السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 زيارة الولايات المتحدة، الدولة الأعظم في العالم، تركتني في حالة من الاضطراب وعدم الارتياح، هذا اذا لم أقل مع شعور صعب في المطار يطلبون منك ان تخلع حذاءك وان تضعه في جهاز الكشف وحقيبتك اليدوية تخضع للفحوصات الكيماوية لكشف النقاب عن امكانية وجود مسحوق بارود، أما الأدوات الحادة فتصادر على الفور، خلال بعض الرحلات وخصوصا في مسارات واشنطن حظر على المسافرين ان يقوموا من مقاعدهم حتى لحظة الهبوط، مسافرو شركة العال الاسرائيلية لم يكونوا ليقبلوا بمثل هذا القرار لو فرض عليهم، في بعض المناسبات في نيويورك طالبونا بحمل هوية مع صورة وان نتعرض لفحص الحقائب، كل هذا ليس بالامر الجديد، ولكن الدولة التي كانت جبهتها الداخلية منيعة في كل الحروب التي شاركت فيها، يمكن القول ان تعرضها لهجمات ارهابية وفي القلب كان صادما من الناحية النفسية. في شهر اكتوبر من العام الماضي قام شخص واحد باثارة جنون اميركا برسائل حاملة لفيروس الجمرة الخبيثة، هذا الشخص أصاب قطاعات واسعة من الحكم الاميركي بالشلل ودفع نائب الرئيس الاميركي للاختفاء في مقر سري في حالة اصابة الرئيس بالضرر، وفي شهر اكتوبر الجاري عشت رهبة الخوف من القناص الذي كان نجما لكل النشرات الاخبارية في كل يوم، وتساءلت بيني وبين نفسي ما الذي كان سيحدث لو كان هناك 50 قناصا وليس قناصا واحدا، ينتشرون في أرجاء اميركا، اميركا في حالة من الهلع من الارهاب وفي حالة صدمة نفسية حتى النخاع، ولا غرابة اذن من ان اعلان بوش للحرب على الارهاب قد وفر له شعبية كبيرة.ولكن مع الوقت لم يعد واضحا اذا كان بوش الذي يدفعه كل من تشيني ورامسفيلد يعرف ما الذي يقوم به، الهجوم على افغانستان والذي جرى في غمار موجة الغضب لم يقض على القاعدة ولا على الارهاب. وفي ذروة حملة المطاردة للقناص، وبينما كان الاف.بي.آي يطلق تحذيراته للناس، كشف رئيس الـ سي.آي.ايه جورج تينيت النقاب عن ان تنظيم القاعدة قد أعاد بناء نفسه وانه يقوم بالتحضير لعملية كبيرة في قلب اميركا (تحذير مماثل وجه لاسرائيل ايضا حسب مصادرنا العليمة)، تفجير سفينة الوقود في اليمن والعملية الدموية في بالي والعمليات اليومية ضد الجنود الاميركيين في الكويت ما هي الا باكورة الرياح التي تسبق الموجات الارهابية الموجهة ضد اميركا، الرئيس الاميركي بوش كان محقا عندما أعلن الحرب على الارهاب،. ولكن بوش بنشوة شعبيته المتصاعدة قام بتغيير أهداف الحرب في منتصف الطريق: 1ـ لم تعد حربا صرفة ضد الارهاب وانما خطوة ضخمة للدمقرطة والاصلاحات وتغيير الانظمة الدكتاتورية في الشرق الاوسط، وهي مهمة تبدو غير ممكنة. 2ـ حرب ضد العراق للقضاء على صدام حسين ونظامه. 3ـ الخروج في مغامرة طموحة تماثل اعلان الحرب على الحكام العرب الذين هم اصدقاء لاميركا، وعلى الدكتاتوريات كلهم من دون دعم الامم المتحدة ومن دون تحالف اقليمي، اميركا وحدها ضد كل العرب. قرار مهاجمة العراق مسألة خلافية، فالعراق ليس مشاركا مباشرة في الارهاب مثل ايران واليمن ولبنان وسوريا، والكثيرون يرون في هذه الخطوة تسوية للحسابات العائلية، «لم ننتخب بوش حتى يخوض الحرب ضد العراق» هكذا كتب أحد الصحفيين في «واشنطن بوست». وخطة بوش الهائلة التي ستقوم الولايات المتحدة بناء عليها بفرض نظام عالمي جديد بالقوة، تثير الشكوك حتى عند الجنرالات من قدامى محاربي حرب الخليج، وفكرة التركيز على بغداد أولا من الجو وبعدها من خلال القوات البرية في منطقة سكنية تثير المخاوف، حيث توجد امكانية شبه مؤكدة بأن يوافق الرئيس العراقي على كل شروط التفتيش ويترك بوش مع نهمه غير المشبع، أو انه سيعاند حتى النهاية ويستخدم اسلحة فتاكة ضد جنود بوش الذين سيعودون جثثا هامدة الى بلادهم.والكثيرون لا يثقون برجاحة تفكير بوش «كقائد أعلى» ولا يوجد أي تأكيد بأنه قد خطط لليوم التالي، وفي ساحة بوش يقولون ان النصر على العراق سينزل ضربة على الانظمة الداعمة للارهاب، وربما يؤدي الى تسوية الصراع عندنا، واذا كان قناص واحد قد استطاع وحده اثارة جنون اميركا، فما الذي ستفعله ضحايا الارهاب كل الوقت للحرب ضد الارهاب وللعالم الحر ولنا اذا فشلت هذه العملية الضخمة؟. بقلم: يوئيل ماركوس عن «هآرتس»