الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 حسن أحمد عضو مجلس الشعب المصري السابق واستاذ الادارة بجامعة قناة السويس، عاشق بورسعيدي، أو قل «درويش» في حب هذه القطعة الغالية من ارض العرب بورسعيد، يقولون عنه في المدينة الصامدة، انه رجل موسوعي فهو صاحب عقلية مرتبة، يعي الحقائق التاريخية، وعيا سياسيا واجتماعيا، وقد افادته جيدا قراءاته ودراسته المتعمقة في علم الاجتماع والجغرافيا السياسية، خاصة وانه واحد من تلاميذ كل من عالم الاجتماع الكبير د. سيد عويس، والدكتور جمال حمدان صاحب اعظم مؤلف في القرن العشرين في مصر وهو بعنوان «شخصية مصر» وقد اعطاه ذلك، رؤية بانورامية علمية للتاريخ المصري خاصة في هذه المنطقة. وكان الحوار معه ـ خاصة وانه لم يبرح بورسعيد طوال عمره متعة ذهنية وعقلية، اضفت على ملفنا الانساني، فهما متعمقا وعلميا لشخصية البورسعيدي المقاوم، المحب للبقاء على ارضه. استاذ حسن ونحن بصدد الحديث عن «قصيدة عشق» اسمها بورسعيد المقاومة، المناضلة، عبر سنة أو يزيد، دعني أسألك عن سمات الشخصية البورسعيدية، الرافضة، الصامدة. تكونت السمات الخاصة للشخصية البورسعيدية عبر اجيال، وانصهرت النوعيات المختلفة التي قدمت إليها عبر السنين، واصبحت شخصية ذات معالم واضحة، وكانت البداية في عام 1859، حيث قدم الفوج الاول من عمال الحفر المشاركين في انشاء القناة من محافظة الدقهلية، ثم توالت افواج اخرى من الدقهلية، الشرقية وصعيد مصر خاصة من اسيوط الواصلة حدودها ـ في هذا الزمان ـ إلى ما بعد سوهاج، وان كانت عناصر قليلة جاءت من المنيا وقنا واسوان، والغربية من شمال مصر.انصهرت هذه النوعيات، او تلك العناصر في محافظة بيئتها فقيرة، لا زرع فيها، ولا نبات، كل ما تأكله «مستورد» عبر حدودها فهي منعزلة عن جيرانها بمساحات مائية ضحلة، حيث تفصلها بحيرة المنزلة عن محافظتي الدقهلية والشرقية، وعن سيناء بحيرة البردويل، وان كانت بورسعيد مميزة في الواقع بأنها تقع في اقصى شمال شرق الدلتا، كما تقع على مشارف البحر المتوسط، وتخترقها قناة السويس، وهي بذلك تعد البوابة الرئيسية لمصر، والتي يدخل من خلالها القادم من أوروبا إلى بلاد العرب كلها. وقد فرضت هذه البيئة على السكان، عبر العصور، فعالية البحر، أو الصراع معه، ولذلك يحلو لي ان اسمى انسان بورسعيد بـ «الانسان الذي يغالب الطبيعة الفقيرة» فعليه ـ اذن ـ ان يستنبط قوته من الطبيعة، كيف يأكل؟ كيف يعيش؟ أين يعمل؟ ومع من يعمل؟. هكذا فرض على المواطن البورسعيدي في تاريخها كله، والذي يبدأ من 25 ابريل 1859، تاريخ أول فأس ضربت في ارض قناة السويس، واول علامة لقيام هذه المدينة، والتي سميت على اسم حاكم مصر آنذاك، ان يغالب الطبيعة، فضلاً عن انه امامنا مرفق اقتصادي مهم نعيش من خلاله «قناة السويس» وميناء بورسعيد، وإلى ما قبل المنطقة الحرة في العام 1975، كان يقدر عدد الحرف التي تعمل في الميناء، بطريق مباشر أو غير مباشر بنحو 62 حرفة، ذلك يعطي مؤشرا بأن معظم المواطنين الذين