الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 في مياه باردة الى حد التجمد، يستعد احد الرجال للصعود على متن قاربه «الكاياك» الأحمر والازرق المصنوع من مادة البوليئثيلين. ويبدو ان شوان بيكر، حامل اربعة ارقام قياسية عالمية في كتاب جينيس، قد اتخذ قراره الذي لاعودة عنه. وشأن فارس برمائي غريب يعتزم خوض معركة قاتلة مسلحا بمجاديف من ألياف الكربون وقفازات قوية وخوذة تغطي الرأس والوجه واحزمة للجسم معززة بطبقات من درع بلاستيكي وحشوات من الرغوة، يتجه بيكر مباشرة نحو ما يبدو وكأنه نهاية الأرض. وفي داخل خوذته يكون عالم المجدف صامتا تقريبا. والصوت الوحيد هو صوت تنفسه السريع. فهو يتنفس بقوة من الرهبة والترقب للحظة التي سيتعين عندها ان يأخذ جرعة اخيرة من الهواء. يصفر الهواء الجليدي ويهب مطرطشا الماء على مقدمة خوذته بينما تسحبه الجاذبية اسرع فأسرع الى الحافة. ويرى بيكر، المحاصر في واقعة السريالي الخاص، مجاديفه تغوص في جهتي اليسار واليمين، وكأنها تعمل بجهاز للتحكم عن بعد. وعلى اطراف الجرف الصخرى، تصطف مجموعة من السياح، الذين نزلوا لتوهم من حافلات مملوءة بالركاب. وفي أرض تتخللها شلالات رائعة، يكون هذا الشلال هورد شمالي آيسلندا على شلالات نياجارا وهو شلال غودافوس، او شلال الآلهة. يقول احد السياح محدثاً صديقه: «أنظر، رجل مجنون يوشك على الانتحار». ان مالا يستطيع بيكر رؤيته هو السبب الذي حدا بهؤلاء السياح الى القدوم هنا، وهو مشاهدة الشلالات. والأمر الذي لا يعرفه السياح هو ان ما يرونه هو رابع هبوط لبيكر على الشلالات اليوم. انه مجرد يوم عادي بالنسبة لابرز رياضي يمارس ركوب قوارب «الكاياك» في العالم، وهو يصور فيلما للشركة الراعية وهي الشركة المصنعة لمشروب خاص بالنشاط والقوة. وما يبدو انها حماقة صرفة جرى في الحقيقة التخطيط لها حتى ادق التفاصيل. فطاقم الفيلم، الذين يتخذون مواقع استراتيجية، لديهم حبال أمان جاهزة في حال فقد بيكر مجدافه او سقط من قاربه. والشلالات تبرز منها خناجر من الصخر حادة بما فيه الكفاية لأن تقطع ذراعاً او تخرق القارب وتبقر بطن الشخص الذي يقوده. وعلى بروز صخري صغير وعلى بعد 50 متراً عن أسفل الشلال يقع خط الدفاع الاخير لبيكر، وهو آنت بيركنز، الذي يعتبر هو نفسه مجدف محترف، وهو جاهز للاسراع في انقاذ بيكر اذا ما اقتضى الأمر. ولاتقتصر اجراءات الأمان على ذلك، فكل قطعة من المعدات إما جرى تصنيعها خصيصا او جرى تطويعها لهذا الغرض. وقارب بيكر هو من طراز «توبولينو» المصنوع على يد الألماني اسكيمو وهو صغير الحجم. ويحتاج المغامر الى قارب يمتاز بالقابلية للاختراق والطفو على الماء لدى اختراقه الماد من ارتفاع خمسة طوابق. ويقول بيكر حول تلك المغامرة: ان اصابة العمود الفقري هو الخطر الأكبر. فطرف «الكاياك» يمكن ان يخترق فقرة من فقرات الظهر ببساطة. ويمكن ان يكون الأمر اشبه بالقفز من نافذة على علو خمسة طوابق والسقوط مستوياً على ظهرك. ولهذا الغرض، فان الجزء الامامي من كاياك بيكر مستدير ومصمم بحيث ينقلب ويمتص الصدمات المكسرة للعظام اذا ما ارتطم بصخرة مخفية تحت السطح. والخوذة ضرورية للقيام بهذه الحركة الجريئة. ويقول بيكر عنها: «اذا كانت هناك شجرة او صخرة تحت السطح، فانك بدون الخوذة قد يتعرض وجهك للتحطم». أولى تحديات بيكر الكبيرة للشلالات حدثت في عام 1986 عندما غاص فوق «شلال سوالو» في شمال ويلز الذي لم يسبق لأحد ان تغلب عليه. وفي يناير من عام 1987، سجل رقما قياسيا عالميا جديدا وضع في كتاب جينس للارقام القياسية للسقوط الحر بقارب الكاياك من قمة شلال بعمق 15 متراً. وذلك عندما نزل من شلال عمودي في الجبال السوداء في وسط ويلز. ولكن أنباء محاولاته تلك لم تلق صدى ايجابيا من جانب زملائه. بل انه تعرض للانتقاد من جانب نظرائه في الصحافة المختصة قائلين ان ما يقوم به لايعد مهارة رياضية وانما حركة متهورة قد تقوده الى حتفه. وفي السنة التالية، عندما قدم متنافسو الاسلوب الحر لأول مرة الى بريطانيا من الولايات المتحدة، قرر ان هذه المناسبة هي فرصته لاثبات مهارته في التجديف ولاسكات منتقديه. وبعد ذلك، مضى بيكر ليهيمن على هذه الرياضة خلال العقد التالي وليفوز باللقب الوطني للمملكة المتحدة تسع مرات بما في ذلك منافسات عام 1990 الممهدة لبطولة العالم. ويعتبر بيكر البالغ من العمر الآن 38 عاماً من ابرز اللاعبين في العالم والمغامرين الذين ظلوا على قيد الحياة رغم مغامراتهم الجريئة والخطيرة.