض لاجراءات انتقامية نووية من جانب الولايات المتحدة إذا ما تضررت مصالحها». غير ان الردع في هذا الاطار سيناريو ليس واضحاً كما يقول الخبراء. فالقيام بعمل انتقامي ضد التجمعات السكنية ليس اجراء مناسباً للتعويض عن عتاد مفقود، فقد يكون من المنطقي توقع استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد موقع اطلاق صواريخ، لكن ماذا لو ان الرد هو انتقام ضد فقدان بث اذاعي أو توقف شبكات الهاتف النقال، إن الدول النووية الخمس الرئيسية هي الأقل احتمالاً لشن تفجير نووي فضائي من بين الدول النووية في العالم، لأن لديها الكثير لتخسره، إذا فعلت ذلك، لكن في حالة دول اخرى قد تكون خسارة قاعدة اطلاق صواريخ نووية بسيطة وقابلة للتضحية بها مقابل ايقاع خسائر كبيرة بدولة معادية. ترجمة: جلال الخليل عن «جينز ديفنس ويكلي»