يعملون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، هم يعملون ـ في واقع الحال ـ بشكل مذبذب أو غير مستقر، وتلك طبيعة عمل الموانيء بشكل عام في كل الدنيا. اثبات الذات لذلك فقد خضعت بورسعيد لظروف الاقتصاد العالمي، فإذا كانت هناك حركة اقتصادية مزدهرة عكست نفسها على مواطني بورسعيد، والعكس كذلك من خلال الكساد العالمي، الذي يفرض ظلاله على حركة العمل في المدينة. وهذه الحركة الملاحية من خلال الميناء والقناة جعلت المواطن البورسعيدي يذهب صباحاً إلى الميناء ويكد، ويتعامل مع جنسيات مختلفة، فرضت عليه ان يكون اكثر مهارة وحرفية. وعامل آخر لعب دوراً في تركيبة الشخصية، وهو ان البيئة البورسعيدية لم تكن ـ في البداية ـ تحمل طبيعة بيئة المدينة، ذلك ان المجموعة الاولى التي تولت عملية الحفر في القناة، والتي بلغت 82 رجلاً، كانوا من ريف مصر، من الدقهلية، خاصة مركز فارسكور.ذلك فضلاً عن ان المدينة، فيما بعد، كانت محطة للهجرة العالمية، حيث تدفقت علياً أفواج مؤلفة من يونان، ايطاليين، يوغسلاف، وهذا التخالط الغريب من الاجناس، انعكس على طبيعة حياة البورسعيدي، فالعاملون هم المصريون واصحاب العمل هم الاجانب. وقد استطاع المصريون في مراحل عديدة من تاريخهم على ارض بورسعيد، اثبات وجودهم خاصة بعد عام 1952.واسجل للتاريخ انه قبل العام 1952 كانت فرص اثبات الوجود محدودة أما بعد 52، 53، 54 فقد زادت نسبة البورسعيدية الباحثين عن اثبات الوجود بدرجة كبيرة. ذلك ان الجميع كان يبحث عن فرصة الحياة والمستقبل خاصة من الشباب، وبعد رحيل اعداد كبيرة من الاجناس الاجنبية التي كانت تعيش هنا في بورسعيد. اقول هنا ان هذا التخالط العجيب بين المصريين والاجانب، جعل البورسعيدي اكثر اصراراً على اثبات وجوده، والذين قالوا للاوروبيين الراحلين: «اننا قادرون على اثبات قدراتنا الذاتية ليس امامكم فقط، ولكن امام العالم كله». ودعني ـ اضرب مثلاً مهماً لهذه المشكلة المتفردة ـ انه عند «الاعصار العدواني في 1956» كان التساؤل: هل يترك البورسعيدي المدينة أم يتصدى بمصريته لهذا الاعصار؟ والاجابة ـ كما سجلها التاريخ هو البقاء والتصدي بكل القوة، وهناك مثال آخر على شجاعة المصري في بورسعيد، انه عندما دخل الانجليز مصر في عام 1882 ـ وبطبيعة الحال لم اكن قد ولدت بعد، لكن سمعت وقرأت وسجلت في بحوثي ـ خرج المصريون في بورسعيد مع عرابي للقتال بكل شجاعة وبسالة، ولم يهابوا الموت واذكر ان من بين آثار بورسعيد القديمة قرية تسمى قرية أحمد عرابي والتي كان قد استوطنها بعض مقاتلي عرابي، وهي تقع في اقصى غرب بورسعيد. اذن المواطن البورسعيدي في كل مراحل حياته لم يتأثر بأي عدوان، أو تيارات اجنبية واضرب مثلاً في الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918) هل تعاون المصريون مع الانجليز؟ أبدا لم يحدث واريد ان اسجل ان العامل البورسعيدي كان ـ دوما ـ اميناً على مصالح بلاده، وقد ذكر د. النجيلي في دراسة مهمة له ان اول اضراب لعمال الموانيء في مصر، واول مناداة بتأميم قناة السويس على ان يديرها مصريون كان من نقابة عمال بورسعيد في العام 1923 حيث كانت هذه النقابة تضم مصريين وارمن. كما يذكر التاريخ ان عمال بورسعيد من خلال نقابتهم في عامي 48 و1949 تصدوا للشركة الفرنسية، وطالبوا الادارة بحقوقهم، التي حصلوا عليها بعد سلسلة من المصادمات العنيفة والاضرابات، وانه في عام 1951 كانت هناك حركة نشطة اسفرت عن مقاطعة السلع الاجنبية في الميناء.والمواطن البورسعيدي لا يهاب شيئا ويعلن رأيه في جرأة وبساطة، وهو ذو حس نابض بالمتغيرات السياسية، والدليل هو انه مع بداية عدوان 1956، قام بحرق العلم الانجليزي، الامر الذي اثار حنق رئيسي وزراء انجلترا وفرنسا، فضلاً عن انه بعد عام 1973 والمدينة «خربة» عاد المواطن البورسعيدي بشوق واستطاع بشجاعة مواجهة دمار المدينة. تنشيط الذاكرة في اطار تنشيط الذاكرة، وبحثا عن مدلولات سياسية ذات طابع انساني، استطاعت الشخصية البورسعيدية المصرية قلبا وقالبا أن تنحت لنفسها موقعا متميزا على خريطة النضال المصري في اعوام 51، 56، 67، 1973 اذن بوصفك من ابناء هذه المدينة، أوضح لنا هذه المدلولات من خلال مواقف انسانية. سأذكر «لوحات» تعيها ذاكرتي من النضال البورسعيدي، في صبيحة يوم وقف اطلاق النار في العام 1956 وظهور القوات الغازية في شوارع بورسعيد، كان الناس في قمة الغضب، واشهد الله والتاريخ فإنني لم أجد مواطنا واحدا رخوا بل ان اعصاب الناس كانت متوترة ومشدودة إلى اقصى درجة بينما لم نكن نعلم حقيقة الموقف، أين وصلت هذه القوات.. فلم تكن هناك وسائل اتصال فهي مقطوعة والكهرباء مقطوعة، والمياه مقطوعة، واذكر هنا اننا عرفنا ان صاحب محل فراشة يملك ماكينة كهرباء فذهبنا فوجدنا قد اوصل الراديو على ماكينته وهو مفتوح على محطة القاهرة فتجمهر الناس بالمئات يسمعون صوت القاهرة وهو يعلن «الله اكبر» في عصر هذا اليوم كانت المقاومة قد اشتدت، وجعلت الناس اكثر التهابا، هذا في الوقت الذي لم نكن ندري فيه متى نأكل، بل ومن أين نأكل. والملاحظة الثانية هي ان المقاومة بدأت تأخذ شكلا جديدا بعد ايام قليلة، طالبنا السماح للصيادين بصيد السمك من بحيرة المنزلة، حيث كانت فرصة لادخال السلاح إلى بورسعيد، مع عناصر جديدة للمقاومة (أبونار ـ جلال غريب ـ كمال رفعت) واسماء كثيرة لا يستطيع الانسان نسيان دورها البطولي. واذكر هنا كتاباً قرأته لصحافي بلجيكي كان مرافقا للقوات الغازية في العام 1956 قال في مذكراته: «ظلت الطائرة تحوم حول موقع الهجوم لفترة كبيرة ووجدنا مياه من كل ناحية، وكان هناك تردد في الهبوط وعاد الطيار ليغير زاوية من دورانه وإذا بنيران تخرج من الارض وتسلط علينا من كل اتجاه وعندما هبطنا، كانت الخسائر في القوات هائلة، وفي الوقت نفسه طلبت القوات البريطانية الهدنة، وكان هذا اليوم يوم الاثنين. والملاحظة الثالثة ذلك الالتحام التام بين الشعب والشرطة والقوات المسلحة، واذكر في ذلك الدور الكبير الذي لعبته سيدات بورسعيد، اللاتي اخفين الفدائيين من غدر قوات الاحتلال. ـ ماذا عن ملحمة اكتوبر؟ ـ الصورة متباينة بعض الشيء، ففي العام 1967 ضربت السويس ومن بعدها الاسماعيلية اضافة إلى بورسعيد وان كانت في مواقع متطرفة وكانت الخسائر محدودة في وابور المياه، كان ذلك 67 ـ 1968 وفي العام 1969 تم تهجير المدينة (النساء والعجائز) وكانت ابرز مواقع التهجير في دمياط ورأس البر والدقهلية وبقي الرجال في حالة صمود رائع وتماسك قل أن يوجد سوى في الملاحم، وفي العام 1973 كان الاحرار من جنودنا البواسل بشكل لا يتصوره انسان في هذه الدنيا، وفي المنفذ الغربي، رأينا القوات الاسرائيلية التي ضربت كوبري الرسوة، وقطعت مياه ترعة الاسماعيلية الموصلة لبورسعيد، وكان المواطنون يجلبون المياه بالقوارب عبر بحيرة المنزلة، لكن اليهود لم يستطيعوا الاقتراب من المدينة او غزوها، بل ان قواتنا دخلت شمال سيناء. وعندما زرت وزملائي منطقة «رأس العش» والتي سيطرت عليها القوات المصرية بعد معركة شرسة، اثبت فيها الجندي المصري قدرته على القتال وانتزاع الحق، حينذاك سألت الضابط الذي اقتحم رأس العش سؤالاً محددا: ألم تخف؟ قال: أخاف من ماذا! لقد اندفعت ولم اشعر بالخوف مطلقا. كما شاهدت بعيني قطع اللحم البشري الملتصقة بالدبابات أي بسالة هذه التي لا تعرف خوفا او ترددا، مادامت المسألة متعلقة بحق اصيل؟!وفي اليوم 6 اكتوبر واسمح لي بعودة إلى هذا اليوم التاريخي الفذ على صعيد التاريخ العربي كله: عرفنا بالمعركة لكن.. ـ لكن ماذا؟ ـ شعرنا بحذر غير عادي إلى أن اعلن ان قواتنا المسلحة عبرت، ساعتها عرفنا أن ساعة الاقتحام قد حانت، بل انها تمت بنجاح، الامر الذي ادركنا معه ان الجندي المصري قد كتب بدمه وثيقة النصر، وغسل عارا لم يرتكبه. الملمح الانساني للاستنزاف ـ ما الملمح الانساني لسنوات الاستنزاف الست 67 ـ 73 في بورسعيد خاصة فيما يتعلق بالمواطنين العاديين؟ ـ في شوارع بورسعيد كان من النادر أن ترى سيدة الجميع رجال، اما بالملابس الكاكي، او الملابس المدنية، اما السيدات القليلات اللاتي كن موجودات هنا فكن ممرضات المستشفيات. كنت ترى ارتباطا وحنيناً شديدا بين المكان والناس! فنجد ان المواطن البورسعيدي يحبك من دون سابق معرفة، ولكن الترابط وحنين الناس مع بعضهم، كان اشد تماسكاً وترابطا، ذلك فضلا عن لهفة الناس على بعضها البعض، ويتجلى ذلك في السؤال الدائم عن الذي يتأخر عن العودة، والبحث عنه، إلى أن يتم الاطمئنان عليه. وفي الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهيرة السادس من اكتوبر 1973 تدفع المصريون كالسيل، بعد اعلان انتهاء السنين الست الحبلى بالانتظار تدافعوا إلى الشاطيء الشرقي لقناة السويس، وامتلأ الافق بهتاف «الله أكبر» والعم المثبت على جدار الزمن يعلن في تحد: لا للهزيمة، ولا لليأس، لقد رفضنا في التاسع والعاشر من يونيو 1967 الاستسلام وقلنا: لا للهزيمة، ونعم للصمود، لقد كان اعلانا واضحا للدنيا كلها «هانحارب». عبر المصريون وهم يقرأون في فرح أبجدية الاقتحام، وهم يتلون سطور ملحمة آلامهم تحت شمس احجار الياقوت، لقد اكتشفت مصر صوتها في رصاص مقاتليها وفي هتاف الله اكبر. ان اعلان الثانية والربع، من راديو القاهرة، كان ايذانا بفصل جديد من كتاب الحرب، في الدورة الرابعة للمواجهة العربية الاسرائيلية وكان فصل الختام في الرابعة و6 دقائق عصر 6 اكتوبر حين اعلن الناطق العسكري «بثقة وبصدق» العبور.، وكانت الرحلة في بطن الزمن. كانت في رحلة السنين الست الحبلى بالانتظار. هذا السطر الحاسم في مقدمة بيان المواجهة الصادر في الثانية والربع من ظهيرة السادس من اكتوبر، كان قد سبقته فصول مهمة من كتاب البشر على شط القناة البالغ حوالي المئتي كيلو متر، حيث صنعت ملحمة، اطلقنا عليها «تراجيديا الانسان المصري في صراعه مع البيئة والغازي» حيث بدأ الحرف الاول في كتاب البشر، في الخامس والعشرين من ابريل 1859 عندما ساقوا 125 الفا من المصريين «سخرة» لحفر القناة، هذا في الوقت الذي رفض فيه الغازي ان يسلم بأن الارض مصرية والدم الذي سال مصري، والعرق مصري، والدموع التي روت الشهداء كانت مصرية خالصة. والرحلة في ناس شاطيء القناة، بمدنها الثلاث، تمثل تجانسا وتداخلا وتدافقا في طبيعة تركيبة الشخصية وطبيعة ما قدموه من نضال صاغوا به تجربتهم في المقاومة التي تعتبر نموذجا خلاقا في تنمية عناصر المقاومة الذاتية، ومن ثم لا نستطيع ان نضع اصبع الابهام ونشير إلى ان التجربة بدأت من هنا في السويس أو من بورسعيد لأن التاريخ سيحتج وسيتدخل لتصحيح هذا «اللوي» قائلا: لماذا لم تخرج من الاسماعيلية؟ فالمدن الثلاث صاحبة تاريخ مشترك، وسمات مشتركة ورؤى مشتركة. وكانت السنوات الحبلى المنتظرة للمواجهة الحقيقية بين العرب واسرائيل، لم تكن في الواقع سنين 67 إلى 1973 انما التجربة النضالية كانت قد بدأت في بورسعيد في الاعوام 51، 52، 1956. وصولا إلى الخامس من يونيو الحزين في العام 1967 مقاومة عنيفة تضحيات بالغة تعطينا حق التسمية.. انهم مواطنون اختاروا الوطن وفي الاسماعيلية كانت المواجهة الحاسمة في 51، 52 حين اشتركت قوات الشعب مع الشرطة في مواجهة الانجليز وتواصل زحف الارادة إلى العام 56 فالعام 1967. وفي السويس تعلن احداث كفر أحمد عبده، تلك القرية الصغيرة جدا التي قاومت جحافل الانجليز، فأحرقوها عن آخرها، وتمتد المقاومة إلى عام 1952 وعام 56 ثم يونيو الحزين.اذن، فالخاصية هنا واحدة، والسمات مشتركة، تبرز في تلك المقاومة ورفض اشكال الاحتلال المختلفة، ومن ثم الانحياز الواضح إلى الوطن، لان المواطنين هنا في شاطيء القناة وجدوا انفسهم وسط معارك تدور سواء باراداتهم او بغير ارادتهم وقد ادت هذه الاحداث بطبيعة الحال إلى صمودهم ونضالهم وقوة تحملهم كل ذلك ادى إلى ايجاد روح المقاومة، الرافضة للاستكانة، من خلال الحركة الديناميكية في عمليات المواجهة اليومية والحياتية. ولأن تاريخ شاطيء القناة المقروء يبدأ مع ضرب أول معول في شق القناة صباح 25 ابريل 1859 لذلك فقد انصهرت النوعيات المختلفة للبشر التي استقدمت للمشاركة في اعمال الحفر، واصبحت شخصية ابناء هذه المنطقة ذات معالم حفرتها سنين الغربة والليالي الطويلة، والعرق، والدمع، والدم كما فرضت طبيعة البيئة الفقيرة، والبحر، فضلا عن الصراع مع الاجانب على هذه الشخصية التفرد بخصائص وسمات جعلت منهم مواطنين قادرين على مواجهة ظروف الحياة فضلا عن التنافس مع الاجنبي القابع على ارضهم. ويأتي 5 يونيو، في الصباح علق الناس الورود على رقاب المدافع في السويس، حالمين بمواجهة حاسمة مع اليهود، مأخوذين بالتصريحات عالية النبرة، لكن في الظهيرة كان الموقف مغايرا فصورة الهزيمة واضحة المعالم ـ إذن كان عليهم الاختيار ما بين استسلام ولطم الخدود أو رباطة جأش ليسيروا في طريق المقاومة. هنا تدخل السنوات الست بتفصيلاتها اليومية والحياتية لتشكل لوحة الانسان المقاوم والمقاتل والمستبسل والصامد حتى وصلوا وتواصلوا مع ملمح مهم: «الكل في واحد». ويبدو أنه على «هذه الارض ما يستحق الحياة» فقد كانت الروح سارية في ابدان الناس، فأصروا «الكل في واحد». ـ ماذا حدث اذن في مساحة الزمن الواقعة بين نصر مزهو ـ لكنه ناقص لعدم الاستسلام ـ وجزع من الاستنزاف في العام التاسع والستين؟! انه يعني من ناحية ان «المنتصر» الذي كان يتوقع الاستسلام الفوري غداة يونيو، صار يشكو من الضغط والخسائر اليومية، ويناقش مدى امكانياته لاحتمالها فترة مقبلة من السنين، تمتد في تقديره إلى خمس عشرة سنة. ويعني من ناحية ثانية ان «المهزوم» قد استطاع ان يمارس ضغطا على العدو ويلحق به خسائر يومية لا يسعف الزمن العدو على احتمالها حسب تقديره الا في حدود خمس عشرة سنة! اذن فحركة الزمن تتجه إلى غير صالح اسرائيل وبالتالي اصبح الزمن موضوعيا عبئا عليها وكانت هذه حقيقة موضوعية من حقائق الموقف آنذاك. والايام حبلى بالسنين الست، فإن هناك حقيقة مدهشة تقول ان الوجدان العربي كان يفور الشعور منه، بأن الهزيمة لم تنزل بساحتنا الا امس فقط، ومع ذلك فإن الحقيقة التاريخية بنت الواقع، تؤكد بحساب دورة الزمن انه قد مضى على الهزيمة ست سنوات بالتمام والكمال!هذه الحقيقة التي تبدو متناقضة هزيمة مرت عليها سنوات ست كأنها لم تنزل الا امس كان من ايجابياتها وظواهرها على «ناس شاطيء القناة» أن الهزيمة بكل ثقلها لم تستطيع ان تستوعب الانسان العربي في قالبها او تستأنسه لواقعها وقيودها، وذلك على الرغم من تعدد وتراكم محاولات الاستيعاب والاستئناس!! وتؤكد ان المدهش ان الهزيمة والتي كانت مثل طعم العلقم اليومي للانسان العربي الذي كان ينام ويصحو مع الهزيمة تحت سقف واحد لكنه لم يقبلها كان يعاني مرارتها ومهانتها وامتصاصها لعرقه لكنه كان يتكبر عليها ويرفضها، وهذا هو المصدر الجوهري ـ وربما الخفي ـ للصمود والمقاومة بمعنى ان المقاومة المتنامية ذاتيا هي الوجه الآخر للهزيمة نفسها لذلك فإن الانسان العربي بخوضه معركة التحرير الشاملة لم يكن يسعى لتحرير وطنه فحسب بل ويحرر في الوقت ذاته. ويعمل على استردادها غير مهانة، ويحرر طاقاته المقيدة، ليواصل مشوار بنائه لمستقبله. السنون الست الحبلى تنتظر «الفرج» والاقتراب من لحظة المواجهة على الابواب. وفجأة، اعلن وصول المولود وخروجه إلى الحياة ليؤكد حقيقة «الميلاد» كان ذلك في الساعة الثانية وخمس دقائق من يوم السبت السادس من اكتوبر 1973 حيث زفت البشرى الينا «المواجهة» وانطلق الجميع يقول: «الله أكبر». انطلق السطر الأول في حسم تراجيديا الانسان ليس على شاطيء القناة بل على خريطة العرب كلها، كان في الساعة الثانية و15 دقيقة من خلال البيان العسكري الاول الذي قال للدنيا كلها ان ساعة الخلاص قد حانت وأن المواجهة قد تمت وان ما تبختر به ديان في العاشر من يونيو 1967 كان خرافة!وكان السطر الخامس الذي اذيع في الساعة الرابعة و6 دقائق قد حمل «صياغة حاسمة» بأن فصل الختام قد تم «فعلا» وان السنين الحبلى بآلام الايام وعرق الليالي قد اخرجت مولودا صحيح البدن إلى الحياة قال البيان: «نجحت قواتنا المسلحة في اقتحام قناة السويس في قطاعات عديدة واستولت على نقط العدو القوية بها، ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة». وقبل أن يفيق الناس من «دوخة الفرحة» خاصة ـ المرابطين ـ على القناة كان السطر السابع الذي اذيع في الساعة السابعة و35 دقيقة من مساء السبت 6 اكتوبر 1973 يؤكد لهم نصرهم الذي وعدهم الله به: «نجحت قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس على طول الجبهة وتم الاستيلاء على معظم الشاطيء الشرقي للقناة وتواصل قواتنا حاليا قتالها مع العدو بنجاح، كما قامت قواتنا البحرية بحماية الجانب الايسر لقواتنا على ساحل البحر الابيض المتوسط وقد قامت بضرب الاهداف المهمة للعدو على الساحل الشمالي لسيناء باصابات مباشرة». وتواصلت السطور تكتب بالدم فصلاً جديداً من كتاب الحرب بين العرب واسرائيل في مواجهة شرسة اكتشف من خلالها ابناء الشعب العربي في مصر زيف اسطورة الجيش الذي لا يهزم، وكانت الصيحة: الله أكبر. وكانت الفرحة: الله اكبر. وكانت المواجهة التي تأخرت من ايام الصليبيين، تقول في مقدمة السطور: الله أكبر. الحقائق الخمس ـ هنا يبرز تساؤل عريض: ماذا حققت المفاجأة الاكتوبرية على ساحة الانسان العربي بشكل عام والانسان المصري بشكل خاص ومن ثم على وجه الخصوص انسان القناة الذي عاش «مخاض» السنين لا يعرف متى تنتهي ومتى يخرج المولود إلى حيز الحياة الرحب والواسع؟ ـ لقد اصبح من الثابت أن ما تم اقتحامه في السادس من اكتوبر لم يكن فقط خط بارليف المنيع واستحكاماته وما نسجته حوله آلة الحرب الاسرائيلية من اساطير، قد تهاوى هذا الجدار السميك العازل الذي اقامته ودعمته القوى الامبريالية العالمية حول العرب ونقصد «جدار الخوف وفقدان الثقة بالنفس وغلبة الشعور بالتدني في مواجهة التقدم الحضاري والتكنولوجي الاسرائيلي»! كما ان النتائج الباهرة التي تمخضت عنها الساعات الاولى للحرب اكدت انه لا شيء اسمه «المستحيل» في «وجه التخطيط الملائم والحشد الهائل للامكانات». لا نبالغ اذا قلنا انه لاول مرة منذ زمن طويل في تاريخ العرب الحديث يتوحد شعور العرب من المحيط إلى الخليج، بشعور حقيقي وعاطفة صادقة من التضامن والاخاء. كما تبرز من سنين المعاناة والخندق وانقطاع الكهرباء والمياه والطعام الشحيح والغارات المستمرة على شط القناة عدد من الحقائق: 1 ـ لقد علمت سنين الحرب المواطن العادي السياسة بشكل مكثف، ذلك أن هؤلاء البسطاء الذين التقيت بهم في مدن القناة وقراها خاصة من الفلاحين والعمال نشأوا وتربوا على التعلق بحب التراب الوطني وربطوا بين هذا الحب وبين قيم الشرف والكرامة كما يمارسونها في حياتهم وعندما تعرض الوطن للخطر بعد 5 يونيو اصبحت هذه القصة هي مفردات حياتهم اليومية: «وعظم ولادنا نلمه.. نلمه، ونعمل منه مدافع، وتدافع، ونجيب النصر، هدية لمصر، تكتب عليه أسامينا». 2 ـ مرت مصر بلحظات حرجة، بل وهائلة، ولم يكن من الميسور تجاوزها، لولا يقظة البسطاء وضح ذلك جليا من هبة الناس للدفاع عن بقاء النظام الذي اقامته ثورة يوليو ورفضها الهزيمة في صورة رفضها تنحي جمال عبدالناصر في التاسع والعاشر من يونيو 1967. 3 ـ ان العطاء الكبير الذي قدمه ناس القناة، وهم كتيبة متقدمة من ابناء الشعب العربي في مصر ـ كان على مستوى الوعي السياسي العالي النبرة، برز ذلك في التطوع والمقاومة الشعبية فضلا عن عدم التفريط في ارض القناة بالهجرة منها بل لقد هجروا اطفالهم ونساءهم وبقوا حارسين لهذه الارض انتظارا لساعة الخلاص. 4 ـ ثبت ان ناس القناة شكلوا في مجملهم بطولة جماعية، لم يزعم احد انه صاحب الفضل في ايقاف دبابة او انه صاحب الطلقة الاولى في ملحمة 24 اكتوبر في السويس على سبيل المثال لقد قالوا: «لقد كان فرح عمدة» بمعنى النيران من كل جانب لم ينسب احد لنفسه «البطولة» لقد كانوا «الكل في واحد» فرسموا صورة شديدة الاخلاص في التفاني والذوبان وانكار الذات، لقد كانوا مواطنين اختاروا الوطن. 5 ـ افرزت معارك اكتوبر بعدا شرياً جديدا في القوات المسلحة المصرية اذ ان الجندي الاسرائيلي المتعلم «كوهين» واجه جنديا جديدا متعلما «محمدين» ابن القرية المصرية الذي صار على مستواه التكتيكي والثقافي مزودا بذخيرة جديدة يهتف «الله أكبر» ولديه صلابة روحية وقتالية منبثقة من ارادته في تحرير ارضه وكان وجود 182 الف جندي مصري من اصحاب المؤهلات العلمية العالية ينتمون إلى اربعة آلاف قرية سببا جوهريا في مد الجسور الاجتماعية بين الجيش والشعب وبحسبة بسيطة صار لكل قرية مصرية 36 مقاتلا مثقفا، فضلا عن ابنائها العاملين بالجيش أصلا. بقي ان نقول ان مصر الاكتوبرية انطلقت إلى الحياة ـ بناسها ـ من خلال المعاناة المريرة والعميقة لهزيمة 1967 وهي معاناة استمدت خبراتها وطاقاتها من تراث التاريخ النضالي والثوري للشعب المصري على مدى اجيال متصلة وكذلك من جهد ألوف المقاتلين الذين ارتفعت مهاراتهم القتالية من خلال التدريب العالي الكفاءة واستيعابهم لتقنية العصر بمعنى انه اذا كانت معارك اكتوبر قد ولدت تخطيطا وتنفيذا في عام 1973 فإن مصر ظلت حبلى بها اكثر من ست سنوات، وذلك منذ أن اصر الشعب المثخن بالجراح وسط الظلمة الحالكة على مقاومة هزيمة 1967 واستطاع بصموده وعرقه وتضحياته وزهرة شبابه ان يخصب قواته المسلحة. انها ببساطة كانت قضية «عبور وطن وشعب». تأليف: محمد هيكل